كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) في لقاء طلّاب المدارس والجامعات – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) في لقاء طلّاب المدارس والجامعات

بسم الله الرحمن الرحيم،[1]

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا، أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين، [ولا] سيما بقية الله في الأرضين.
أيها الأعزاء، الشباب واليافعون، إن لقاءكم لقاءٌ مفعم بالبركة والحماسة والمعاني. أتوجه بالشكر إلى الذين قدّموا الفقرات من إلقاء كلماتٍ وإنشادٍ وتلاوة القرآن، وكذلك مقدّم المراسم المحترم.
بين هذه الحوادث الثلاث في 13 آبان (4 تشرين الثاني/نوفمبر)، وجّه الأمريكيون ضربة إلى الشعب الإيراني في حادثتين، وفي حادثة، وجّه الشعب الإيراني ضربة إلى الأمريكيين. هاتان المناسبتان اللتان كانتا ضربة وجهتها أمريكا إلى الشعب الإيراني إحداهما نفي الإمام [الخميني] في 13 آبان 1343 (4/11/1964) بسبب معارضته «الكابيتولاسيون». «الكابيتولاسيون» مصطلحٌ سياسي معناه أن يتمتع موظفو دولة ما بالحصانة في دولة أخرى، أي إن ما جرى إقراره في إيران على يد الحكومة البهلوية الخائنة هو أن يتمتع الموظفون الأمريكيون في إيران بالحصانة، ما يعني ألّا يُحاكموا في المحاكم الإيرانية على أيّ جريمة يرتكبونها. كان هذا هو «الكابيتولاسيون». إنه من بين أكثر القوانين مَذلّةً، فإذا افترضتم أن أميركياً يسكر ويقود سيارة في الشارع ويدهس عشرة ويقتلهم، فلا يحق للمحاكم الإيرانية محاكمته [بل] ينبغي إرساله إلى أمريكا ليُحاكَم هناك. لقد أقرّوا هذا القانون في الحكومة البهلوية وارتفع صوتٌ لمعارضة هذا القانون – صوت جهور – هو صوت الإمام الجليل الذي وقف وألقى خطاباً وقال: نحن لا نرضخ لهذا القانون،[2] فكانت النتيجة اعتقال الإمام يوم 13 آبان ونفيه من إيران. لذلك كان هذا العمل من فعلة الأميركيين، ما يعني أنهم مَن وجّهوا الضربة إلينا.
الضربة الثانية قتل تلاميذ المدارس. خلال أيام ذروة الحركة الثورية للشعب الإيراني، إذْ لم تكن الثورة ضد بهلوي فقط بل ضد بهلوي وأمريكا، ارتكبت شرطة الطاغوت، شرطة الشاه، مجزرة بحق تلاميذ المدارس هنا أمام جامعة [طهران] هذه. انهالوا عليهم بوابل الرصاص فجزّروا في عدد من التلاميذ. كانت هذه في 13 آبان أيضاً. إذاً، هاتان الحادثتان كانتا ضربة وجّهها الأمريكيّون إلينا وإلى الشعب الإيراني.
بعد عشرة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية، في 13 آبان 1358 (4/11/1979)، ذهب الطلاب واقتحموا السفارة الأمريكية وسيطروا عليها، وكشفوا أسرار تلك السفارة ووثائقها السرية. أُريق ماء وجه أمريكا. وكانت هذه ضربة الشعب الإيراني لأمريكا. هذه هي الحوادث الثلاث.
حسناً، ما أريد قوله: يا شباب اليوم، يجب أن يكون لديكم تحليل للقضايا المختلفة؛ لا تكفي العواطف فقط. سأشرح ما أقصده بهذا الكلام. يجب أن يكون لديكم تحليل لأساس الثورة الإسلامية. ينبغي أن يكون لديكم تحليل لقضية «الدفاع المقدس»، حرب السنوات الثماني، وكذلك يجب أن يكون لديكم تحليل للقضايا المختلفة في الثمانينيات، وأن يكون لديكم تحليل للانحرافات في التسعينيات، وأن يكون لديكم تحليل للأحداث المختلفة في العقدين الأخيرين، أي أن تعلموا وتشخّصوا ماهية الحادثة، ومن أين بدأت، ومن وراء هذه الحادثة، وما نتيجتها؛ كذلك يكون التحليل.
الآن أريد أن أطرح مسألة هي مواجهتنا مع أمريكا. حسناً، منذ ساعة وأنتم ترددون الشعارات ضد أمريكا – لا شك في ذلك – ولكن ما المسألة؟ ما مشكلتنا مع أمريكا؟ الأميركيون أنفسهم ينسبون عداوتهم للشعب الإيراني إلى مسألة السفارة – التفتوا! إن هذا [الموضوع] الذي أتحدث عنه مبنيّ على التنبّه والاطلاع على ما يجري وما يرومون فعله، وأريد منكم، أيها الشباب الأعزاء، أن تنتبهوا – وهناك أشخاص أيضاً يتبعونهم ويكررون الشيء نفسه. ماذا يعني ذلك؟ أي يقولون: يا رجل! السبب في أن أمريكا تفرض الحظر على إيران وتخاصمها وتثير أعمال الشغب فيها وتفتعل المشكلات، وهذه العداوات بين أمريكا وإيران، هو أن طلابكم ذهبوا وسيطروا على السفارة الأمريكية. هذا ما يقوله الأمريكان و«مَن يتبع» أولئك في الداخل أيضاً. خلال رئاستي الجمهورية، أجرى مقابلةً معي صحافي ومحاور مشهور في أمريكا يومذاك في نيويورك، وكان أول قول له هو أن الخلاف بيننا وبينكم جرّاء دخولكم سفارتنا والسيطرة عليها. يريدون أن يُرسّخوا هذا [في حين] أنه كذبة كبيرة؛ ليست هذه هي القضية. قبل 26 عاماً من حادثة السفارة، وقع انقلاب «28 مرداد» (19 آب/أغسطس). حسناً، لم يكن قد ذهب أحد إلى السفارة في ذلك اليوم! سنة 1332 (1953م)، أطاح الأمريكيون في إيران بحكومة وطنية مستقلة غير تابعة لأمريكا، عبر انقلاب إجرامي ظالم؛ هذه هي عداوة الأميركيين. لذا، إن عداء أمريكا للجمهورية الإسلامية، وللشعب الإيراني، ولإيران الإسلامية، لا علاقة له بمسألة السفارة.
أثبتت الوثائق التي تأتَّت من السفارة – أنتم تعلمون بداهة: ذهب الطلاب الجامعيون وجلبوا الوثائق، وكان الأميركيون قد رموا عدداً كبيراً من هذه الوثائق في آلة تمزيق الورق، وجلس الطلاب بمنتهى الصبر، ولصقوا مِزَق الورق هذه بعضها ببعض، وهذه المذكرات تشكل الآن ما بين سبعين مجلداً إلى ثمانين من الكتب – أثبتت أنَّه منذ تلك الأيام الأولى لِما بعد انتصار الثورة كانت السفارة الأمريكية مركز التآمر على إيران والتجسس عليها. حتَّى إنَّه كان يجري في السفارة التخطيط لانقلاب، أي أنْ يُدبِّروا انقلاباً ضد الثورة، وكان يُخطط لحرب أهلية، ويسعون لإضرام حرب أهلية في المحافظات الحدودية للبلاد، وكان يُخطط لكيفية اختراقهم الحكومة الثورية الجديدة، وكانوا يديرون وسائل الإعلام المناوئة للثورة في الداخل، وكانوا يقودونها: لتكتبوا هذا، ولتقولوا هذا، ولتختَلِقُوا هذا، ولتبثوا هذه الشائعة، وكذلك كانوا يخططون للحصار. أي إنَّ السفارة منذ الأيام الأولى لانطلاق الثورة كانت مركز التآمر على البلاد والثورة. لذا لا علاقة لعداوة أمريكا بالاستيلاء على وكر التجسس [السفارة]، فقد كانوا بدؤوا نشاطاتهم ضد الثورة قبل ذلك بمدة طويلة.
إذاً، ليست المسألة كما يوحي الأمريكيون، ولا كما يروِّج بعضهم في الداخل، وهم سُذَّج أو لأسباب ودوافع مختلفة: يا سيِّد، إنَّ سبب أنَّكم ترون قوَّة عظمى كأمريكا تمارس كل هذا النشاط ضد الجمهورية الإسلامية هو أنَّكم ذهبتم في الوقت الفلاني واستوليتم على سفارتهم. كلا، هذه ليست هي المسألة. فما القصة؟ لكي يتسنى لنا فهم القضية على نحوٍ أكثر جذريَّةً، فلنرجع قليلاً إلى الوراء. أودُّ وأرغبُ أن تشتغلوا – أيها الشباب واليافعون – على هذه القضايا بدقَّة وتفكير لأنَّ الغد ملكٌ لكم، وأنتم سواعد تقدُّم البلاد، والبلاد ملكٌ لكم، وعليكم أن تمضوا قُدُماً. فلنمضِ قليلاً أكثر عمقاً ولنُقيِّم القضايا.
بدأ موضوع نفوذ الغربيين في إيران انطلاقاً من بريطانيا، فهم أوَّل من قَدِمَ إلى إيران. بالطبع، تغلغلوا في حكومة القاجاريين منذ 1800 ميلادي، ووسَّعوا نفوذهم بالتدريج. كان هدف البريطانيين أن يفعلوا في إيران ذلك الأمر عينه الذي فعلوه في الهند. أنتم تعلمون أنَّ الهند كانت نحو 150 عاماً في قبضة إنكلترا، وأنَّ البريطانيين سلبوا الهند رمقها، فالقسم الأعظم من ثروة البريطانيين ناجم عن استعمار الهند، وهذا الأمر نفسه قصة طويلة. كانوا يريدون فعل هذا الأمر نفسه في إيران، أي أن يبدؤوا أولاً من مكان صغير، ثم يتوسَّعوا بالتدريج ويسيطروا على الموارد الاقتصادية للبلاد، وبعد أن يكون اقتصاد البلاد قد صار في قبضتهم، تغدو الهيمنة السياسية سهلة عليهم، وهذا بالضبط على غرار العمل الذي أقدموا عليه في الهند. بداية أطلقوا في الهند شركة «الهند الشرقية»، وبعد أن تقدَّمُوا، سيطروا على حكومة الهند، وباتت البلاد جزءاً من الإمبراطورية البريطانية، وكان الوضع على هذا النحو نحو 150 عاماً. الطبيعي أنهم كانوا يريدون في إيران كذلك الإقدام على هذا العمل نفسه. فمن أوائل الأعمال التي عمدوا إليها موضوع احتكار التنباك – بطبيعة الحال، سمعتم باسم «ثورة التنباك» – ليكون احتكار زراعة تنباك البلاد وبيعه وشراؤه بيد البريطانيين. لم تعِ الأجهزة الحكومية لذلك العصر – عصر ناصر الدين شاه –معنى هذا الأمر، وقبلوا. أدرك الميرزا الشيرازي، مرجع الشيعة للتقليد، في سامراء، ما وراء القضية، وبفتوى واحدة، ألغى هذه الاتفاقية وقضى عليها. كان هذا أول عمل لهم، وبطبيعة الحال، لم يتحقق. كان هنالك اتفاقات مختلفة من هذا القبيل واحدة إثر أخرى، ومن أهمها الاتفاقية المعروفة بـ«وثوق الدولة»، فعام 1919 ميلادي و1299 هجري شمسي، أعطى البريطانيون رشوة ضخمة لرئيس وزراء إيران إذّاك[3] وأبرموا هذه الاتفاقية. كانت «وثوق الدولة» تضع اقتصاد إيران وسياستها وجيشها ونظامها وكل ما تملكه تحت تصرف البريطانيين. وقد أُبرمت أيضاً هذه الاتفاقية، لكنَّ الشهيد مدرِّس تصدَّى وحيداً في «مجلس الشورى الوطني» آنذاك لها، وفضح الأمر، ولم يسمح بأن يصل إلى نتيجة، وأُلغيت هذه الاتفاقية أيضاً. كان هنالك اتفاقات أخرى كذلك – من قبيل «رويتر» وغيرها – وأُلغيت أكثر هذه الاتفاقات على يد علماء الدين وقُضي عليها وحِيل دونها.
بالطبع، أخذ أيضاً البريطانيون ثأرهم من علماء الدين في ما بعد، ورأت الحكومة البريطانية أنه لا يمكن [العمل] بهذا الأسلوب، وأنَّ المخطط الذي طبَّقوه في الهند ليس عملياً في إيران، فوصلوا إلى حلٍّ – التفتوا جيداً – هو أنَّهم فكروا في أنَّه ينبغي أن يأتوا إلى السلطة في إيران بحكومة ديكتاتورية قمعية مرتهنة لهم مئة بالمئة لكي لا يكون لديهم هاجسٌ بعد، ولكي يُنفَّذ في إيران كل أمر يريدونه عبر تلك الحكومة نفسها. فعثروا على رضا خان العسكري، وكانوا يعرفونه، واكتشفوه. رضا خان هو ذلك الذي كان يحتاجه البريطانيون، فقد كان عديم الرحمة وعنيفاً جداً ووقحاً وعاميّاً وأمياً للغاية في ما يتعلق بالمعارف وفاقد المعرفة بها، وسلوكه سلوك الأوباش، وعديم التقوى والإيمان. عثروا على مثل هذا الشخص. استغلوا ضعف ملك القاجار أحمد شاه ودبَّروا انقلاباً في إيران عبر رضا شاه وفرد آخر – السيد ضياء الطباطبائي الذي نَحَّوه لاحقاً جانباً – وبداية جعلوا رضا خان قائداً عاماً للقوات المسلحة، ثم رئيساً للوزراء، ثم ملك إيران، وتحقَّق في البلد ذلك الشيء الذي كان يريده البريطانيون.
بالطبع، كان أول عمل أقدموا عليه على يد رضا شاه هو قمع علماء الدين وبث الرعب في قلب الشعب. أخافوا الشعب بشدَّة، فكما ذكر لنا آباؤنا والأكبر منَّا لم يكن أحد يجرؤ على التنفس في عهد رضا شاه. حتى إنَّه لم يكن ليجرؤ أحد على انتقاد رضا شاه في غرفة الاختلاء، أو حتى بين اثنين إلى ثلاثة من أفراد الأسرة لم يملك أحد الجرأة [على انتقاده]! بثَّ الرعب في قلوب الشعب إلى هذه الدرجة، وجعل العلماء جليسي البيت، ونزع العمامات من على رؤوسهم، وعطَّل الحوزات العلمية. حتى إنه عارض علناً أحكام الدين من قبيل الحجاب، وفعل في إيران ذلك الأمر الذي كان يرغب البريطانيون في تحقيقه فيها، أي التحكُّم في الموارد المالية والاقتصادية. فعل كل شيء وأمر يريدونه. بالطبع، فلأُشِرْ ههنا إلى أنَّ عدَّة من المتنورين المتغرّبين أو التابعين للغرب – لم يكن جميعهم أو حتى بعضهم تابعين لكن كانوا متغربّين ومنبهرين بالغرب – كان لهم دور في تلوين حكومة رضا خان وتدهينها. هؤلاء أيضاً مؤاخذون عند الله، وأولئك المتنورون الذين لا أريد ذكر أسمائهم هم شركاء مع رضا شاه في الجريمة بحقِّ الشعب الإيراني. هذا الأمر موجود أيضاً.
إذاً، صار رضا شاه عنصر بريطانيا في إيران، ونشبت الحرب العالميّة الثانية خلال هذه المرحلة. في هذه الحرب، انحاز رضا شاه انطلاقاً من طبيعته إلى ألمانيا. كان يحبّ ممارسات هتلر فانحاز إلى الألمان، وأدرك البريطانيّون هذا واكتشفوا أنه لم يعد منه فائدة [ولذلك] نحّوه عام 1941م عن الحكم. هم جاؤوا به وهم أزاحوه أيضاً. أزاحوه وجعلوا مكانه ابنه وفق شروط معيّنة: يجب أن تفعل كذا وتتصرّف على هذا النّحو، فقال: سمعاً وطاعة. حتّى إنّهم قالوا له: ينبغي ألّا تستمع للإذاعة الفلانيّة، فقال: سمعاً وطاعة. إلى هذا الحدّ! أي كانت هيمنة بريطانيا قائمةً حتى هذه المرحلة.
بدأ الأفول التدريجي لقوّة بريطانيا في الأربعينيات. ناضل [الناس] فتحرّرت الهند وبعض الدول الأخرى في أفريقيا وغيرها، فضَعُفَت بريطانيا، وأدّى ضعفها إلى دخول أمريكا الميدان. وطأت أمريكا بقدمها إيران في أواسط الأربعينيات، بداية على نحو ملائم وبوجه بشوش عبر «النقطة الرابعة من مبدأ ترومان»[4] وأمور فيها تفاصيل كثيرة. حتى إنّها دعمت في بعض الحالات الأصوات المعارضة للبريطانيّين أيضاً من أجل أن تجذب الأنظار إلى نفسها، وللأسف، استطاعت أن تجعل بعض السياسيّين غير التابعين لبريطانيا تابعين لها وراغبين فيها. كانت تصرّفات أمريكا كذلك في إيران. بداية دخلت بأسلوب ناعم وتظاهرت بأنّها لا تنوي ممارسة الاستعمار في البلاد. سار الأمر على هذا المنوال إلى أن استلمت الحكومة الوطنيّة زمام الأمور، أي حكومة مصدّق. بالمناسبة، كان مصدّق يُحسن الظنّ في أمريكا نتيجة بساطته أو إهماله أو سذاجته. قولوا ما شئتم. كان مصدّق معارضاً لبريطانيا ويعقد الآمال على دعم الأمريكيّين! هكذا عقد الآمال على مساعدات الأجانب. عندما استلمت هذه الحكومة زمام الأمور واتّضح أنها غير تابعة لأمريكا ولا إمكانيّة لذلك، أطلق الأمريكيّون انقلاب الثامن والعشرين من شهر مرداد (19/8/1953) وأطاحوا بالحكومة وتسبّبوا في كثير من الكوارث في إيران.
ثمّ بعدما انكشف القناع عن وجه الأمريكيّين واتّضح أنّهم ليسوا حكومة صديقة لإيران ولا تحمل نيات خيّرة، فعلوا كلّ ما في وسعهم. أمسك الأمريكيّون زمام البلاد وجعلوها تابعة لهم من النواحي السياسيّة والاقتصاديّة كلياً، وأفسحوا المجال أمام دخول الكيان الصهيوني إلى إيران – الأمريكيّون هم من فعلوا هذا وأفسحوا المجال أمام حضور الأمريكيّين في إيران – وأسّسوا «السافاك». كان «السافاك» مقرّاً لممارسة أنواع العُنف والقسوة كافة تجاه الناس المعترضين والمعارضين، والقمع بلا رحمة لأدنى أنواع المعارضة. وقعت هذه الأمور كلّها خلال هيمنة الأمريكيّين، والأمر يعود إلى العقدين الخامس والسادس [الميلاديين] وأمثالهما. أيضاً جاؤوا بآلاف من المستشارين العسكريّين إلى إيران وحمّلوا شعبها تكاليف إدارتهم الباهظة. كان شراء الأسلحة ضمن نطاق صلاحيّاتهم، فممّن يشترونه وبأيّ سعر وكيف يسلّمون الأموال ويستلمون الأسلحة… كلّ هذا كان في عهدة الأمريكيّين وضمن نطاق صلاحيّاتهم، وكذلك إشاعة الفساد بمنهجية، أي بلغت ذروتها في العقدين الخامس والسادس – بلغت الذروة في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات – وكان الفساد الأخلاقي يُروّج بتخطيط دقيق من الأمريكيّين في إيران من أجل أن يجرّوا الشباب نحو الفساد. حسناً، من الواضح أنّ الشاب الذي يُجرّ نحو الفساد لن يملك القدرة على الصّمود ولا المقاومة. هؤلاء أرادوا جعل الشابّ الإيراني عديم الفائدة. أيضاً هناك التخلّف في العلم وأنواع التكنولوجيا مع التقدّم في الفساد الأخلاقي، وشدّة التمييز الطبقي بصورة مرعبة. هذه الأمور كلّها وقعت في إيران خلال حُكم الأمريكيّين ونفوذهم فيها.
لقد واصلوا هذا العداء، ثمّ بعدما بلغت الحركة الثوريّة ذروتها، شعروا بالخطر وضاعفوا شدّتهم في العمل، فقبل قرابة أسبوع من انتصار الثورة الإسلاميّة، جاء جنرالٌ أمريكيّ بارز يُدعى هايزر إلى طهران لكي يُحدث انقلاباً في حال استطاع ذلك، ويقتل مئات الآلاف بل الملايين. هذه نيّتهم، وهذا ما كان ينوي هايزر فعله. طبعاً كانت الثورة قد بلغت مرحلة لا تترك مجالاً لتأثير تدابير هؤلاء. كان يقف في وجههم عزمٌ راسخ مثل الإمام العظيم. كانوا يريدون افتعال انقلاب وأعلنوا حكومة عسكريّة لكنّ الإمام قال للنّاس: انزلوا إلى الشّوارع، فأطاح بالحكم العسكري وأبطل مخططهم، ولهذا لحقت بهم الهزيمة. وجد هايزر أنه لا فائدة، فغادر إيران، وطبعاً لو بقي أربعة أيام أو خمسة أخرى، لكان من المحتمل أن يكون في عداد المعدومين الأوائل بعد انتصار الثّورة الإسلاميّة. كان محظوظاً لأنه غادر في وقت أبكر.
حسناً، هذه قضيّة إيران وأمريكا، وإنّ قولكم «الموت لأمريكا» ليس مجرّد شعار إنما نهجٌ ومسار. السّبب هو ما ذكرته: الأمريكيّون فعلوا كلّ ما استطاعوا طوال أعوام طويلة، أي منذ بداية الأربعينيات حتى انتصار الثورة الإسلاميّة، أي الأعوام الأخيرة من العقد السابع الميلادي من القرن الماضي، وفعلوا كلّ ما تمكّنوا من فعله ضدّ الشعب الإيراني على مدى ثلاثين عاماً في إيران، ووجّهوا الضربات ما أمكنهم من النواحي الماليّة والاقتصاديّة والسياسيّة والعلميّة والأخلاقيّة. لقد انتصرت الثورة الإسلاميّة رغم هذه الأوضاع، ووقفت الثورة في وجه مثل هذا الحكم الفاسد والنفوذ المخرّب وانتصرت بتوفيق من الله وهمّة من الشعب الإيراني وقيادة الإمام [الخميني] العظيم.
الآن، ما أراد هايزر أن يفعله في إيران يفعله الأمريكيون في غزة. القضية هي تلك القضية نفسها، والآن يحدث هذا العمل عينه في فلسطين. الصهاينة المتسلطون على فلسطين المحتلة والمظلومة يتكئون على دعم أمريكا لهم. لولا دعم أمريكا ومساندتها بالسلاح، لكانت الحكومة الصهيونية الفاسدة والمزيفة والكاذبة قد قُضيَ عليها وزالت منذ الأسبوع الأول. الأميركيون يدعمون هؤلاء. واليوم تجري في غزة الأحداث نفسها التي كانوا سيفعلونها في إيران لو استطاعوا. إنّ الفاجعة التي تحدث على يد الصهاينة وبمساعدة الأمريكيين وفي الواقع بأيديهم هي فاجعة قلّ نظيرها. لقد قُتل على أيدي هؤلاء قرابة 4000 طفل في عضون ثلاثة أسابيع! أين تجدون مثل هذا في التاريخ؟ على الأمة الإسلامية أن تعرف ماهية القضية، وأن تشخّص الميدان. ليس الميدان ميدان غزّة و«إسرائيل»، إنّه ميدان الحقّ والباطل. الميدان ميدانُ الاستكبار والإيمان: في جانبٍ قوّة الإيمان وفي الطرف الآخر قوّة الاستكبار. طبعاً تبرز قوّة الاستكبار بالضغوط العسكريّة والقصف وارتكاب الجرائم والفجائع، [لكن] قوّة الإيمان ستتفوّق على هذه كلّها، بتوفيق من الله.
قلوبنا تعتصر دماً بسبب مصائب شعب فلسطين وبخاصة غزّة، وإننا نتألم، ولكن عندما نمعن النظر، يتبيّن أن المنتصرين في هذا الميدان هم أهالي غزة وفلسطين، هؤلاء الذين استطاعوا أن يحققوا إنجازات عظيمة. أولاً استطاع أهالي غزّة بصبرهم وصمودهم ورفضهم الاستسلام إزاحة قناع حقوق الإنسان الكاذب عن وجوه أمريكا وبريطانيا وفرنسا وأمثالهم، وفضحوا هؤلاء. استطاع أهالي غزّة بصبرهم تحريك الضمير البشريّ. تلاحظون اليوم ما يجري في العالم، وفي الدول الغربيّة هذه، بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأمريكا نفسها في مختلف الولايات، حيث يتوافد الناس بحشود غفيرة إلى الشوارع ضدّ «إسرائيل» ويُطلقون في عدد من الحالات الشعارات ضدّ أمريكا. لقد أريق ماء وجه هؤلاء. إنهم لا يملكون أيّ علاج حقّاً، ولا يمكنهم تبرير ذلك. لذا تجدون أنّ أبله يظهر ليقول: «إيران تقف خلف تجمّعات الناس في بريطانيا». لا بدّ أنّ «تعبئة لندن» فعلت هذا! «تعبئة باريس» أقدمت على هذا![5] من جملة الوقاحات التي يمارسها السياسيّون الغربيّون ووسائل الإعلام الغربيّة، وهي وقاحة حقيقيّة، أنّهم يُطلقون على المناضلين الفلسطينيّين اسم الإرهابيّين! هل مَن يدافع عن بيته إرهابيّ؟ هل هو إرهابيّ الذي يدافع عن وطنه؟ يوم جاء الألمان في الحرب العالمية الثانية واحتلوا باريس، وقاتل أهالي باريس ضد الألمان، فهل المقاتلون الفرنسيون كانوا إرهابيين؟ فكيف يكونون مناضلين ومبعث فخرٍ لفرنسا في حين أن شباب «حماس» «الجهاد الإسلامي» إرهابيون؟ وقحون! لقد فضح أهالي غزة والمناضلون الفلسطينيون الكاذبين في العالم.
من الإنجازات المهمة التي حققتها [عملية] «طوفان الأقصى»[6] أنها أثبتت كيف تتمكن مجموعة صغيرة – هؤلاء قلّة مقابل أولئك؛ عددهم أقل – بوسائل وإمكانات قليلة جداً، لكن بإيمان وعزم راسخ من أن تبخّر نتاج سنوات من جهود العدو الإجرامية وتذرها في الهواء في غضون ساعات قليلة، وتستطيع أن تذلّ الحكومات المتكبرة والمستكبرة في العالم. لقد أذلَّ الفلسطينيون الكيان الغاصب وكذلك الحكومات الاستكبارية الداعمة له بعملهم وشجاعتهم ومبادرتهم، واليوم بصبرهم. هذا درس عظيم. وبالطبع، هزت هذه الجرائمُ البشرية. لقد هزت الجميع.
قلت هذا قبل بضعة أيام[7] وأكرره الآن أيضاً: ما يُتوقّع من العالم الإسلامي أكبر. فلتعلم الحكومات الإسلامية أنه إذا لم تساعد فلسطين اليوم – كل شخص يستطيع بطريقة ما أن يساعد – فستكون بذلك قد قوّت عدو فلسطين، الذي هو في الواقع عدو الإسلام والإنسانية، وسوف يتهددهم هذا الخطر نفسه غداً. إنّ ما ينبغي للحكومات الإسلاميّة أن تصرّ عليه هو الوقف الفوري لهذه الجرائم التي يرتكبها [الصهاينة] في غزة. يجب أن يتوقّف هذا القصف فوراً. فليُغلقوا مسار تصدير النّفط والبضائع إلى الكيان الصهيوني، ولتمتنع الحكومات الإسلاميّة عن التعاون الاقتصادي مع الكيان، وليستنكروا في المحافل العالميّة كافة وبصوت مرتفع هذه الجريمة وارتكاب الفجائع هذا، دون أيّ تردّد وبلا تلعثم. لا يكوننّ الأمر على هذا النحو: أن ينعقد تجمّع إسلامي أو عربي فيتكلّم بضعة من الذين يتكلّمون بأسلوب موارب أو بتلعثم. ليقولوا كلمتهم بصراحة كيّ يتّضح ما الذي يجري. ينبغي أن يُدان الكيان الصهيوني، ويجب أن يتعبّأ العالم الإسلاميّ بأجمعه ضدّ الكيان الصهيوني.
طبعاً إنّ الضربة التي تلقّاها الكيان الصّهيوني لا تُعوّض. هذا ما قلته في البداية وأؤكّده وأكرره الآن أيضاً. وقد ثبُتَ تدريجيّاً في تصريحات عناصر الكيان الصهيوني أنفسهم أنّ تلك الضربة التي تلقّوها ليست ضربة يُمكن تعويضها، ولا يستطيعون تعويضها. الكيان الصهيوني عاجز الآن ومرتبك، كما يكذب على شعبه، وما يُبديه من قلق بشأن أسراه كذب أيضاً، فالقصف الذي يمارسه يُبيد أسراه كذلك. حقيقة أنّهم يُبدون قلقهم على أسراهم تعني أنّهم يكذبون على شعبهم أيضاً. هذا الكذب ناجم عن العجز، فالكيان الصهيوني مصاب بالارتباك والعجز، ولا يعرف ماذا يفعل، وكل ما يفعله ناجم عن التخبّط، أي لا يُدرك ما عليه فعله. لو لم يكن عون أمريكا ولا يستمر، لكان الكيان الصهيوني سيصاب بالشلل في غضون بضعة أيام حتماً.
يجب ألّا ينسى العالم الإسلاميّ أنّ مَن وقف في وجه الإسلام في هذه القضيّة المهمّة والمصيريّة، وأمام شعبٍ مسلم، وأمام فلسطين المظلومة، كان أمريكا وفرنسا وبريطانيا. لا بدّ ألّا ينسى العالم الإسلامي هذا الأمر. فليدركوا هذا. ينبغي ألّا ينسوا في علاقاتهم ومعادلاتهم وتحليلاتهم مَن وقف في وجه هذا الشعب المظلوم وهؤلاء الناس المظلومين وكان يمارس الضغط عليهم. ليس الكيان الصهيوني فقط.
طبعاً، ليس لدينا شك في {إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ}؛ إنه وعد إلهي. {وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ} (الروم، 60)؛ احذروا من أن يزعزعكم ويوهنكم من ليسوا متيقّنين من وعد الله بنسجهم الأباطيل، واحذروا أن يوهنوكم. إنّ النصر النهائي وغير البعيد جدّاً سيكون حليف الشعب الفلسطيني وفلسطين، إن شاء الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

________________________________________
[1] تحدّث في بداية هذا اللقاء ثلاثة طلاب عن قضايا البلاد والأحداث الجارية في غزة.
[2] صحيفة الإمام (النسخة الفارسية)، ج. 1، ص. 415، خطاب في جمع من الناس، 26/10/1964.
[3] الميرزا حسن خان وثوق الدولة.
[4] إشارة إلى النقطة الرابعة من كلمة هاري ترومان (الرئيس الأمريكي) عام 1949 حين قال: «تتحمّل البلدان الغنيّة مسؤوليّة أخلاقيّة تحتّم مساعدة الدول الفقيرة».
[5] ضحك الحاضرون وتصفيقهم.
[6] بدأت فصائل المقاومة الفلسطينية السبت 7/10/2023 عملية واسعة تحت اسم «طوفان الأقصى» سقط خلالها عدد كبير من القتلى والجرحى والأسرى الصهاينة في الساعات الأولى.
[7] كلمة الإمام الخامنئي في 25/10/2023 خلال لقاء القائمين على المؤتمر الوطني لتكريم شهداء محافظة لرستان.

المصدر: khamenei.ir