من تجربتي خلال تغطية حرب تموز ٢٠٠٦ في الجنوب – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

من تجربتي خلال تغطية حرب تموز ٢٠٠٦ في الجنوب

قازان11

محمّد قازان

تجربتي.. كلمة لا يمكن أن تختصر جهداً لفريق بقي في الجنوب طوال فترة العدوان الإسرائيليّ على لبنان عام ٢٠٠٦م، لكن ربّما أسمح لنفسي بالتكلّم باسم عناصر الفريق؛ لأنّنا كنّا جسماً واحداً، كلٌّ منّا يكمل عمل الآخر.

•أولى الغارات الإسرائيليّة
في اليوم الثاني للعدوان، توجّهت إلى الجنوب بسيارتي وحيداً، بعدما غطّيتُ المؤتمر الصحفيّ للأمين العام لحزب الله سماحة السيّد حسن نصر الله (حفظه الله) في اليوم الأوّل، والذي تحدّث خلاله عن أسر جنديّين للعدوّ الإسرائيليّ. كانت طائرات العدوّ الحربيّة قد نفّذت غارات على المطار ودمّرت جسر الدامور، لكنّ عناصر الجيش اللبنانيّ هناك سمحوا لي بالمرور عبر طريق فرعيّ، وبعد ذلك بدأتُ أواجه الحوادث الأولى، التي تكرّر الكثير منها على مدى ثلاثة وثلاثين يوماً.

•وكانت البداية
قبل وصولي الى جسر “سينيق” جنوب صيدا بمئة متر، أغارت عليه طائرات العدوّ ودمّرته، لكن السرعة التي كنتُ أقود بها دفعتني عشرات الأمتار إلى الأمام، حيث رأيتُ العشرات من سكّان الخيم من البدو الساكنين على جانبَي الأوتوستراد يهرعون نحوي، فدخلوا سيّارتي وهم ينزفون، فاضطُررت الى إيصالهم إلى مستشفى غسّان حمّود في صيدا، وتابعتُ المسير، حيث وقعت الغارة الثانية على جسر الغازيّة، عندها تناثر على سيارتي قطع من الزجاج والشظايا لتكون البداية.

•باستثناء المنار
في النبطية، كان فريق المنار قد بات ليلته الأولى هناك. مرّ الأسبوع الأوّل وتمكنّا من نقل صور همجيّة العدوّ الإسرائيليّ، لكن مع اشتداد القصف على المدينة والقرى، وتصاعد حركة نزوح الأهالي، أخذ الوضع يشتدّ خطورةً، خاصّة مع مغادرة جميع وسائل الإعلام التي وفدت من بيروت في اليوم الثالث بسبب نصائح تلقّتها، وبسبب عدم وجود فنادق للسكن، وخطورة المنطقة، فبقينا وحدنا، عكس منطقة صور حيث كان حضور الصحافيّين متاحاً، ولديهم أماكن آمنة للمبيت.

•مهمّة مضاعفة
في النبطيّة، كانت المهمّة مضاعفة؛ بين تأمين مكان لمبيت الفريق وسيّارة النقل المباشر، وبين إيصال الرسالة عبر البثّ المباشر أو تقارير مصوّرة، وكنت مكلّفاً أيضاً بالحصول على مادّة “صيدا” و”الزهراني” المصوّرة من الزميل أمين شومر وبثّها، ومادّة الشريط المحرّر من الزميل علي شعيب وبثّها، فكانت نقطة النبطيّة هي موضع الارتكاز في بثّ المنار جنوباً، ويجب المحافظة على الحضور فيها لتأمين استمراريّة التغطية رغم القصف والغارات وصعوبة المبيت.

بتنا ليالي في كاراجات، وأحياناً كانت قيلولتنا الليليّة في السيّارة أو تحت شجرةٍ ما، لكنّ الأخطر أو الأشدّ صعوبةً كان عندما نستيقظ في اليوم التالي، وندرك أنّ الغارات دمّرت المنزل الذي كنّا نبيت فيه في الليلة السابقة، أو منازل مجاورة له.

•صمود الأهالي: مشاهد رائعة
كان العمل على إعداد التقارير المصوّرة أقلّ صعوبة؛ لأنّه يحتمل مشاعر المغامرة أو المخاطرة وحبّ الشعور بالشجاعة معاً والإيمان والتسليم لله أوّلاً وأخيراً. دخلنا إلى قرى كان القصف يطالها بقصد التدمير الكامل أو الجزئيّ. كـ”يحمر”، و”زوطر الغربيّة”، و”كفرصير”، و”كفرتبنيت” وغيرها. وهناك لمسنا عظمة الصمود لأهالٍ بقَوا في منازلهم تحت كثافة الغارات والقصف، ويزاولون عملهم في زراعة التبغ. كانت مشاهد رائعة تعطينا دافعاً للمضي بالعمل في اليوم التالي دون تردّد.

•بيننا والموت: ثوانٍ
المخاطر كانت كبيرة بسبب الأساليب الجديدة للعدوان، فأذكر مثلاً أنّنا نجونا من غارات في بلدة “زبدين” و”شوكين”، و”يحمر”، ففي زبدين، وبعدما كنّا هناك نستطلع مكان غارة أدّت إلى استشهاد عددٍ من المواطنين بينهم طاقم إسعاف الهيئة الصحيّة الإسلاميّة، نفّذ العدوّ الغارة الثانية على المكان نفسه بعد ثوان قليلة من مغادرتنا. وفي حادثةٍ أخرى، نجوت والزميل المصوّر حيدر الجوهريّ من صاروخين أطلقتهما طائرة استطلاع إسرائيليّة، قبل اشتداد القصف والغارات عندما تسلّلنا إلى مكانٍ قريبٍ من المواجهات بين المقاومة والقوّات الإسرائيليّة عند محور الغندوريّة – القنطرة، في محاولة لالتقاط صور دبّابات العدوّ وهي تحترق خلال الهجوم البريّ تجاه وادي الحجير.

•صور الصمود
شاهدتُ صور المجازر في جبشيت، والدوير، وزبدين، والنبطيّة، وأنصار، والغسّانيّة، وغيرها، وشاهدتُ صور الصمود في يُحمر، وزوطر، وكفررمّان، وحتّى في سهل الجرمق حيث وصلنا في مَهمة تطلّبت جهداً كبيراً، نظراً إلى صعوبة الوصول إلى المنطقة بسبب شدّة الغارات الجويّة والقصف المدفعيّ على السهل الرحب هناك، حيث فوجئنا بمُزارع عجوز من كفررمّان يروي حقله، وراعي ماشية يعبر بقطيعه فوق جسر الجرمق المدمّر، وفلّاح من الجرمق يضع على سيّارة البيك أب صورة السيّدة العذراء، وينقل حمولة من الباذنجان والبندورة والشمّام إلى عائلته رغم الغارات. أذكر أنّنا كنّا نشرب من ساقية في هذا السهل بينما كان القصف والغارات تطال المنطقة بشدّة. لقد نجونا هذه المرّة أيضاً.

•مدينة الحسين عليه السلام
لا نعلم لماذا كنّا ننجو؛ هل بالفعل كنّا ننجح في إجراءاتنا الأمنيّة، أم أنّ الحظّ كان حليفنا، أم هو حبّ المهنة الممزوج بالإيمان بقضيّتنا؟! لا أدري ولا أصدّق ما كان يحصل، فقد كنّا نتنقّل وحيدَين، أنا والمصوّر، على مدى ثلاثةٍ وثلاثين يوماً، ضمن نطاق مدينة ومحيط أربعين قرية، شوارعها فارغة بالكامل. إنّها العناية الإلهيّة بالتأكيد، ونحن كنّا في مدينة يطلقون عليها اسم “مدينة الإمام الحسين عليه السلام “.

•مفاجأة القنابل
هناك حادثة لطيفة ومضحكة واجهناها ولكنّها مخيفة؛ عندما بدأ العدوّ بإلقاء القنابل العنقوديّة في إطار قطع الطرقات ومنع عودة الأهالي، فأعطانا أحد ضبّاط الدفاع المدنيّ قنابل منها، وقال: “إنّها منفجرة”، وعرضناها على الهواء مباشرةً على أنّها منفجرة، وبقيت معنا أيّاماً عدّة في السيّارة، لكن عند وقف إطلاق النار، سلّمناها لأحد المقاومين الذي كان يعمل على تفجير القنابل العنقوديّة في طرقات زوطر لتأمين عودة الناس.صُدم هذا المقاوم عندما رأى القنابل بحوزتنا، حيث تبيّن أنّها غير منفجرة، وأحدها كان على وشك الانفجار بسبب انحلال حلقة صاعق التفجير، فقام بتفجير هذه القنابل وصُدمنا بقوّتها التفجيريّة، وسط اختلاط مشاعر الاندهاش والضحك والخوف على ملامحنا؛ لأنّنا كنّا طوال الوقت برفقة هذه القنابل في السيّارة، وكانت موجودة بين أدوات التصوير. كانت نوعاً جديداً من القنابل، ولا أحد لديه معلومات عنها.

•الأسبوع الأخير وروح الانتصار
في الأسبوع الأخير من العدوان، بدأنا نعمل بطمأنينة أكبر لا أجد تفسيراً لها حتّى الآن. كنّا نبثّ رسائل مباشرة في نشرات الأخبار فيما طائرات الاستطلاع تحلّق فوقنا، وأحياناً غارات تقع بالقرب منّا. اعتمدتُ في كثير من الأحيان على طواقم الإسعاف والمستشفيات وأهالي القرى كمصادر للمعلومات؛ بسبب صعوبة التنقّل وقطع الطرقات جرّاء القصف. كما كنّا أحياناً وعلى الرغم من حاجتنا إلى الوقت الثمين في العمل، لا نتردّد في تأمين دواء لعجوز ما، أو إيصال مواطن ما إلى مكان أكثر أمناً.

بعد الانتصار، شعرنا بقيمة الجهد الذي قدّمناه من خلال التحيّات التي تلقّيناها من العائدين إلى منازلهم. قمنا بجولات على قرى الشريط الحدوديّ يوم الانتصار والأيّام التي تلت وقف إطلاق النار، كما واكبنا تشييع الشهداء في معظم قرى الجنوب. رأينا دبّابات العدوّ وهي تنسحب مدمّرةً من بنت جبيل، ومربّع التحرير، وعيناثا، وعيترون، والطيبة، والعديسة، ومركبا، وسهل الخيام.

•أجمل اللحظات
التقينا المقاومين مرّات عدّة، وتناولنا معهم الطعام. كان لقاء المجاهدين أجمل لحظات هذه الحرب وبعضهم استشهد بعد لقائنا، وكنّا نأخذ منهم المعنويّات العالية، وعلى الرغم من انشغالهم كانوا عوناً لنا في كل ما نحتاج إليه في إكمال عملنا.

آمل أنّنا كنا نؤازر المقاومين الأبطال بعملنا، ونوازي بنقل صورة الصمود والمقاومة بعضاً من تضحياتهم وملاحمهم الأسطورية، مضافاً إلى تعريف العالم على الهمجية الصهيونيّة في العدوان على أهلنا.

•لقاء مفاجئ
وصلنا إلى الطيبة، مسقط رأسي، التي طالها دمار كبير، وبتنا في أحد المنازل برفقة المقاومين، وكان جنود العدوّ يبعدون عنّا مسافة منزلَين فقط.

هناك كانت مفاجأة جميلة، فالشهيد حسين الجوهري (الذي ارتقى عام ٢٠١٦م في سوريا) كان هناك، وهو من أبطال مواجهات بلدة الطيبة الجنوبية في حرب تموّز، والصدفة أنّ المصوّر الذي يرافقني كان شقيق الشهيد حسين، وتفاجأ أحدهما بالآخر، إذ التقيا في منزل الشيخ حسين قازان بعد ٣٣ يوماً من الحرب. يومها تعانقا طويلاً، فدمعت عيني في تلك اللحظات.

•ردم القبر المدمَّر
ذهبت إلى مقبرة البلدة لأقرأ الفاتحة لخالتي التي توفيت قبل حرب تمّوز، فوجدت قبرها مدمراً بالكامل جرّاء سقوط قذيفة عليه. وبينما كنت أتأمّل قسوة المشهد رأيت جنود العدوّ على بعد مئة متر منّي.. أداروا مدفع الدبابة نحوي، وقاموا بتلقيم الماغ على برجها، ظنّاً منهم أنّني أستخرج سلاحاً من الحفرة، فعملت على ردم القبر وغادرت بهدوء.

ختاماً، كانت هذه التجربة كبيرة بالنسبة إليّ؛ لأنّني كنت صغيراً في جميع الحروب السابقة التي شنّها العدوّ ضدّ لبنان. أفتخر بهذه التجربة في حرب تمّوز، وأعتبر أنّ مساهمة فريق المنار كانت مؤثّرة في هذا النصر عبر المقاومة الإعلاميّة والحرب النفسيّة التي خاضتها مضافاً إلى قنوات ووسائل إعلام أخرى، والفضل بذلك يعود بعد الله إلى فريق عمل مثابر ومقاوم، يضمّ أشخاصاً كالمصوّر حيدر الجوهري الذي بقي معي طوال المعركة، والتقني المحترف إبراهيم كركي، والمصوّرين سمير إسكندر، ومحمد صالح، وعلي فحص. كانت تجربة تتّصف بالمخاطرة؛ لأنّها معركة مصيريّة أجهضت مشروعاً كبيراً ضدّ منطقتنا.

المصدر: بريد الموقع