اللبنانيون.. بين نعمة الإغتراب ونقمة الغُربة – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

اللبنانيون.. بين نعمة الإغتراب ونقمة الغُربة

الهجرة
أمين أبوراشد

المُتابع لِنزف الهجرة الحاصل الآن، خاصة بعد انفجار المرفأ، ليس بحاجة للوقوف بين اللبنانيين الواقفين على أبواب السفارات، لأن الطوابير اليومية أمام وزارة الخارجية لتصديق معاملات مطلوبة للحصول على تأشيرات من هذه السفارات، تُعطي الإنطباع الكافي عن حجم المأساة الإجتماعية التي بلغ حدّ النزف فيها هاوية الكارثة على المستوى الوطني.

المشهدية تتكرر، والإغتراب الذي كان كما النعمة في منتصف القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، هرباً من المجاعات التي صاحبَها وباء الطاعون المحدود إقليمياً، بات الآن نقمةً للباحثين عن لقمة الخبز تزامناً مع وباء الكورونا الذي يُهيمن على العالم، ووضع اللبنانيين الراغبين في الهجرة الآن، ليس أفضل من أولئك الذين حملوا “الكشَّة” منذ أكثر من قرن وتاهوا في أصقاع الدنيا بحثاً عن وطن!

وبرز نتيجة إنفجار وحرائق مرفأ بيروت حضور “تمثال المُغترب”، كشاهدٍ على تاريخ الإغتراب والهجرة، من زمن البوابير والبواخر حتى زمن الطائرات، والمأساة لا نراها سوى تكرار لِمَا سبق، لا بل أن ظروف الإرتحال اليوم أصعب، لأن متطلبات الحياة في القرن الواحد والعشرين باتت أكثر قساوة من زمن لقمة الخبز البسيطة في غابر الأيام، و”الكشَّة” التي أكلت من أكتاف وظهور المهاجرين الأوائل، ليست بانتظار أحفادهم الآن على رصيف مرفأ أو باحة مطار.

اللبنانيون ركبوا متن البواخر سابقاً والأهداف كانت متواضعة، لكنهم الآن يُسابقون كل دول العالم الثالث الى حيث يعتقدون أنها أوطان بديلة، تؤمن لهم ما هي فعلاً بديهيات حقوق العيش البسيطة، كهرباء وماء واستشفاء وتعليم، والتعليم الآن تحديداً، هو الطامة الكبرى في لبنان الذي كان جامعة الشرق.

ثلاثة أولادٍ في المدارس: من ثلاثة أجهزة كمبيوتر، واشتراك إنترنت، وفاتورتيّ كهرباء ومولِّد، الى التعليم عن قُرب أو عن بُعد أو ما بين بين، وصولاً الى جدلية الأقساط  المدرسية والجامعية، بحيث غدا التعليم حُلماً، سواء وسط تعقيدات الداخل، أو تعقيدات الغُربة إنقاذاً لمستقبل المحظوظين من الأولاد، وباتت العقارات السكنية والأراضي التي هجرها المغتربون الأوائل هي اليوم “الحيلة والفتيلة” للبيع في بازار الأسواق الكاسدة.

لم يعُد مطلوباً من الدولة بجناحيها المُوالي والمُعارض إنقاذ الجيل الحاضر، بل استدراك ما ينتظر الأجيال الآتية، والإيمان بلبنان كوطن نهائي لا يكفي، لأن الوطن الذي كلَّف دماء شهداء، وما زالت الدماء على الأكُفّ، هكذا وطن تلزمه دولة تستحق الشهادة، والبلادة في الأداء السياسي والحكومي والقضائي بنوعٍ خاص، باتت تُصيب من المؤمنين بهذا الوطن إحباطاً، وانطلاق العمل الجدّي بات مطلوباً أكثر من أي زمن وأي وقت، لِلحَدّ من انطلاق بواخر الرحيل وطائرات الهجرة …

المصدر: موقع المنار