البيت الأبيض والغُرفة السوداء – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

البيت الأبيض والغُرفة السوداء

85-224052-trump-netanyahu-gantz-white-house-monday_700x400
أمين أبوراشد
 
فيلم سينمائي قديم بعنوان “واشنطن خلف الأبواب المُغلقة”، يروي فصولاً من سياسة المؤامرات التي تنتهجها المؤسسات الديبلوماسية والعسكرية والإستخبارية الأميركية عبر العالم، وفي اعترافٍ شهير لعميل سابق في الـ “سي آي إي” رداً على سؤال : لماذا تواجهون الفشل في عملكم أحياناً؟ قال: لأن الأعمال التي ننجح بها لا يدري بها أحد!
نحن لا يعنينا البيت الأبيض الأميركي، بل تلك الغرفة السوداء داخله، والتي تُستولد فيها الأفكار الشيطانية الأميركية، ويَتمُّ تسليم مفتاحها واستلامه بين السلف والخلف كما مفتاح الحقيبة النووية، ولم ينبثق منها قرارٌ عادلٌ بحقّ لبنان كائناً مَن كان الرئيس، جمهورياً أم ديمقراطياً، والعجب كل العجب، أن بعض اللبنانيين منقسمون الى فريقين، الأول يتمنى عودة ترامب والثاني يرى في وصول جو بايدن إيجابيات، علماً بأن المؤسسة السياسية في الولايات المتحدة، تستمرّ ضمن الخُطط الإستراتيجية للدولة العميقة، ولا تتأثر كثيراً بشخص الرئيس، وتجربة لبنان مع السياسة الخارجية الأميركية -على الأقل منذ الستينات- لا تُبشِّر بخيرٍ يُرتجى من دولةٍ فضفاضة ظالمة مُكابرة، الى أن جاءت جائحة كورونا والأزمات الإقتصادية التي واكبتها، الى جانب الأزمة السياسية الحالية التي سوف تُنتجها الإنتخابات الرئاسية، لتكشف زيف العظمة في كيان الأمة الأميركية غير المتجانسة مع ذاتها، ومع شعبها الذي تُمزقه كل أنواع الفُرقة العرقية والإتنية والدينية.
وإذا كانت جائحة كورونا قد عرَّت الولايات المتحدة من ثوبها الفضفاض، نتيجة العجز عن المواجهة، وعدم القدرة على تأمين الحدّ الأدنى من الوقاية، لدرجة عدم توفُّر الكمامات ليس للمواطنين العاديين فحسب، بل للجسم الطبي والتمريضي، فإن قراءتنا لإهتمام بعض اللبنانيين بالسباق الى البيت الأبيض، لا تهدف التشفِّي من سلطة دولية مُكابرة، ولا من مواقفها العدوانية تجاه لبنان، سواء عبر الدعم الكامل للإعتداءات الإسرائيلية أو عبر كل فيتو أميركي على القرارات الأممية بشأننا، بل كل ما ندعو إليه أن تتحرر هذه الشريحة اللبنانية “المتأمركة” من عقدة الإنبهار بأميركا.
أي مستوى من أدبيات الخطابة التي تتعرض للحياة الشخصية، ينتهجه المرشحون للرئاسة الأميركية وآخرهم الرئيس الحالي دونالد ترامب والمرشح جو بايدن؟، وهل هناك أدنى من هكذا مستوى تخجل من اعتماده الدول المارقة؟ وأية ديمقراطية هذه، يُفصِح في ظلها رئيس الدولة الأميركية عن عدم رغبته بانتقالٍ سلس للسلطة في حال فوز الخصم؟، وأية دروسٍ في احترام حق التعبير عن الرأي، والناخب الأميركي حامل الجواز الأميركي مهدد بمستقبله على أرض “الأمة الأميركية العظيمة”؟!
من أدبيات الخطابة على طريقة “الكاوبوي” التي يٌتقنها جيداً دونالد ترامب، الى دروس حقوق الإنسان وحرية التعبير عن الرأي تحت العصي العنصرية، الى شفافية الإنتخابات التي أرداها أرضاً الرئيس / المرشَّح، عبر مطالبته بإقالة مدراء مراكز بريد بتهمة شحن مئات آلاف الأوراق الإنتخابية المُزوَّرة، الى إقامة دعاوى على حُكَّام ولايات وصولاً الى الطعن بصحَّة العمليات الإنتخابية.
هذه هي أميركا التي تدَّعي الحرص على حقوق الإنسان،هي التي قامت على دماء وعظام الهنود الحمر، وتُنصِّب نفسها شرطياً على دول العالم الثالث، وتنتدب مراقبين من قِبَلها لمراقبة إنتخابات الآخرين..
هذه هي أميركا أيها المنبهِرون بنصاعة البيت الأبيض، هي التي تشهد أخطر النزاعات بين الأبيض والأسود، وعسانا نخفِّف انبهاراً بها، هي التي تجعل الأسود أبيضاً وفق مصالحها وعلى أشلاء الآخرين، وكائناً مَن كان ساكن البيت الأبيض، فهو سيسكن الغرفة السوداء التي تقوم عليها سياسة أميركا…

 

المصدر: موقع المنار