حديث الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 16/4/2021 – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

حديث الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 16/4/2021

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مكانة التكافل في منظومة القيم
التكافل الاجتماعي وتعاهد الفقراء والمساكين، والاهتمام بالطبقة المحرومة والمستضعفة ومساعدتها على تأمين احتياجاتها المالية والمعيشية والحياتية، هو من اهم الواجبات الاجتماعية التي اكد عليها الاسلام وارساها في المجتمع الاسلامي، من خلال الكثير من النصوص والاحكام والتشريعات والوقائع التاريخية.
فالقران الكريم شدد على اطعام الفقراء وكسوتهم وتأمين احتياجاتهم، واعتبره واجبا وليس مستحباً، فمن يظن أن الإطعام تفضل من الانسان وأن له الخيار في أن يفعله أو لا يفعله هو مخطىء ومشتبه، فالله تعالى فرض على المقتدرين رعاية المحتاجين والمساكين والايتام والضعفاء في كل الشهور وليس في شهر رمضان فقط، فقال تعالى: ﴿وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ .
وقال تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا).
وقال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).
وحذر من عاقبة ترك إطعام المساكين فقال تعالى في سورة الحاقة: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ.
وذكر سبحانه في سورة المدثر أن من أسباب دخول المجرمين النار عدم اطعامهم المساكين فقال تعالى:(إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ، فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ، عَنِ الْمُجْرِمِينَ ، مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ).
وقال تعالى في سورة الفجر: (كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ، وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ، وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) .
ومن لا يطعم المسكين وصفه الله تعالى بأنه يكذب بالدين؟! فقال في سورة الماعون: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ).
فالإطعام هو واجب أخلاقي وإنساني وفرض ديني وشرعي على المسلم يترتب على تركه عذاب ووعيد شديد.
وقد اكدت هذا الواجب العديد من الاحاديث الشريفة الواردة عن النبي(ص) وائمة اهل البيت(ع)، فقد روي أن رجلاً شكا إلى رسول الله (ص) قسوة قلبه فقال له: إن أردت أن يلين قلبك، فأطعم المسكين، وامْسَح رأس اليتيم، وفي لفظ آخر: حين شكا إلى رسول الله (ص) قسوة قلبه قال له: أَدْنِ منك اليتيم، وامسح رأسه، وأجلسه على خِوانك، يلن قلبك، وتقدر على حاجتك.
وعن ابن عباس أنَّ رسول الله (ص) قال: من ضم يتيمًا من المسلمين إلى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله، أوجب الله له الجنة، إلا أن يعملَ ذنبًا لا يغفر.
وروي عن رسول الله(ص) قال: من أحسن إلى يتيم أو يتيمة عنده، كنتُ أنا وهو هكذا في الجنَّة.
وعنه (صلى الله عليه وآله): والذي نفس محمّد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعانا وأخوه، أو قال: جاره ـ المسلم جائع.
وهذا يعني أن التكافل الاجتماعي جزء من الإيمان ، وبدونه لا يمكن إطلاق صفة الإيمان الكامل على الانسان المؤمن.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): لأن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبّ إليَّ من أن أزوره، ولأن أزوره أحبّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب.
وعن الإمام زين العابدين (عليه السلام) محذرا: «من بات شبعاناً وبحضرته مؤمن طاوٍ، قال الله تعالى: ملائكتي! اُشهدكم على هذا العبد أنّي أمرته فعصاني وأطاع غيري فوكلته إلى عمله، وعزّتي وجلالي لا غفرت له أبدا.
ولا بد في الإطعام من إشباع الجياع، وسد رمقهم، وإبعاد شبح المجاعة عنهم، والاندفاع نحو ذلك بخلفية إيمانية وبنية خالصة لله، لا مكان فيها للتفاخر أو تحقيق المصالح الخاصة او الوجاهة.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام): من أطعم مسلماً حتّى يشبعه لم يدر أحد من خلق الله ماله من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل إلاّ الله ربّ العالمين، ثمّ قال (عليه السلام): من موجبات الجنّة والمغفرة إطعام الطعام السغبان..
أما في الوقائع التاريخية، فقد سطّر النبي(ص) وأئمة اهل البيت (ع) من خلال سلوكهم ورعايتهم للفقراء والمحتاجين أروع أمثلة التكافل الاجتماعي ، فكان النبي(ص) وأئمة أهل البيت(ع) يحرصون على إيصال المعونات للفقراء سرّا، فيحملون الأطعمة في الليالي المظلمة للناس، وكان الناس سرعان ما يكتشفون أن الذين يوزعون عليهم الأطعمة والمعونات في الخفاء هم أهل البيت(ع)، بل كانوا يوثرون المساكين والايتام على انفسهم، فيشبعونهم ويجوعون تقربا الى الله .
ومن الوقائع التاريخية المشهورة: ان النبي(ص) كان صائما فجاء الى بيت علي وفاطمة(ع) وكانا صائمين وقد اقترضا إفطارا ثلاثة أقراص من شعير فلما حان وقت الافطار وارادوا ان يتناولوا الطعام ، جاء سائل وقال : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة أطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة فإني مسكين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا فاطمة بنت محمد قد جاءك المسكين فله حنين، قم يا علي ، قال : فأخذت قرصا فقمت فأعطيته ورجعت، ثم جاء ثان فقال : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني يتيم فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا فاطمة بنت محمد قد جاءك اليتيم وله حنين ، قم يا علي وأعطه ، قال : فأخذت قرصا وأعطيته ثم رجعت فجاء ثالث وقال : يا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة إني أسير فأطعموني مما رزقكم الله أطعمكم الله من موائد الجنة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا فاطمة بنت محمد قد جاءك الاسير وله حنين ، قم يا علي فأعطه ، قال : فأخذت قرصا وأعطيته ، وبات رسول الله صلى الله عليه وآله طاويا وبتنا طاوين مجهودين ، فنزلت هذه الآية: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) .
وكان الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع) يخرج في جوف الليل يحمل الطعام أو الحطب على ظهره حتّى يأتي باباً باباً فيقرع ثمّ يناول من يخرج إليه، وكان يغطي وجهه إذا ناول فقيراً لئلا يعرفه، فلمّا توفي فقدوا ذلك، فعلّموا أنّه كان علّي بن الحسين(عليهما‌السلام.)
ويروي المعلّى بن خنيس: إن الإمام الصادق (عليه السلام) خرج ومعه جراب من خبز، فأتينا ظلّة بني ساعدة فإذا نحن بقوم نيام، فجعل يدسّ الرغيف والرغيفين حتّى أتى على آخرهم ثمّ انصرفنا، فقلت: جعلت فداك يعرف هؤلاء الحقّ؟ فقال: لو عرفوه لواسيناهم بالدُّقة! والدقّة هي الملح.
ويروي معمر بن خلاّد، عن الامام علي بن موسى الرِّضا (عليه السلام) قال: كان أبو الحسن الرِّضا (عليه السلام) إذا أكل أتي بصحفة فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به، فيأخذ من كلّ شيء شيئاً، فيضع في تلك الصحفة ثمّ يأمر بها إلى المساكين. ثمّ يتلو هذه الآية: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ، ثم يقول (عليه السلام): علم الله عزّ وجلّ أنّه ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم السبيل إلى الجنة باطعام الطعام.
وكان والده الإمام الكاظم (عليه السلام) أوصل الناس لأهله ورحمه، وكان يتفقد فقراء المدينة في الليل، فيحمل إليهم فيه العين والورق والدقيق والتمور، فيوصل إليهم ذلك ولا يعلمون من أي جهة هو.
ان علينا ان نقتدي بأخلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) الذين لم يتركوا فرصة لمساعدة الفقراء والجائعين الا وبادروا لاستثمارها ابتغاء وجه الله وليس للتفاخر والتباهي او طلب الوجاهة والسمعة او للحصول على المديح والثناء.
وعندما نعود الى الاحكام التي جاء بها الاسلام سنجد ان هناك العديد من الفرائض الاحكام والتشريعات التي اوجبت على المكلفين دفع جزء من أموالهم وغلاتهم للفقراء والمحتاجين كما في الخمس والزكاة والزمت المكلفين اطعام الفقراء وإشباعهم باعتباره خيارا بديلا عن بعض العبادات التي لا يتمكن الانسان من أداءها لمرض او عذر شرعي او باعتباره كفارة عن ذنب او خطأ ارتكبه كما في بعض احكام الصوم والكفارات وغيرها حيث نجد مثلا ان الله فرض على من لم يتمكن من صوم شهر رمضان لمرض مزمن دفع فدية للفقراء والمساكين لسد حاجاتهم ، كما ان من قتل نفسا او افطر عمدا في شهر رمضان اوجب عليه ضمن خيارات اطعام ستين مسكينا واوجب الاسلام على من حلف وخالف يمينه اطعام عشرة مساكين كما اوجب على من نذر صوم يوم أو أيّام ثم عجز عنه أن يتصدّق لكلّ يوم بمدّ (750 غراماً تقريباً) من طعام على مسكين، الى غير ذلك من الاحكام الفقهية التي جعلت الفقراء والمحتاجين في دائرة الاهتمام والرعاية المباشرة.
ولا شك ان هذه الاحكام وغيرها تدل على مدى اهتمام الاسلام بالقضايا الانسانية والاجتماعية وبموضوع التكافل، فتعالوا في هذه الظروف الصعبة التي نعيشها في لبنان ولا سيما في هذا الشهر الشريف، شهر رمضان المبارك، تعالوا نمد يد المساعدة لمن يحتاجها، ولنكن من المحسنين، ولنستثمر نعم الله سبحانه في طاعته وعلى محبته، ونوسع على عباده الفقراء والمحتاجين، فيكون تعاهدنا لهم شكرنا لله على نعمه، فتدوم علينا وتزيد، كما قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ).

المصدر: موقع المنار