أحدثكم عن رياض؛ رجلٍ خمسينيٍّ مثقف، يمسك هاتفه كل مساء كما يفعل ملايين البشر. لم يعد الهاتف مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبح نافذته اليومية على العالم.
شاشة زرقاء بين يديه، يقلّبها في عتمة الليل بإصْبَعَه النحيل، ويبحث عن تحليلات أو فيديوهات أو حتى مقالات تدعم رأيه في حدث سياسي مثير جدًا. في تلك اللحظة بالذات، استيقظت خوارزميات المنصة لخدمته، ولتقدم له ما يساعده ويؤكد له صواب رأيه عبر شلال من الجرعات المكثفة من “الدوبامين” (هرمون السعادة) المؤيد للفكرة، وحجب أي رأي آخر مُعارِض لفكره. ولان الطبيعة البشرية تميل الى البحث عن المعلومات التي تؤيد فكرتها وتتجاهل الأفكار الأخرى وهذا ما يسمى بالانحياز الـتأكيدي (CONFIRMATION BIAS) وخلال أسابيع قليلة، أصبح الحائط الرقمي للأخ رياض عبارة عن مرآة تعكس أفكاره فقط، فشعر بنشوة الزهو وأن الحقيقة أصبحت ملكه، بل وأن كل العالم الافتراضي معه في هذا الرأي ويؤكده.
عند هذه النقطة، فقد رياض صبره الإدراكي وتوقف تفكيره النقدي عن العمل؛ لأنه لم يعد يرى سوى رأيه ومن يوافق عليه. لأنه ببساطة صار ضحية فقاعة الترشيح (FILTER BUBBLE) وهي حالة من العزلة الفكرية والشخصية التي يفرضها عليك نظام الخوارزميات على شبكة الإنترنت دون أن تشعر بذلك.
وبذلك يكون رياض قد دخل الى غرفة الصدى (ECHO CHAMBER) وهي بيئة مغلقة (اجتماعية أو رقمية) يتكرر فيها سماع نفس الآراء والأفكار وتكبيرها، مما يعزز قناعات المجموعة ويُغيب الرأي الآخر تماماً.
وفي يوم من الأيام، التقى رياض بصديقه القديم الذي غاب فترة لا بأس بها نتيجة سفره خارج البلاد، وكان الصديقان زميلَين في الجامعة قبل أن يبعدهما درب الحياة العملية. أصر الصديق القديم على تناول فنجان من القهوة والدردشة مع رياض.
دار بينهما نقاش حول الحدث السياسي نفسه الذي كان يبحث رياض عنه منذ مدة، ولكن خلال النقاش فوجئ رياض برأي صديقه المخالف تمامًا لرأيه. وبعد أخذٍ ورَدّ، احتدم النقاش وزادت السخونة حتى استشاط رياض غضبًا وصاح بصديقه: “هل أنت أعمى لهذه الدرجة لكيلا ترى الحقيقة؟! هي موجودة في كل مكان، وكل المنصات تؤكد ما أقول!”
لم يكن الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل كان اصطدامًا بين حقيقتين متوازيتين صُنِعَت كلٌّ منهما بأيدٍ ماهرة وبتقنيات عالية جدًا، وكانت نبرة رياض تدل على يقين مطلق بما يقوله.
رد صديقه بكل هدوء: “بل أنت الأعمى، افتح هاتفك وانظر!”، وكان الهاتفان على الطاولة كلٌّ منهما بجانب الآخر، ففتح كل واحد منهما على شاشته محرك البحث نفسه، وهنا كانت الصدمة الكبرى!
شاشة رياض عرضت نهرًا من الأخبار والمقالات والفيديوهات المؤيدة لرأيه، وشاشة صديقه عرضت النقيض من ذلك تمامًا! أخذ رياض الهاتف من يدي صديقه ونظر بتمعن مندهشًا من النتيجة، وكأنه شعر برعشة تجتاح جسمه النحيل، وصعقة كهربائية ضربت دماغه.
عندها أدرك رياض أنه كان سجينًا داخل زنزانة أفكاره، وليس قبطانًا في بحر المعرفة كما كان متوهمًا. هذه الزنزانة هي ببساطة “التنميط الفكري” الذي صاغته له الخوارزميات بدقة متناهية، فعزلت عقله عن التفكير والبحث والمقارنة.
عندها قرر رياض ان يفرض على نفسه نوعًا من “الهدنة الفكرية”؛ ليرى صديقه عل حقيقته كما هو دون تنميط، وبعيدًا عن أسس الوهم الممنهج.
إن الحقيقة لا تُولد في زوايا الغرف المغلقة، بل تنبثق حين نفتح نوافذ الوعي على الجهات كافة لتتلاقى الأفكار وتتحاور. فالمعرفة لا تنمو أمام مرآةٍ صماء تعكس وجهًا واحدًا وسرديةً مكررة؛ والعقل الذي يحبس نفسه في صدى صوته، يذبل بمرور الوقت ويفقد أثمن ميزاته: القدرة على التفكير الحر والتحليل النقدي. إن الوعي الحقيقي لا يتكرس بالانكفاء خلف ما يطمئننا، بل يبدأ في تلك اللحظة التي نمتلك فيها الشجاعة الفكرية والسيادة الذهنية للبحث عن الرأي الذي يخالفنا، وتفكيكه، وفهمه، قبل الرأي الذي يتماشى معنا.
غير أن هذه “الهدنة الفكرية “التي فرضها رياض على نفسه تكشف النقاب عن الحقيقة الأكثر تعقيداً خلف الشاشات؛ فالخوارزميات لم تعد مجرد وسائط لنقل المعلومات، بل أصبحت مراقِبةً وناسخةً للتفاعل اليومي مع الفيديوهات والأخبار والمقالات والدعايات التي تقوم بها عبر شاشتك الخاصة. لقد أصبحت تعرفك معرفة شخصية، وبعد عدة أيام من المراقبة والتحقق، تبني هذه الخوارزميات هويتك الرقمية لديها وبعد بناء هذه الهوية، تصبح شخصيتك الرقمية واضحة ويسهل التعامل معها؛ إذ تقدم لك الخوارزميات كل ما تهتم به، مُبْعِدَةً عنك كل ما يزعجك أو لا يتماشى مع طريقة تفكيرك ونظرتك للأمور.
هذه هي الوظيفة التي صُمِّمت لأجلها هذه الخوارزميات؛ فهي لا تبحث عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن انتباهك. وكلما طال بقاؤك على المنصة، ازدادت قيمتك الاقتصادية لديها. ولهذا تحلل تفاعلاتك اليومية، وتبني هوية رقمية دقيقة عن اهتماماتك وسلوكك، لتقدم لك محتوى وإعلانات أكثر قدرة على جذبك وإبقائك داخل عالمها الرقمي، حيث يتحول انتباهك وبياناتك إلى أحد أهم أصولها الاقتصادية وما حدث مع صديقنا رياض ليس سوى نموذجٍ لِما يحدث مع آلاف الأشخاص الذين وقعوا في هذا الفخ، والذين تعلموا الدرس بالتأكيد بالطريقة العملية والتطبيقية. فعندما ظن رياض ان هاتفه يعرض له العالم، كان في الحقيقة يعرض له نفسه لا غير. إن أخطر أشكال التضليل ليس أن يكذب عليك أحد، بل أن يُقنعك بأنك ترى العالم كاملًا، بينما لا ترى سوى انعكاس أفكارك.
المصدر: موقع المنار
