الخميس   
   27 08 2026   
   14 ربيع الأول 1448   
   بيروت 18:19

بين إيران و”إسرائيل”… كيف تقارن تركيا العلاقات والتهديدات؟

أجرى مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير “يوفيد” استطلاعًا لرأي خبراء متخصّصين في الشأن التركي حول موضوع “التصور التركي المقارن لإيران والكيان المؤقّت”، بمشاركة كل من الخبيرة الدكتورة هدى رزق، والأستاذ عبد الناصر فقيه، والأستاذ محمد أبو طالب.

تكشف المقارنة بين آراء الخبراء أن نظرة أنقرة إلى إيران و”إسرائيل” لم تعد تُختزل في معادلة واحدة تقوم على المنافسة الإقليمية فحسب، بل باتت محكومة بتباين واضح في طبيعة العلاقات، ومستوى التهديد، وأدوات إدارة المصالح، فبينما تظهر إيران في الحسابات التركية بوصفها جارًا ومنافسًا تاريخيًا يمكن احتواء تناقضاته، تتقدم “إسرائيل” تدريجيًا في سلم التحديات باعتباره منافسًا استراتيجيًا أكثر مباشرة، ولا سيما في سوريا وشرق المتوسط.

وتتقاطع قراءات الدكتورة هدى رزق والأستاذ عبد الناصر فقيه والأستاذ محمد أبو طالب عند حقيقة أساسية هي أن تركيا لا تنظر إلى الطرفين بالمنظار نفسه، وإن اختلفت مداخلهم في تفسير هذا التباين، فأبو طالب يضع العلاقة ضمن صراع أوسع على القيادة والنفوذ، معتبرًا أن إيران منافس داخل الدائرة الإسلامية، في حين تمثل “إسرائيل” منافسًا خارجيًا في ساحات تراجع فيها النفوذ الإيراني، خصوصًا سوريا ولبنان.

أما دكتورة هدى رزق فتنطلق من منطق البراغماتية وإدارة التنافس، فهي ترى أن العلاقة التركية الإيرانية تجمع بين التنافس والمصالح المشتركة، وتستند إلى ثوابت الجغرافيا والتجارة والطاقة والتنسيق الأمني، فيما شهدت العلاقة مع “إسرائيل” تحولات أكثر حدة، وصولًا إلى القطيعة السياسية في ظل حرب غزة، ومع ذلك، لا تستبعد رزق استمرار محاولات إدارة المصالح وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ويقدم عبد الناصر فقيه مقاربة ترتكز على الجغرافيا والأمن القومي والتحول في بنية التهديد، فإيران، بحسب رؤيته، تمثل منافسًا ضروريًا بحكم الجوار، وتبقى أخطارها قابلة للإدارة والاحتواء طالما بقيت الدولة الإيرانية مستقرة، أما “إسرائيل”، فقد أصبحت أكثر ارتباطًا بالمجال الحيوي التركي، وبخاصة بعد تطورات سوريا، حيث انتقل التنافس من مجرد صراع على النفوذ إلى احتكاك ذي أبعاد أمنية وعسكرية.

ويتفق الخبراء الثلاثة على أن سوريا أصبحت نقطة مركزية في إعادة تشكيل التصور التركي، فأبو طالب يراها أول مجال حيوي حقيقي قابل للاحتكاك المباشر بين تركيا و”إسرائيل”، بينما توسع رزق الصورة لتشمل الطاقة وشرق المتوسط وشبكات التحالف بين الكيان المؤقت واليونان وقبرص. أما فقيه فيرى أن انحسار النفوذ الإيراني لم يمنح تركيا مكاسب صافية، بل فتح المجال أيضًا أمام تمدد منافس جديد بات يمتلك قدرة أكبر على تقييد الحركة التركية وإعادة رسم التوازنات المحيطة بها.

وهكذا، فإن المشهد التركي الراهن لا يقوم على المفاضلة البسيطة بين خصمين، بل على إدارة معقدة لعلاقتين مختلفتين: واحدة مع إيران تقوم على المنافسة والاحتواء، وأخرى مع “إسرائيل” تتجه، بدرجات متفاوتة، نحو اعتبارها تحديًا استراتيجيًا مباشرًا.

ويبرز تراجع النفوذ الإيراني باعتباره أحد أهم المتغيرات التي أعادت ترتيب الحسابات التركية، غير أن الخبراء الثلاثة يختلفون في تقدير حجم المكاسب والمخاطر الناتجة عنه، فالأستاذ محمد أبو طالب ينظر إلى هذا التراجع بوصفه فرصة تاريخية أمام تركيا لتوسيع نفوذها وملء الفراغ الذي تتركه إيران، انطلاقًا من قاعدة أن الفراغ في السياسة الإقليمية لا يبقى فارغًا، وأن ما لا تستفيد منه أنقرة قد تستفيد منه قوة منافسة.

لكن الدكتورة هدى رزق تقدم قراءة أكثر حذرًا، إذ ترى أن تركيا اكتشفت أن خسارة إيران في بعض الساحات لا تعني بالضرورة انتقال المكاسب إليها، ففي الحالة السورية، أدى تراجع النفوذ الإيراني إلى انفتاح المجال أمام “إسرائيل” لتوسيع حركتها وفرض قيود جديدة على الطموحات التركية. ومن هنا، يصبح ضعف إيران عاملًا مزدوجًا: يمنح تركيا هامشًا أوسع للمناورة، لكنه في الوقت نفسه قد يعزز نفوذ الطرف الذي تخشاه أنقرة بصورة أكبر.

أما عبد الناصر فقيه فيضع المسألة في إطار أن تركيا تفضّل مشهدًا معتدلًا (بالنسبة لها) أي تراجع النفوذ الإقليمي لإيران، لكن أن تكون مستقرة ومتماسكة كدولة، فأنقرة، وفق هذه الرؤية، قد تستفيد من انحسار النفوذ الإيراني في العراق والقوقاز وسوريا، لكنها لا ترغب في انهيار الدولة الإيرانية أو تحول حدودها الشرقية إلى مصدر فوضى مزمنة، لذلك يصبح تراجع طهران مقبولًا تركيًا ما دام محدودًا ويمكن استيعابه، فيما يتحول الانهيار الكامل إلى تهديد مباشر للأمن والاقتصاد والطاقة ومسارات النقل.

وتتضح هذه الاختلافات أكثر في مسألة التوازن، فأبو طالب يرى أن تركيا لا تحصر سياستها في موازنة إيران أو “إسرائيل”، بل تعتمد سياسة أوسع لتوازن القوى الإقليمية والدولية استعدادًا لاقتناص الفرص وتعزيز موقعها كقوة صاعدة. في المقابل، ترى رزق أن أنقرة تدير التنافس مع إيران، وتحاول في الوقت نفسه تقاسم النفوذ مع الكيان المؤقت تحت تأثير العامل الأميركي، مع استبعاد خيار الحرب المباشرة.

ويميز فقيه بين نوعين من المخاطر: مخاطر محتملة مرتبطة بإيران، ومخاطر واقعة مرتبطة بـ”إسرائيل”، ومن هذا المنطلق، لا توازن تركيا الطرفين بالدرجة نفسها، بل تميل إلى إعطاء أولوية استراتيجية لمنع “إسرائيل” من تحويل تفوقها العسكري وتحالفاتها الإقليمية إلى هيمنة على المجال المحيط بتركيا.

وفي الملفات الاقتصادية، تظهر مساحة إضافية من الاتفاق بين الخبراء، فأبو طالب يرى أن الأمن والاستراتيجية يشكلان أساس ازدهار المصالح الاقتصادية، وبالتالي تكون الأولوية لهما عند التعارض الحقيقي، أما رزق فتؤكد أن أنقرة تستخدم الاقتصاد والجغرافيا بوصفهما أداتين سياسيتين، وتحافظ على مصالحها الاقتصادية مع إيران حتى في ظل التنافس. ويذهب فقيه إلى أن تركيا تمارس فصلًا نسبيًا بين السياسة والاقتصاد، بحيث لا يؤدي الخلاف السياسي والأمني بالضرورة إلى توقف قنوات التجارة.

ولا تقل مسألة الهوية أهمية في تفسير السياسة التركية، فالخبراء الثلاثة يتفقون على أن الهوية الإسلامية تبقى أداة مؤثرة، لكنها ليست المحدد النهائي للقرار، حيث يصف أبو طالب الهوية التركية بأنها مرنة ومتعددة الأشكال، بينما ترى رزق أن استخدامها يخضع لمقتضيات الأمن والمصلحة، ويؤكد فقيه أن الحسابات القومية والأمنية والاستراتيجية تظل العامل الأكثر ثباتًا في تحديد اتجاه السياسة الخارجية التركية.

تقود المقارنة بين آراء الخبراء إلى نتيجة مركزية مفادها أن التصور التركي لإيران و”إسرائيل” أصبح أكثر تمايزًا مع التحولات الإقليمية الأخيرة، فإيران، رغم التنافس التاريخي والصراع على النفوذ، لا تظهر في الرؤية التركية بوصفها عدوًا استراتيجيًا ثابتًا، بل كجار قوي يمكن التفاهم معه واحتواء خلافاته في ظل المصالح المشتركة. في المقابل، تتجه “إسرائيل”، بحسب التقديرات المتقاربة للخبراء، إلى احتلال موقع أكثر تقدمًا في سلم التهديدات التركية.

هذا التباين لا يعني أن تركيا تتجه إلى اصطفاف كامل مع إيران، أو إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع “إسرائيل”، فأبو طالب يرى أن أنقرة تحاول في أي مواجهة محتملة توظيف شبكة علاقاتها لموازنة خصمها، ما يجعل إيران طرفًا يمكن الاستفادة من علاقاته وقدراته في حال تصاعد الصراع، وتذهب رزق إلى إمكان النظر إلى إيران كشريك تكتيكي محتمل في مواجهة تمدد الكيان المؤقت، مع بقاء التنافس بين أنقرة وطهران قائمًا، أما فقيه فيضع هذا الاحتمال ضمن إطار التعاون الوظيفي والتقاطعات الأمنية، لا التحالف الاستراتيجي.

وتؤكد هذه الرؤى أن السياسة التركية تفضّل إدارة التناقضات بدل الحسم بينها، فتركيا لا تريد إيران مهيمنة، لكنها لا تريد أيضًا انهيارها. وهي لا ترغب في ترك فراغ إقليمي تستفيد منه قوى أخرى، وفي مقدمتها “إسرائيل”، لذلك تحاول أنقرة الاستفادة من تراجع طهران، مع منع هذا التراجع من إنتاج بيئة أمنية أكثر خطورة عليها.

وفي المقابل، أصبحت سوريا وشرق المتوسط من أبرز ساحات الاختبار، فهناك تتقاطع الحسابات العسكرية والأمنية مع الطاقة والاقتصاد والتحالفات البحرية، ويظهر التنافس على المجال الحيوي بصورة أكثر مباشرة، فكل توسع تركي محتمل يواجه اعتبارات تتصل بالقوة العسكرية لـ”إسرائيل”، وبعلاقاته مع الولايات المتحدة وأوروبا، وبشبكة شراكاته مع اليونان وقبرص.

وتتجمع هنا مختلف مقاربات المشاركين: منظور القوة والفرصة لدى أبو طالب، ومنطق البراغماتية وإدارة المصالح لدى رزق، ومنظور الأمن القومي وإعادة ترتيب التهديدات لدى فقيه، وهي مقاربات مختلفة، لكنها تتكامل في رسم صورة لسياسة تركية مرنة تسعى إلى تعظيم النفوذ وتجنب الحرب المباشرة.

والخلاصة أن أنقرة لا تتعامل مع إيران و”إسرائيل” كتهديدين متماثلين، فإيران تمثل منافسًا إقليميًا قابلًا للاحتواء، وخطرًا محتملًا يرتبط بالجوار وعدم الاستقرار، أما الكيان المؤقت، فيمثل تهديدًا استراتيجيًا أكثر مباشرة بسبب قدرته على التأثير في سوريا وشرق المتوسط وإعادة تشكيل التوازنات في المجال الحيوي التركي.

وبين الطرفين، ستستمر تركيا على الأرجح في سياسة تقوم على المرونة، وإدارة التنافس، ومنع الفراغ، وتقديم المصلحة القومية والأمن الاستراتيجي على الاعتبارات الأيديولوجية، مع إبقاء باب التعاون التكتيكي مفتوحًا كلما فرضت موازين القوى ذلك.

المصدر: موقع المنار