السبت   
   19 09 2026   
   7 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 12:47

اجتماع بريكس، اجتماع التناقضات السياسية واتفاق الإقتصاد

كتبت: عبير بسام
اجتمعت دول البريكس في الأيام 12 و13 من أيلول/ سبتمبر الحالي للمرة الثامنة عشر في العام الحالي. ويكتنف اجتماعها في هذا العام طعماً خاصاً. فهو يأتي في وقت تشهد فيه دول متعددة منضوية ضمن التحالف حروباً قاسية برعاية الولايات المتحدة، وخاصة في الشرق الأوسط وفي إيران وروسيا، والمستهجن أن بريكس يجمع المتحاربين أو داعمي الحرب على منصة واحدة. ولذا فضم البريكس المتحالفين والمتناقضين يجعل اجتماعها معجزة دبلوماسية بحد ذاتها.
يبنى مقياس العلاقات المتناقضة داخل بريكس على أساس حجم التعامل مع الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني. والمفارقة هنا، أن التكتل يحاول في الجوهر القضاء على الهيمنة الأحادية المتمثلة في أمريكا والدولار، والتي سادت النظام العالمي إستراتيجياً واقتصادياً منذ سقوط الاتحاد السوفيتي عام 1991.
ومع ذلك، يضم بريكس دولاً تتمتع بعلاقات اقتصادية ممتازة مع واشنطن وتل أبيب مثل الهند والإمارات، فضلاً عن دول ترتبط بعلاقات وثيقة وملفتة مع الإدارة الأمريكية. وإذا استثنينا العداء الصريح والحروب القائمة مع إيران وروسيا وما يرافقهما من عقوبات مشددة، إلى جانب العلاقات المتأرجحة والمضطربة مع الصين، فإن جميع الدول الأخرى — سواء المؤسسة أو الشريكة في بريكس — تجمعها علاقات يمكن وصفها بالجيدة جداً مع الولايات المتحدة.

ومع ذلك ترى هذه الدول، والدول التي تحاول الإنضواء تحت عباءة بريكس وجوب العمل على بناء نظام عالمي جديد، ينهي علاقة التبعية للدولار الأميركي، الذي بات يحكم العالم. ولذلك نجد أن هذه الدول تحاول في بداية الأمر إيجاد برامج تجمعها وتمكنها من التبادل المالي بعيداً عن برنامج التحويلات المالية “سويفت، SWIFT” والذي استطاعت من خلاله الولايات المتحدة التحكم بسوق التجارة العالمي وحجز أموال الدول التي تفرض عليها العقوبات مثل إيران وروسيا أو حتى على بعض الشركات مثل ما حدث مع مجموعة شركات غلوبل في تركيا، أو فرض على حليف أميركي- صهيوني مثل الإمارات وقف التبادلات التجارية مع إيران بموجب العقوبات الإقتصادية الجديدة المفروضة.
بيد أن هذه الدول، وتلك التي تحاول الانضواء تحت عباءة بريكس مثل تركيا وباكستان، وجوب العمل على بناء نظام عالمي جديد ينهي التبعية للدولار الأمريكي الذي بات يحكم العالم. ولتحقيق ذلك، تحاول هذه الدول في المقام الأول إيجاد برامج مشتركة تمكنها من التبادل المالي بعيداً عن نظام التحويلات الدولية “سويفت “(SWIFT)؛ وهو النظام الذي استطاعت واشنطن من خلاله التحكم بسوق التجارة العالمي، وتجميد أموال الدول الخاضعة للعقوبات مثل إيران وروسيا. بل إن هذا التحكم امتد ليشمل فرض قيود على شركات في دول شريكة لأمريكا كما حدث مع مجموعة شركات غلوبل في تركيا، أو إجبار حلفاء إقليميين مثل الإمارات على وقف تبادلاتهم التجارية مع إيران بموجب العقوبات الاقتصادية المفروضة.
أهم الإجراءات التي مكنت بريكس من الإلتفاف ومواجهة أية عقوبات ما بين الدول المتحالفة هو استنباط أنظمة للتحويل المالي ضمن نظامها البنكي ومن ثم ربط أنظمة هذه الدول لتحويل الأموال ببعضها البعض. حيث تتم التعاملات التجارية وبالعملات المحلية عبر نظام “بريكس للدفع”، الذي يقوم بدور “المترجم التقني”، ويعمل على تحويل أية عملة محلية إلى عملة محلية أخرى دون الحاجة للمرور عبر نظام سويفت الذي يعتمد الدولار، وحتى أن هذا النظام بات متداولاً في التحويلات ما بين السياح والمستهلكين على حد سواء. كما استطاعت دول بريكس ربط شبكات دفعها المحلية عبر أنظمتها مثل: CIPS في الصين، وUPI في الهند، وMIR في روسيا وPIX في البرازيل، ضمن “نظام تكنولوجيا الدفعات الكبرى وتكامل العملات الرقمية” أو CBDCs. والنظام الأخير يتمتع بأمان وفعالية، خاصة للدفعات الكبيرة عبر الشركات والدول، وهو من اهم منجزات بريكس منذ تأسيسها في العام 2008.


حجم التبادل التجاري ما بين الإمارات وإيران حتى قبل فرض العقوبات كان يصل إلى 30 مليار دولار سنوياً. وعلى الرغم من اتساع الهوة سياساً بين البلدين بما يتعلق بالعلاقة مع الكيان الصهيوني، فإن العلاقة التجارية ما بين البلدين قديمة قدم الأزل ولا نبالغ بهذا التوصيف. ووقف العلاقات التجارية ما بينهما لن يؤثر على إيران فقط بل سيصل تأثيره إلى الإمارات نفسها. ولكن السؤال الأهم ومن خلال التقاء البلدين تحت مظلة بريكس هل يمكن ترميم هذه الفجوة التي فجرتها عقوبات “المنبوذ الإقتصادي” الأميركية الأخيرة.
تواجه تركيا، الصديق اللدود لجميع دول بريكس، صعوبة بالدخول إلى مجموعة بريكس بسبب معارضة الهند، خاصة مع دخولها في تحالف مكة، ودعمها الدائم لباكستان ضد الهند في حروبهما العبثية التي اخترعها البريطاني الذي احتل شبه القارة الهندية لمدة 236 عاماً اقتصادياً واحتكر قرارها السياسي، ثم فعلياً لمدة 111 عاماً. فمنذ العام 1947، تاريخ قرار تقسيم شبه القارة الهندية، وإعلان دولتي باكستان وبنغلادش، تشهد المنطقة مجموعة حروب وأولها تفجير قضية جامو وكشمير، ثم ابتدأت مجموعة من الخلافات، التي يقف وراءها الصهيوني منذ العام 2014، والتي اشتعلت حرباً في أيار/ مايو 2025، والتي عرفت ب”حرب المياه”، إثر قرار الهند المفاجئ بتعليق العمل ب “معاهدة مياه نهر السند” التاريخية. وفي الوقت نفسه، دخول باكستان سوف يعزز القوة الصينية والتي تمنع الحرب الهندية -الباكستانية من إتمام طريق الحرير الجديد عبر كشمير إلى باكستان ومنه إلى إيران,
وبالتالي يمكننا هنا أن نفهم أن واحد من اهم أسباب التناقضات في بريكس، هو التنافس العالمي والإقليمي على السيطرة على الممرات البحرية والطرقات التجارية. وفي الحقيقة أن أحد أهم أسباب تضخم حجم التعاون العسكري والدبلوماسي والإقتصادي الهندي- الصهيوني، هو ضعف الدبلوماسية العربية، التي لم تكن قادرة على الحفاظ على العلاقات المميزة مع الهند، مع العلم أن الهند كانت من أكبر وأهم الدول المناصرة للقضية الفلسطينية في زمن الرئيس الراحل ياسر عرفات.
أسس تكتل بريكس — كما أشرنا — للوقوف في وجه القوة الأحادية التي تمثلها الولايات المتحدة ومجموعة الدول الصناعية الكبرى (مجموعة الثمانية سابقاً، والتي أصبحت مجموعة السبع بعد تعليق عضوية روسيا). ولتوسيع دائرة القرار، امتدت هذه المجموعة لتصبح “مجموعة العشرين”، لتضم دولاً من شمال الكرة الأرضية وجنوبها. واللافت هنا، أن مجموعة العشرين باتت تضم في طياتها جميع الدول المؤسسة لمجموعة بريكس؛ وهي روسيا، والبرازيل، والصين، والهند [بريك]، قبل أن تنضم إليها جنوب أفريقيا عام 2010 ليصبح المسمى [بريكس].
إن من صاغ مفهوم “بريكس” هو الاقتصادي البريطاني جيم أونيل، والذي قضى جزءاً كبيراً من حياته، كبيراً للاقتصاديين ورئيساً لأبحاث الاقتصاد العالمي في بنك الاستثمار “غولدمان ساكس”، قبل أن يُعيّن وزيراً للتجارة والخزانة البريطانية في عهد رئيس الوزراء ديفيد كاميرون. وطرح أونيل هذه الفكرة في كتابه [خريطة النمو] كـ “مفهوم تسويقي وبحثي” لفرص الاستثمار، مجادلاً بأن هذه الاقتصادات ستنمو بسرعة هائلة لتنافس مجموعة السبع بحلول منتصف القرن الحالي.
ومع ذلك، لم يكن أونيل يتوقع بالتأكيد أن تتبنى هذه الدول فكرته لتتحول إلى تحالف رسمي؛ وهو اليوم ينتقد هذا المسار ويرى في التكتل “مجرد نادٍ رمزي يفتقر إلى الفعالية المشتركة”. ويرتكز انتقاده على أن التنافس سيفرض نفسه حتماً بين الدول المنضوية تحته، لاسيما بين الصين والهند؛ اللتين تريان في نفسيهما قوتين بشريتين واقتصاديتين صاعدتين. ويتجسد هذا التنافس بوضوح في تعارض مشاريعهما للممرات الاقتصادية الدولية؛ حيث يتواجه ممر الصين العالمي المعروف بـ “الحزام والطريق”، مع “الممر الهندي المدعوم غربياً” (IMEC)، والذي بدأت فكرته منذ عهد أوباما لمواجهة التمدد الصيني.

ولكن خلافاً لما توقعه أونيل فقد استطاعت بريكس أن تنشأ بنكاً للتنمية العالمية، ينافس البنك الدولي، كما باستطاعتها عبر نظام [بريكس للدفع] تحييد العقوبات الإقتصادية الأميركية وهذا ما حدث ما إيران بعد إعلان “المنبوذ الإقتصادي”، ومع روسيا بعد حرب الغرب عليها في أوكرانيا، وسيمكن في الوقت نفسه دول مثل ماليزيا أو السعودية أو الإمارات من الإلتفاف على العقوبات إن أرادت.
على الصعيد التقني والصحي، نجحت مجموعة بريكس هذا العام في إطلاق المبادرة الصينية لإنشاء “منطقة بريكس المفتوحة للذكاء الاصطناعي”، وتعزيز التعاون الصحي عبر تدشين مركز للإنذار المبكر والحماية من الأوبئة.
ولكن يظل البند الأبرز ذو الطابع السياسي هو “إعلان نيودلهي” الذي أدان أعمال الحرب الأحادية؛ والمقصود بها – بحسب هيئة الإذاعة البريطانيةBBC – العمليات العسكرية التي تُشن خارج إطار الشرعية الدولية ومظلة مجلس الأمن. ويأتي هذا البند في وقت شهدنا فيه محاولات حثيثة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشرعنة الضغوط على إيران ورفع ملفها مجدداً في مجلس الأمن، وتفرّد واشنطن وتل أبيب بضرب البنى التحتية وقيادة العمليات العسكرية في الشرق الأوسط. وفي حين يواجه لبنان تحديات سيادية كبرى في ظل غياب الدعم الدولي الفعال، تضمن إعلان نيودلهي- ضمن بنود إدانة العمليات الأحادية – تنديداً صريحاً بالانتهاكات والجرائم المرتكبة ضد المدنيين وبنى التحتية، مع التأكيد القاطع على وجوب إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها “القدس الشرقية”.

كما أن إعلان نيودلهي اعتبر ان العقوبات الغربية جائرة وغير شرعية لأن من يستطيع فرضها هو الأمم المتحدة ومجلس الأمن بشكل خاص، ولذلك فهي مرفوضة بشكل حازم، أسواء كانت اقتصادية أم المبطنة تحت مسمى “حظر الطيران”، والتي تفرضها أميركا وأوروبا بشكل خاص على بعض الدول. ومن هنا جاء إعادة إرساء مبدأ “تعددية الأقطاب، ضد الهيمنة القطبية الواحدة. في الأيام الماضية ، كان هناك لإجتماع مجلس الأمن وعرض فيه الملف الإيراني لناحية عودة اللجان المختصة بمراقبة الملف النووي الإيراني والعقوبات على إيران، والتي انتهت فعاليتها في العام الماضي. صوت ضد القرار، والأهم في الموضوع، أن العمل “بتفعيل آلية الزناد” والتي تشرع عودة العقوبات كاملة على إيران، قد سقطت، وهذه أول نتائج إرساء مبدأ “تعدد الأقطاب”، ورفض الحروب الأحادية.

المصدر: موقع المنار