الإثنين   
   21 09 2026   
   9 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 21:49

كيف شكّل منهج سيد شهداء الأمة مجتمعاً؟

سعيد فاضل

الدكتور فيكتور فرانكل طبيب نفسي نمساوي، ومؤلف كتاب “الإنسان يبحث عن المعنى” الذي يُعدّ من أهم الكتب المؤلَّفة في علم النفس الحديث. اعْتُقِل خلال الحرب العالمية الثانية وأُودِع المعتقلات النازية، ليخرج منها لاحقاً وقد فقد زوجته ووالديه وأخاه.

خلال وجوده في المعتقل -وكأي إنسان آخر- كان من المفترض أن ينتظر الموت، ولكن على العكس من ذلك، لاحظ فرانكل أن زملاءه الذين فقدوا “المعنى” للحياة داخل عقولهم هم أول من استسلم للموت.

وبالرغم من كل ما عاناه، اكتشف داخل المعتقل حالة نفسية سماها: “آخر الحريات الإنسانية: قدرة الإنسان على اختيار منهجه وموقفه في أي ظرف يتواجد فيه”. بعد ذلك، قرر فرانكل أن يتخيل نفسه محاضراً في الجامعة عن تجربته في السجن عندما يخرج منه، كما استخدم هذه التقنية مع زملائه المرضى.

واقعاً، المنهج العقلي الذاتي لا يمكنه تغيير القواعد العلمية أو يمنع المصائب من الوقوع، لكنه الشيء الوحيد الذي يحدد سلوكك عندما تحدث المصيبة، وهذا السلوك بالتحديد هو ما يشكل واقعك الجديد كما مستقبلك.

وإذا كانت هذه القوة الذهنية قادرة على تغيير حالة فرد واحد من المجتمع في أحلك الظروف، فكيف بها إذا كانت عند قائد يصيغ بها مجتمعاً بأكمله؟

كيف ينعكس منهج القائد على المجتمع؟

إذا كان المنهج العقلي لدى الفرد هو بمثابة العدسة التي يرى الفرد من خلالها المجتمع، فإنّ منهج القائد هو النظام التشغيلي للمجتمع الذي يديره. وهو لا يدير المجموعة أو الحزب أو حتى الدولة عبر القرارات التي يتخذها، بل على العكس يعيد تشكيل المجتمع على صورته عبر السيكولوجيا الجمعية.

لقد جسد سيد شهداء الأمة سماحة السيد حسن نصر الله المثال الأوضح والأنصع لانعكاس منهج القائد على المجتمع وإدراكه في لحظة مفصلية من التاريخ الشيعي في المنطقة. ففي لحظة اعتقد العدو فيها أنّ اغتيال الأمين العام للحزب السيد عباس الموسوي كفيل بانهيار المنظومة، جاء الرد على لسان الأمين العام الجديد، البالغ من العمر 31 عاماً، حين اعتلى المنبر في يوم التشييع في 18 شباط 1992، وأرسى القواعد والمرتكزات الذهنية التي اعتمد عليها لبناء سيكولوجيا الصمود والردع: “يظنون أنهم باغتيالهم لقادتنا وأجسادنا وسفك دمائنا سيقتلون روحنا ويحطمون معنويتنا… بل إنّ هذه الدماء ستعطينا دافعاً أكبر للإصرار ومواصلة الطريق”.

لقد حوّل بذلك الصدمة والفقد الكبير لاغتيال السيد عباس إلى محرك ودافع (إعادة التأطير الإدراكي)، كذلك كان الخطاب رفضاً لمنطق الانكسار والانكفاء، بل على العكس، غرس لدى المجتمع منهجاً يقول إنّ الدماء والخسائر والتضحيات هي كلفة مرحلية وليست نهاية الطريق.
وخلال نفس الخطاب تم إرساء معادلة جديدة للمجتمع، ألا وهي خيار المواجهة المستمرة وعدم الاستسلام كمنهج للمستقبل: “القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة.. لن نسقط ولن نضعف ولن نتراجع”.

وهو بذلك حوّل المواجهة من حالة دفاعية اضطرارية إلى خيار وجودي واثق من نفسه ومستقبله، وجسّد بالقول ما يؤمن به أنّ الحالة المادية للمواجهة ليست هي من تحكم النتيجة. فرغم قلة العدد والعدة والتفاوت الهائل ما بين ما تملكه إسرائيل وما تملكه المقاومة، قرر خوض المواجهة معتمداً على قوة الإرادة وصلابة الإيمان واليقين من أحقية القضية.

هندسة الأمل

وخلال ثلاثة عقود، جسّد سماحة السيد ما يُعرف بوكيل للأمل، إذ وضع خلالها مرجعية إدراكية تقوم على ركيزتين: “النصر” و”الثبات”.

فبعد عملية “تصفية الحساب” عام 1993، والتي استمرت 7 أيام، والتي انتهت بما يُعرف بـ”تفاهم تموز” بين المقاومة والعدو، قال السيد حينها: “لقد أرادت إسرائيل أن تكسر إرادة المقاومة عبر تهجير أهلنا، لكنها لم تنجح، بل خرجت المقاومة أكثر قوة، وفرضت على العدو تفاهم تموز”.

كانت هذه الحرب الاختبار الأول للركيزة التي وضعها السيد، ألا وهي الثبات، وتبعتها الركيزة الثانية: النصر، وهو ما استمر وكان بمثابة الأمل الذي يعيش عليه المجتمع ويبني عليه مستقبله.

وفي التجربة الثانية عام 1996، وبعد عملية “عناقيد الغضب” التي استمرت 16 يوماً وانتهت بما يُعرف بتفاهم نيسان، استمر النهج نفسه بالثبات والنصر، وقد قال السيد بعد هذه الحرب: “لقد أرادوا أن يفرضوا علينا معادلة بيروت مقابل كريات شمونة، فرفضناها، وأثبتنا أنّ صواريخنا قادرة على الوصول إلى عمق فلسطين المحتلة، وأنّ شعبنا لن ينكسر”.

واستمر هذا التصاعد حتى وصل إلى عام 2000، يوم تحرر الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وانسحابه إلى الأراضي المحتلة. لقد جسّد التحرير مرحلة جديدة كلياً في الوجدان اللبناني عموماً والشيعي خصوصاً.

لم يكن لأحد أن يتصور أنّ الحزب الذي قاده السيد عام 1992 سوف يصبح الحزب الذي يطرد إسرائيل من الجنوب اللبناني، في محطة شكّلت سابقة في التجربة اللبنانية مع الاحتلال الإسرائيلي.

وفي الاحتفال الشهير الذي أقامه الحزب في بنت جبيل بذكرى الانتصار، توّج السيد نصر الله مسيرة الأمل التي أطلق ركائزها قبل 8 أعوام عبر كلمات ترددت أصداؤها في جميع الأنحاء، وكانت مفصلاً لدى العدو قبل الصديق: “إن زمن الهزائم في مواجهة إسرائيل قد ولّى، وإن زمن الانتصارات… قد بدأ”.

ختامها كان مع حرب تموز 2006، والتي دامت 33 يوماً من القتال الأشد في تاريخ المواجهات بين المقاومة وإسرائيل. وكان من المفترض من نتائج هذه الحرب أن تقضي إسرائيل على المقاومة كلياً لقيام شرق أوسط جديد وفق المخطط الأميركي. لكن كان للمقاومة كلام آخر، فصمدت وقاتلت، وانتهت المعركة بنصر أسطوري، فرض بعده السيد توازن الرعب على إسرائيل، والذي استمر إلى بداية حرب الإسناد لغزة عام 2023.

خلال كل هذه السنوات، بنى القائد السيد علاقة مع جمهوره تُعتبر نموذجية، تقوم على “مصداقية الوعد”، حيث انعكس منهجه الملتزم والانضباطية على سلوك البيئة ككل. وبذلك أصبح كلامه مؤشراً لبناء التوقعات، واتخاذ القرارات، وصياغة الردع مع العدو.

في المجتمع الذي زرع فيه السيدُ غَرْسَةَ الأملِ، ورعاه وسقاه على مرّ السنين، أصبح هو وكلامُهُ الأملَ بحدّ ذاته.

وغرسة الأمل هذه لا تموت أو تذبل برحيل من غرسها ولا بتضحيات المنهج الحسيني الذي ربى سماحة السيد مجتمع المقاومة على التمسك به، بل سوف تبقى تنمو وتكبر لتزهر عند كل ربيع في نفوس من تركهم السيد من أبناء وبنات يحملون الراية ويكملون المسير.

خاتمة القول

لقد أدرك فرانكل داخل جدران المعتقل أن آخر الحريات الإنسانية هي اختيار المنهج العقلي الذاتي في مواجهة الألم. وعلى مدى ثلاثة عقود، لم يكتفِ سماحة الشهيد الأسمى السيد حسن نصر الله بتطبيق هذا الاختيار على المستوى الفردي، بل حوّله إلى نظام تشغيلٍ جمعي أعاد به صياغة إدراك مجتمع بأكمله؛ فحين كانت الهزيمة خياراً متاحاً، اختار الصمود؛ وحين كان الانكسار مبرَّراً، صنع منه دافعاً. هذا هو المنهج الذي لا يُقاس بميزان القوة المادية، بل بقدرتها على تحديد كيف يرى مجتمعٌ بأكمله ذاته ومصيره — وهذا، في نهاية المطاف، هو الفارق بين من يُصنَع له التاريخ، ومن يصنعه بنفسه.

المصدر: موقع المنار