(ريتشارد هاس وكارولين كيسان)
على مدى ستة أشهر، كانت الحرب مع إيران مزعجة ولكن يمكن احتواؤها؛ فقد أُغلق مضيق هرمز إلى حد كبير أمام حركة الملاحة البحرية، مما أدى إلى قطع مسار عبور لنحو 20 في المائة من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية ونسبة أكبر من تجارة النفط. ورغم ارتفاع الأسعار ومعاناة أجزاء كثيرة من العالم من نقص في إمدادات النفط والغاز، إلا أن الدول تمكنت من إيجاد سبل للمساعدة في استقرار سوق الطاقة العالمية. وقد أحجمت كل من الولايات المتحدة وإيران عن شن هجمات مدمرة للغاية على البنية التحتية الحيوية للطاقة في منطقة الخليج، وبدا أن واشنطن وطهران قادرتان على إطالة أمد حالة الجمود الراهنة – مع تبادل محدود ومتقطع للضربات الجوية والهجمات على ناقلات نفط ومنشآت طاقة محددة – دون جر العالم إلى كارثة اقتصادية.
لكن الوضع لم يعد كذلك الآن؛ فقد توسعت الحرب لتطال أجزاءً بالغة الأهمية من البنية التحتية للطاقة في المنطقة، بما في ذلك المسارات ذاتها التي أتاحت تعويض أثر تعطل الملاحة في مضيق هرمز. فبحلول منتصف شهر سبتمبر، أصبح مضيق باب المندب -وهو ممر بحري استراتيجي ضيق على طريق البحر الأحمر يمثل البديل الرئيسي لشحن النفط والغاز بعيداً عن مضيق هرمز- خاضعاً لسيطرة الحوثيين، وهي جماعة يمنية متحالفة مع إيران. كما أصابت طائرة مسيّرة -أطلقتها ميليشيا تابعة لإيران تنشط انطلاقاً من العراق- خط أنابيب “الشرق-الغرب” في المملكة العربية السعودية، وهو الخط الذي كانت المملكة قد حوّلت إليه جزءاً كبيراً من صادراتها النفطية، مما أدى إلى توقف الخط عن العمل مؤقتاً.
ونتيجة لذلك، قفزت أسعار النفط من مستويات تتراوح بين 70 و75 دولاراً في شهر أغسطس لتصل إلى 110 دولارات للبرميل في شهر سبتمبر. وإذا لم تعد بقية منشآت البنية التحتية للطاقة في المنطقة بمنأى عن الهجمات العسكرية، فإن المزيد من الانقطاعات في الإمدادات قد يدفع أسعار النفط بسهولة إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. كما أن تصاعد القتال بين المملكة العربية السعودية والحوثيين -وهو خطر بات واقعياً للغاية منذ شن الحوثيين هجمات على مدينتي الرياض وينبع السعوديتين الأسبوع الماضي- سيزيد من الضغوط الدافعة لارتفاع الأسعار. وإذا حدث ذلك، فإن وقوع أزمة طاقة تُدخل العالم في حالة ركود اقتصادي يصبح أمراً وشيكاً.
يتعين على واشنطن الآن إيجاد مخرج من هذا الوضع الذي لا يمكن استمراره. لم تنجح ستة أشهر من التناوب بين الهجمات العسكرية والإكراه الاقتصادي في إجبار طهران وشركائها على تقديم تنازلات، ولا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأن هذه الاستراتيجيات ــ ناهيك عن التهديد بـ “إبادة” إيران، كما فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في خطابه أمام الأمم المتحدة يوم الثلاثاء ــ ستدفعهم إلى تغيير سلوكهم في الوقت الراهن. كما أنه ليس بوسع الولايات المتحدة وحلفائها حماية البنية التحتية للطاقة وشحناتها إلى ما لا نهاية في ظل التهديد بشن هجمات من جانب إيران وأطراف معادية أخرى.
امتصاص الصدمات
مع اندلاع الحرب، ساورت المخاوفُ العديدَ من الاقتصاديين والمحللين من أن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز قد يؤدي إلى أزمة طاقة حادة وركود اقتصادي، أو ما هو أسوأ من ذلك. وكانت مخاوفهم في محلها؛ فقبل بدء الصراع، كان ما يقرب من 20 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات المكررة تعبر المضيق يومياً، إلى جانب ما يقارب خُمس حجم الغاز الطبيعي المسال المتداول عالمياً. وبحلول شهر أغسطس، انخفضت صادرات الطاقة إلى نحو نصف مستوياتها المسجلة قبل الحرب. وفي بعض الأيام، كان عدد السفن العابرة للمضيق يقل عن عشر سفن، وهو عدد ضئيل للغاية مقارنة بأوقات السلم، حيث كانت تتراوح حركة السفن التجارية بين 130 و150 سفينة يومياً.
ومع ذلك، أثبت نظام الطاقة العالمي قدرة لافتة على التكيف مع ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه “أشد صدمة لإمدادات النفط في التاريخ”. فقد ارتفعت أسعار النفط من ما يزيد قليلاً عن 70 دولاراً للبرميل قبل الحرب لتتجاوز 125 دولاراً في شهر أبريل، لكنها عادت لتستقر في نطاق يتراوح بين 80 و90 دولاراً، وظلت عند هذه المستويات حتى الشهر الجاري.
ويُعزى جزء من استقرار الأسعار النسبي إلى زيادة إنتاج النفط خارج منطقة الخليج؛ إذ أضافت كل من الولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وكندا وغيانا مجتمعةً ما يقدر بـ 1.4 مليون برميل يومياً. ورغم أن هذه الكمية لم تعوّض سوى جزء يسير من إمدادات الخليج المفقودة، إلا أن كل برميل كان له أهميته في ظل سوق تتسم بضيق المعروض.
كما ساهم السحب من المخزونات في تخفيف حدة الأزمة؛ ففي شهر مارس، وافقت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية (وعددها 32 دولة) على طرح 400 مليون برميل من احتياطيات الطوارئ، وهي أكبر عملية سحب منسق في تاريخ الوكالة، وتفوق بمرتين الرقم القياسي السابق البالغ نحو 183 مليون برميل والذي سُجّل عام 2022 إبان الحرب في أوكرانيا. وعلاوة على ذلك، لجأ التجار وشركات التكرير إلى المخزونات التجارية لتعويض جزء من نفط الخليج المفقود، مما مكن شركات التكرير من مواصلة إنتاج الوقود.
كما انخفض الطلب، لا سيما في آسيا؛ إذ كان جزء من هذا التراجع نتاجاً لاستجابة المستهلكين لارتفاع الأسعار. وعلاوة على ذلك، أجرت الصين -أكبر مستورد للنفط الخام في العالم- تعديلاً كبيراً ومنسقاً أدى إلى انخفاض وارداتها المنقولة بحراً من أكثر من 11 مليون برميل يومياً قبل الحرب إلى ما يزيد قليلاً عن سبعة ملايين برميل في شهر أغسطس. فقد سحبت بكين كميات من مخزونها النفطي البالغ 1.4 مليار برميل، وقلصت المصافي الصينية حجم الخام الذي تعالجه، كما فرضت الحكومة قيوداً على صادرات الوقود للإبقاء على كميات أكبر من البنزين والديزل للاستهلاك المحلي. وقد لعبت الصين بشكل متزايد دور ما أسماه محلل الطاقة “خافيير بلاس” بـ “المستورد الموازن” (swing importer)؛ فمن خلال انسحابها من السوق عند ارتفاع الأسعار، أتاحت كميات من النفط لمشترين آخرين وساهمت في الحيلولة دون حدوث قفزات أكثر حدة في الأسعار.
وبعد الصدمة الأولية للحرب، وجد المنتجون في الخليج طرقاً لتجاوز مضيق هرمز وتصدير جزء من نفطهم. فقد استخدمت دولة الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب يربط حقولها الداخلية بمدينة الفجيرة التي تقع خارج المضيق. واعتمدت المملكة العربية السعودية على خط أنابيب “الشرق-الغرب”، الذي ينقل الخام من الحقول الشرقية للمملكة إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وطوال معظم فترة الحرب، نقل الخط ما بين أربعة إلى خمسة ملايين برميل يومياً، مما جعله أهم مسار بديل للتصدير.
وأخيراً، ساهم ضبط النفس الذي أبدته الأطراف المتحاربة في إبقاء مستوى الاضطراب في أسواق الطاقة أقل بكثير مما كان يمكن أن يكون عليه الحال. ومع ذلك، وقعت بعض الحوادث الجسيمة؛ فقد هاجمت إسرائيل حقل “جنوب بارس” للغاز في إيران خلال شهر مارس، وردت إيران بشن ضربات على مصفاة “راس لفان” في قطر، مما أدى إلى تعطيل ما يقرب من 17 في المائة من القدرة التصديرية لقطر في مجال الغاز الطبيعي المسال، وقد يستغرق استعادة الموقع لكامل طاقته التشغيلية سنوات. غير أن هذه الهجمات ظلت استثناءات؛ فعلى الرغم من تعرض أكثر من 80 منشأة طاقة في أنحاء المنطقة للهجوم -بما في ذلك ميناء رأس تنورة في السعودية، ومصفاة سترة في البحرين، والعديد من المصافي الكويتية، ومجمع حبشان للغاز ومنشآت التصدير في الفجيرة بدولة الإمارات- إلا أن الجزء الأكبر من البنية التحتية في المنطقة ظل سليماً وقيد التشغيل.
لم يكن ذلك وليد الصدفة؛ فقد تجنبت كل من إيران وإسرائيل والولايات المتحدة -إلى حد كبير- شن هجمات مستمرة على أكبر حقول النفط ومحطات المعالجة وخطوط الأنابيب ومحطات التصدير في المنطقة، نظراً لأن لدى كل منها أسباباً تدعوها لضبط النفس. ونظراً لصعوبة التصدي للطائرات المسيرة والصواريخ والقنابل، فإن شن هجمات واسعة النطاق على البنية التحتية الحيوية كان من شأنه أن ينجح على الأرجح ويستتبع ردوداً انتقامية مماثلة، مما كان سيؤدي إلى تدهور أوضاع جميع الأطراف. وقد امتنعت واشنطن -تحت ضغط حكومات عربية أبدت قلقها وتخوفها من مثل هذا التصعيد- عن شن هجمات واسعة النطاق على منشآت النفط والغاز الإيرانية (وهي الهجمات التي هدد ترامب بتنفيذها في مناسبات عدة)، كما مارست ضغوطاً على إسرائيل لتبدي قدراً مماثلاً من ضبط النفس. ومن جانبها، أحجمت طهران عن ضرب منشآت الطاقة الهشة لدى جيرانها؛ لعلمها بأن منشآتها الخاصة للنفط والغاز -التي تُعد المحرك الأخير المتبقي للاقتصاد الإيراني- كانت ستواجه المصير ذاته. لقد كان هذا الوضع بمثابة نسخة خاصة بقطاع الطاقة من عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد”، التي أرست دعائم الاستقرار خلال المواجهة النووية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إبان الحرب الباردة.
انهيار صمامات الأمان
تواجه الآليات التي احتوت صدمة الطاقة الأولية تعثراً في الوقت الراهن؛ فالاستقرار النسبي لأسواق الطاقة كان نتاجاً لعدة تدابير استثنائية، وليس دليلاً على قدرة منظومة الطاقة على تحمل حربٍ -تتسبب باستمرار في خروج البنية التحتية عن الخدمة- إلى ما لا نهاية. لقد استنفدت الدول بالفعل الأدوات الأسرع والأقل ضرراً من الناحية الاقتصادية لتحقيق الاستقرار في أسعار النفط والغاز. والآن، ومع دخول القدرات الإنتاجية سهلة التشغيل حيز العمل بالفعل، وتشغيل مسارات نقل بديلة، وتناقص المخزونات، لم يتبقَ أمام هذه الدول سوى خيارات محدودة وجيدة.
سيستمر إنتاج النفط والغاز خارج منطقة الخليج في النمو، ولكن بوتيرة بطيئة؛ إذ تتطلب أي زيادات إضافية في الإمدادات عمليات حفر واستثمارات جديدة في خطوط الأنابيب وغيرها من البنية التحتية التي يستغرق تطويرها سنوات. وفي غضون ذلك، تتركز معظم الطاقة الإنتاجية الفائضة والمتاحة فوراً في العالم بمنطقة الخليج، إلا أن الدول المصدرة هناك لن تتمكن من الوصول إلى مسارات التصدير في المستقبل المنظور. ومن غير المرجح أيضاً أن تقدم روسيا -وهي منتج رئيسي آخر للنفط- مساهمة تذكر؛ فقد أوقفت البلاد صادرات معظم المنتجات المكررة، كما تعرضت بنيتها التحتية للطاقة لهجمات خلال الحرب مع أوكرانيا.
وثمة إمكانية أيضاً لمزيد من خفض الطلب، ولكن بتكلفة اقتصادية متزايدة؛ فقد عمدت الصين ودول أخرى مستوردة بالفعل إلى ترشيد استهلاك الوقود، وتقليص عمليات التكرير، والاعتماد على مصادر طاقة بديلة، واستخدام المخزونات الاحتياطية، وتحمّل الأسعار المرتفعة. ومن المرجح أن يؤدي خفض استهلاك النفط والغاز بمعدلات أكبر إلى إغلاق المصانع، واضطراب حركة النقل، وتراجع النشاط الاقتصادي العام.
وفي الوقت نفسه، وصلت مخزونات الطوارئ إلى مستويات منخفضة بشكل خطير دون أن يتم تعويضها؛ فهذه الاحتياطيات مصممة للتعامل مع الاضطرابات المؤقتة، وليس لتعويض خسائر الإنتاج المستمرة. وقد انخفض الاحتياطي الاستراتيجي للنفط في الولايات المتحدة بالفعل إلى ما دون 300 مليون برميل، مسجلاً أدنى مستوى له منذ ثمانينيات القرن الماضي.
والأهم من ذلك، أن المسارات البديلة التي كانت تستخدمها دول الخليج لتصدير النفط قد تعرضت للهجوم؛ فبعد أن استهدفت طائرات مسيّرة -أطلقتها ميليشيا موالية لإيران من الأراضي العراقية- خط أنابيب “الشرق-الغرب” السعودي الأسبوع الماضي، اضطرت الرياض لإغلاقه، مما أدى إلى سحب ملايين البراميل يومياً -أي ما يصل إلى 4% من الإمدادات العالمية- من الأسواق. وقد تستغرق إعادة تشغيل الخط بالكامل أياماً أو حتى أسابيع عديدة. وحتى في حال إصلاح الأضرار بسرعة، يظل الخط عرضة لهجمات جديدة في أي وقت. وعلاوة على ذلك، عزز الحوثيون مواقعهم حول البحر الأحمر؛ فبحلول منتصف شهر سبتمبر، كانوا يسيطرون على معظم الساحل الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة وميناء “المخا” ذو الموقع الاستراتيجي، وجزر تقع داخل مضيق باب المندب وفي محيطه. وكانت الجماعة قد أعلنت فرض حصار على حركة الملاحة السعودية في يوليو، وبات بإمكانها الآن فرض هذا الحصار فعلياً من خلال تهديد السفن بالطائرات المسيّرة والصواريخ والأسلحة قصيرة المدى. ولم تعد ناقلات النفط -وخاصة تلك التي تنقل النفط السعودي- في مأمن عند عبور مضيق باب المندب أو مضيق هرمز.
وفي ظل غياب الوسائل اللازمة لتعويض أي فقدان كبير آخر في الإمدادات، فإن التصعيد الأخير في الحرب -وأي تصعيد مستقبلي محتمل- ينذر بحدوث أزمة طاقة ذات عواقب وخيمة وبعيدة المدى. إذ ستنتقل تداعيات نقص الديزل -الذي يُعد وقوداً أساسياً لقطاعات النقل بالشاحنات والزراعة والبناء والصناعة وجزء كبير من حركة الشحن العالمية- بسرعة لتطال الاقتصاد ككل. كما سيؤدي انخفاض إمدادات الغاز الطبيعي المسال إلى فرض ضغوط على أسواق الكهرباء والتدفئة، لا سيما مع اقتراب فصل الشتاء في أوروبا في ظل مخزونات غير كافية من الغاز. وسيؤدي نقص الأسمدة إلى ارتفاع التكاليف الزراعية وتهديد المحاصيل المستقبلية. والجدير بالذكر أن ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون في دول تعتمد على استيراد الطاقة؛ وكلما طالت فترة حرمان هذه الدول من إمدادات الطاقة الحيوية، اقتربت اقتصاداتها أكثر من حافة الأزمة.
ولن تتوزع هذه الأعباء بالتساوي؛ إذ يمكن للدول الأكثر ثراءً التفوق مالياً على الدول الأفقر لتأمين الإمدادات المحدودة. وبالفعل، تواجه العديد من الدول المعتمدة على الاستيراد نقصاً في الإمدادات وضغوطاً مالية، وتجد نفسها -في بعض الحالات- أمام خيار صعب: إما خفض دعم الوقود والمخاطرة باندلاع اضطرابات، أو الإبقاء على الدعم مع ما يترتب على ذلك من إضعاف إضافي للمالية العامة. وتواجه البنوك المركزية في كل مكان معدلات تضخم مرتفعة ناجمة عن ارتفاع تكاليف الطاقة، غير أن رفع أسعار الفائدة بشكل أكبر من شأنه أن يعيق النمو، ولا سيما في الاقتصادات التي تعاني أصلاً من نقص الوقود؛ وهو النقص الذي بات يُشعل فتيل احتجاجات شعبية في غواتيمالا وإندونيسيا والفلبين والبرتغال والعديد من الدول الأخرى. لا سيما إذا تصاعدت الهجمات على البنية التحتية للطاقة، فقد تتحول أخيراً إلى حقيقةٍ تلك المخاوف المبكرة من أن تؤدي هذه الحرب الإقليمية إلى زعزعة الاستقرار العالمي.
العودة إلى طاولة المفاوضات
يتطلب تجنب أزمة اقتصادية شاملة أن تعيد الولايات المتحدة النظر في استراتيجيتها. فقد دأبت واشنطن، على مدى الأشهر السبعة الماضية تقريباً، على شن ضربات تستهدف أهدافاً عسكرية وبنية تحتية صناعية، وممارسة ضغوط اقتصادية على طهران عبر العقوبات والحصار البحري. ومع ذلك، لا تظهر على النظام الإيراني أي بوادر للانهيار أو الرضوخ؛ إذ تبدو حكومته -التي يهيمن عليها قادة مخضرمون ومتشددون من الحرس الثوري الإسلامي ولا تكترث كثيراً لمعاناة الشعب الإيراني- عازمة على مواصلة القتال. وهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بقدرتها على ذلك، مستندةً إلى المساعدات الروسية والصينية، وعائدات محدودة من مبيعات النفط والغاز، وأموال تم ادخارها في وقت مبكر من الحرب عندما اتخذت إدارة ترامب قراراً خاطئاً بتخفيف بعض العقوبات. وفي الوقت نفسه، بدأت التكاليف الاقتصادية والعسكرية للحرب تصبح غير مقبولة بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها؛ ولذا فقد حان الوقت لاستكشاف المسار الدبلوماسي مجدداً.
لا ينبغي لواشنطن أن تكتفي بمحاولة إحياء مذكرة التفاهم التي تفاوضت بشأنها مع طهران في شهر يونيو/حزيران؛ فهذا الاتفاق لم يفرض أي قيود على الجماعات الموالية لإيران التي تعمد حالياً إلى عرقلة البنية التحتية للطاقة، كما أنه لم يضع حدوداً لقدرات إيران الصاروخية أو قدراتها في مجال الطائرات المسيرة. وعلاوة على ذلك، كان الاتفاق منحازاً لصالح إيران، إذ قدم لها مزايا اقتصادية كبيرة، شملت إتاحة الوصول إلى صندوق لإعادة الإعمار بقيمة 300 مليار دولار، وإنهاء جميع العقوبات، واستعادة كاملة للأصول المجمدة؛ وهي أصول كان ينبغي للولايات المتحدة الاحتفاظ بجزء كبير منها كورقة ضغط في المفاوضات الرامية للحد من الأنشطة النووية الإيرانية. ولذا، فإن أفضل مسار للمضي قدماً هو البدء من جديد، أو على الأقل التفاوض لإدخال تعديلات على بنود اتفاق يونيو/حزيران.
ومهما كانت نقطة الانطلاق، ينبغي أن تهدف الدبلوماسية المتجددة إلى التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار يشمل الهجمات على البنية التحتية للطاقة من جانب جميع الأطراف والجهات التابعة لها: الولايات المتحدة وشركائها العرب وإسرائيل، فضلاً عن إيران والحوثيين والجماعات المسلحة الأخرى التي تدعمها طهران في العراق وأماكن أخرى. وينبغي لواشنطن أن تربط وقف إطلاق النار بموافقة النظام الإيراني على عدم تغيير وضع قدراته النووية، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى طهران بأن أي رد عسكري أمريكي على تغيير من هذا القبيل سيقتصر استهدافه على المنشآت النووية. وفي المقابل، ستحصل إيران على قدر من تخفيف العقوبات (يتم الاتفاق عليه عبر التفاوض)، واستعادة لبعض الأصول المجمدة، ومساعدات لإعادة الإعمار، شريطة التزامها ببنود الاتفاق. من شأن ذلك أن يخفف فوراً بعض الضغوط على تجارة الطاقة العالمية؛ إذ ستنهي الولايات المتحدة حصارها للسفن الإيرانية، بينما توقف إيران عمليات زرع الألغام في مضيق هرمز وتتوقف عن مهاجمة ناقلات النفط التي تستخدم ممراته الملاحية. ومن الناحية المثالية، قد يتمكن المفاوضون أيضاً من وضع خطة لإنشاء هيئة إدارية متعددة الأطراف تتولى الإشراف على حركة المرور عبر مضيق هرمز وتحصيل رسوم معقولة مقابل ذلك. ورغم أن استئناف حرية الملاحة يظل الخيار الأفضل، إلا أن تطبيق نظام للرسوم بات أمراً لا مفر منه على الأرجح، لا سيما وأن اتفاق شهر يونيو قد أقر بحق إيران في تحصيل مدفوعات. وتتمثل النتيجة المثلى حالياً في إرساء نظام تشارك فيه جميع دول الخليج (بما في ذلك البحرين وإيران والعراق والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة)، بدلاً من تبني نظام الإدارة الإيراني-العُماني الذي تدعو إليه هاتان الدولتان.
لن يؤدي التوصل إلى اتفاق أمريكي-إيراني بمفرده إلى القضاء على كافة المخاطر التي تهدد منظومة الطاقة الإقليمية؛ فعلى سبيل المثال، من المرجح ألا تمتلك طهران نفوذاً كافياً على جماعة الحوثي -التي تتمتع باستقلالية نسبية- لدفعها إلى إنهاء عملياتها العسكرية ضد المملكة العربية السعودية. ولذا، قد يتعين على الرياض التوصل إلى اتفاق منفصل لوقف إطلاق النار مع الحوثيين لضمان أمن بنيتها التحتية للطاقة بشكل كامل، وهي مهمة شاقة بالنظر إلى أن نزاع المملكة مع الجماعة متشابك مع الحرب الأهلية المستمرة في اليمن منذ 12 عاماً. ومن شبه المؤكد أن أي اتفاق سيتطلب القبول بمشاركة الحوثيين في المشهد السياسي اليمني ومنحهم مزايا اقتصادية، قد تشمل حصة من عائدات النفط اليمني. وينبغي لواشنطن أن تحث الرياض على التفاوض قبل أن يتصاعد الصراع مع الحوثيين أكثر، مما قد يدفع أسعار الطاقة لمستويات أعلى أو يهدد استقرار المملكة العربية السعودية ذاتها.
ستجني الولايات المتحدة فوائد جمة من إنهاء كافة الأعمال العدائية في منطقة الخليج؛ إذ ستنخفض أسعار الطاقة بسرعة، مما يخفف من حدة النقص والضغوط التضخمية، كما سيتراجع خطر التصعيد الذي قد يدمر البنية التحتية للطاقة في المنطقة ويدفع العالم نحو الركود. وعلاوة على ذلك، ستتمكن واشنطن من سحب الجزء الأكبر من قواتها من المنطقة، وإعادة بناء مخزوناتها من الذخيرة، والبدء في استعادة جاهزيتها العسكرية. ولن تكون إيران بمنأى عن المكاسب أيضاً؛ إذ لن تضطر بعد الآن للقلق بشأن هجمات مدمرة قد تستهدف بنيتها التحتية للطاقة، كما أنها ستجني فوائد اقتصادية كبيرة من استئناف مبيعات النفط والغاز وتحصيل رسوم عبور جديدة، ناهيك عن أي تخفيف للعقوبات، أو فك تجميد للأصول، أو مساعدات لإعادة الإعمار قد تكون جزءاً من الاتفاق.
أما مسألة ما إذا كانت فوائد وقف إطلاق النار -ومخاطر استمرار القتال- ستُقنع كلاً من طهران وواشنطن بالجلوس إلى طاولة المفاوضات، فهي مسألة أخرى؛ فكلا الطرفين أبديا تردداً في إلقاء السلاح دون تحقيق نصر واضح. وعلاوة على ذلك، قد ينظر صناع القرار في إيران إلى أي مسعى أمريكي جديد لإنهاء الحرب باعتباره دليلاً على الضعف الأمريكي وسبباً للتمسك بمواقفهم. ومع ذلك، فإن الوضع المتردي للاقتصاد الإيراني -بما يتسم به من نمو سلبي، وتضخم مرتفع، وانهيار في قيمة العملة- قد يجعل من المسار الدبلوماسي مخرجاً جذاباً لطهران، لا سيما في أوساط النخب التي ربما بدأت تشعر بالقلق بالفعل بشأن استقرار حكمها. للمساعدة في توجيه حسابات القادة الإيرانيين نحو السلام، ينبغي للولايات المتحدة الإعلان عن بنود أي اتفاق وتوضيح المزايا التي ستعود على إيران، وذلك بهدف زيادة الضغوط الداخلية على النظام. كما ينبغي لها الاستعانة بالصين للضغط على إيران من أجل تقديم تنازلات؛ وهو دور قد تكون بكين مستعدة للقيام به للحد من احتمالات التصعيد الذي قد يؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية تضر بالاقتصاد الصيني أيضاً.
ولكي تتوفر فرصة لتحقيق أي من ذلك، يجب أن تكون إدارة ترامب مستعدة للتفاوض أيضاً. فأي تسوية دبلوماسية في هذه المرحلة ستجعل الإدارة عرضة لاتهامات بأن الولايات المتحدة دفعت ثمناً باهظاً مقابل نتيجة تركت البلاد والمنطقة في وضع أسوأ – وجعلت وضع إيران أفضل – مما كان عليه الحال قبل أن تبدأ واشنطن الحرب. ومثل هذه الانتقادات ستكون في محلها؛ إذ لا يوجد مبرر لهذه الحرب. ففضلاً عن تكلفتها الاقتصادية والبشرية الهائلة، استنزفت الحرب موارد الجيش الأمريكي، وأثارت الشكوك حول قدرة واشنطن واستعدادها لحماية شركائها، ومن المرجح أنها منحت إيران ودولاً أخرى في المنطقة حوافز أكبر لتطوير أو حيازة أسلحة نووية.
غير أن الإدارة لم تترك لنفسها سوى خيارات قليلة – إن وُجدت – تبدو جذابة. فمن غير المرجح أن تؤدي مواصلة القتال أو الضغط الاقتصادي على إيران إلى نتيجة أفضل من التفاوض. بل إن استمرار الحرب قد يفضي إلى ما هو أسوأ بكثير: ارتفاع أسعار الطاقة لمستويات تفوق بكثير معدلاتها الحالية، مما قد يؤدي إلى كارثة اقتصادية إذا قامت إيران أو الحوثيون أو جماعات أخرى متحالفة معهم بتدمير بنية تحتية حيوية للطاقة، سواء كان ذلك عن عمد أو عن طريق الخطأ أو نتيجة سوء تقدير أو هجوم غير مصرح به.
وفي المقابل، قد ينطوي الاتفاق القائم على التفاوض على مكاسب سياسية لترامب. ورغم أن بعض الانتقادات ستكون حتمية، إلا أن إنهاء الحرب وانخفاض أسعار الطاقة سيُقابلان بارتياح في الولايات المتحدة ومعظم أنحاء العالم – باستثناء، ربما، بعض أجزاء الشرق الأوسط حيث ستجد الدول نفسها مضطرة للتعامل مع إيران وقد تعززت قوتها. ويمكن تجاهل التكاليف طويلة الأمد للحرب لبعض الوقت، مع إمكانية ترحيل الملف النووي وغيره من القضايا الشائكة بهدوء إلى مفاوضات مستقبلية. وبذلك، يستطيع ترامب إقناع مؤيديه – ولا شك بعض الآخرين أيضاً – بأن الاتفاق كان نجاحاً باهراً والاكتفاء بذلك؛ فمع تجنب وقوع كارثة اقتصادية عالمية، ستتحول الأنظار إلى قضايا أخرى. كما يقول المثل الشرق أوسطي: “الكلاب تنبح والقافلة تسير”.
المصدر: مجلة فورين بولسي
