الجمعة   
   25 09 2026   
   13 ربيع الثاني 1448   
   بيروت 07:47

1400 دولار الكلفة الشهرية للمتطلّبات الأساسية

كتبت زينب بزي وماهر سلامة/جريدة الاخبار

بحسب التقديرات التي أعدّتها «الأخبار» لأسرة من أربعة أشخاص تستأجر منزلاً في بيروت أو ضواحيها، تحتاج كلفة السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل وحدها إلى ما بين 1400 دولار و1500 دولار شهرياً.

بحسب التقديرات التي أعدّتها «الأخبار» لأسرة من أربعة أشخاص تستأجر منزلاً في بيروت أو ضواحيها، تحتاج كلفة السكن والغذاء والكهرباء والمياه والنقل وحدها إلى ما بين 1400 دولار و1500 دولار شهرياً. وبما أن حاجات الأسر أكبر بكثير، وغالبيتها ليس لديها مدخول كافٍ لتغطية الأساسيات، فإن الأعباء الكبيرة تفرض تكيّفاً قهرياً على المجتمع يدفعه إلى الاستغناء عن بعض الحاجات بما يقلّص بشكل ملحوظ مستويات المعيشة. بحسب منظمة العمل الدولية فإن متوسط دخل العمال في لبنان لا يتجاوز 560 دولاراً شهرياً.

وإذا كان في الأسرة عاملان بهذا الدخل، فإن مجموع ما يكسبانه لا يتجاوز 1120 دولاراً، أي إن مجموع الدخل لا يغطي الحدّ الأدنى من المتطلبات الأساسية. وتستبعد هذه الحسبة أكلاف التعليم والاستشفاء والدواء والملابس والاتصالات والإنترنت ومواد التنظيف والعناية الشخصية وأي نفقة طارئة. حتى الطعام اختُصر بسلّة «بقاء» لا تضمّ الدجاج واللحوم الحمراء والأجبان. عند هذا الحدّ، تُصنّف كل ضريبة إضافية ضمن سياسة تجويع عن سابق إصرار وتصميم. ومع ذلك، تواصل السلطة البحث في جيوب هذه الأسر عن تمويل «إصلاحها وإنقاذها».

تراكم هذا الوضع في السنوات الأخيرة منذ الانهيار في النصف الثاني من عام 2019، مروراً بثلاث سنوات من الحرب مع إسرائيل، تزامن جزء منها ضمن حرب إقليمية فرضت ضغوطاً أكبر كأسعار الطاقة والنقل والغذاء. لكن مسؤولية الحكومة تُقاس بما تفعله لحماية الناس من هذه الصدمات وتقليل تداعياتها. وحين تتراجع الخدمات العامة وتُترك الأسر لتشتري بدائلها، تصبح الدولة نفسها شريكاً في رفع كلفة المعيشة. نقص الكهرباء يتحوّل إلى فاتورة مولّد، ونقص المياه إلى شراء عبوات وصهاريج، وقصور النقل العام إلى استنزاف دخل العامل كي يصل إلى عمله. يدفع المواطن كلفة الخدمة التي لم تؤمّنها الدولة، ثم يدفع لها الضرائب والرسوم أيضاً. هكذا تُجبى منه كلفة عجزها عن أداء وظيفتها، وتمعن في البحث عن ما يزيد عجزه.

بالإضافة إلى كل ما سبق، يأتي مشروع موازنة 2027 ليكمل النهج نفسه. فالأولوية لزيادة التحصيل، فيما تبقى قدرة الناس على الدفع خارج الحساب. بعقل محاسبي، تبحث الحكومة عن المال من داخل النظام نفسه، من دون إعادة توزيع جدية للأعباء أو أي رؤية لخفض كلفة الخدمات الأساسية. فيستمر الاعتماد على الضرائب غير المباشرة والرسوم على الاستهلاك، بما يستنزف المداخيل التي يُنفق معظمها على الضروريات، بدلاً من نقل حصة أكبر من العبء إلى أصحاب الثروات والمداخيل العليا.

يبلغ مجموع كلفة الإيجار والغذاء والكهرباء والمياه والنقل نحو 1403 دولارات شهرياً في نموذج السيارة، مع احتساب البنزين فقط، ويرتفع إلى نحو 1486 دولاراً في نموذج انتقال شخصين بالسرفيس والفان. بذلك، تساوي هذه البنود ما بين 250.5% و265.4% من متوسط دخل العامل المعتمد من منظمة العمل الدولية. وإذا كان في الأسرة عاملان يتقاضى كل منهما 560 دولاراً، أي 1120 دولاراً معاً، يبقى عجز شهري يراوح بين 283 و366 دولاراً. فالاحتياجات الخمسة تستهلك بين 125% و133% من مجموع دخلهما.

وهذا العجز يظهر قبل أن يدخل الأولاد المدرسة، أو يمرض أحد أفراد الأسرة، أو يحتاج إلى دواء أو ثياب ولم تُحتسب الاتصالات ومواد التنظيف والعناية الشخصية وسائر النفقات، ولا مياه الصهاريج ولا كامل كلفة السيارة، فيما اختُصر الطعام بسلة غذائية محدودة التنوع. الحساب لم يكتمل، لكن الدخل انتهى. وحتى بعد استبعاد كل هذه الحاجات، تبقى الأسرة عاجزة عن تسديد الفاتورة.
ماذا بقي للأسر كي تتقشّف فيه؟ من أيّ بند تُقتطع الضريبة التالية، ومن أيّ حاجة يُموّل الرسم الجديد؟ تلك هي ترجمة «حكومة الإنقاذ» في حياة الناس. دولة تطالبهم بتمويل خزينتها، وتتركهم وحدهم أمام كلفة خدماتها الغائبة.

◄ فاتورة كهرباء مزدوجة

يقدّر المركز اللبناني لحفظ الطاقة للأجهزة المنزلية، أن متوسط استهلاك الأسرة يبلغ 5409 كيلوواط ساعات سنوياً، أي نحو 451 كيلوواط ساعة شهرياً. وبحسب دراسة أخرى أقدم للبنك الدولي، شملت 509 أسر حضرية، يقدر متوسط استهلاك الأسرة بنحو 6907 كيلوواط ساعات سنوياً. ولا يمكن توزيع الاستهلاك بين كهرباء الدولة والمولّد بالاستناد إلى ساعات التغذية وحدها، لأن الأسر تؤجّل تشغيل بعض الأجهزة إلى ساعات حضور كهرباء الدولة التي تُعدّ أرخص من كلفة المولّد. وتمثّل الغسالة والنشافة والجلاية، بحسب بيانات المركز، نحو 14% من استهلاك الأسرة.

وإذا افترضنا تشغيلها خلال ساعات الدولة، وتوزيع بقية الأحمال على ساعات اليوم، فإن أربع ساعات تغذية يومياً تتيح تقدير حصة كهرباء لبنان بنحو 28.4% من مجمل الاستهلاك. على هذا الأساس، تحصل الأسرة على نحو 128 كيلوواط ساعة شهرياً من كهرباء لبنان، مقابل 323 كيلوواط ساعة من المولّد. وتبلغ كلفة استهلاك كهرباء الدولة نحو 17.6 دولاراً قبل الرسوم والضرائب، فيما تبلغ كلفة طاقة المولّد نحو 174 دولاراً، وفق تعرفة آب 2026 البالغة 48,241 ليرة لكل كيلوواط ساعة للمشتركين تحت ارتفاع 700 متر، وعلى سعر صرف 89,500 ليرة للدولار.

وبإضافة المقطوعية الثابتة البالغة 685 ألف ليرة لاشتراك بقدرة عشرة أمبير، ترتفع فاتورة المولّد إلى نحو 182 دولاراً. ومع احتساب نحو خمسة دولارات رسوماً شهرية لاشتراك كهرباء لبنان بقدرة عشرين أمبير، تصل الكلفة المجمّعة إلى نحو 204 دولارات، قبل استكمال الضرائب والطابع. هكذا، تستهلك الكهرباء وحدها نحو 36.4% من متوسّط دخل العامل المعتمد وفق بيانات منظمة العمل الدولية. وهي كلفة نموذج يجمع بين ساعات محدودة من كهرباء الدولة وتغطية معظم الاستهلاك بالمولّد الخاص.

◄ 700 دولار للسكن

تُظهِر عينة من أسعار الإيجارات في بيروت وضواحيها أن كلفة إيجار شقة مكوّنة من غرفتي نوم تدور حول 700 دولار شهرياً. وهذه ليست متوسطاً رسمياً لسوق الإيجارات، بل خلاصة نماذج فعلية لأسعار معروضة أو متداولة، تتفاوت بحسب المنطقة وعمر البناء وحالة الشقة ووجود موقف للسيارة والمصعد وسائر الخدمات.

في الشياح، يمكن استئجار شقة بسعر يبلغ 500 دولار، وفي السان تريز بين 650 دولاراً و700 دولار. وفي طريق الجديدة يراوح السعر بين 600 دولار لشقة في بناء قديم ومن دون موقف، ونحو 1000 دولار لشقة بمواصفات أفضل وموقف للسيارة. وفي مار الياس نحو 700 دولار، مقابل نحو 500 دولار في بشامون وعين الرمانة، و400 دولار في عرمون. أمّا في البطريركية، فيصل السعر إلى 900 دولار، وفي الحمرا ورأس النبع إلى نحو 1000 دولار لشقة من غرفتي نوم. وفي الرويس، سُجّل نحو 350 دولاراً لشقة من ثلاث غرف.

وتتقاطع هذه العينة مع تقديرات أحد السماسرة، الذي يضع إيجار شقة قديمة من غرفتي نوم في الأحياء الشعبية من بيروت، مثل أطراف مار الياس وطريق الجديدة وبرج أبو حيدر والبسطة والنويري، عند نحو 600 دولار، وبين 700 دولار و800 دولار إذا كانت جاهزة للسكن. أمّا الأسعار عند 500 دولار أو أقل، فترتبط غالباً بشقق أقدم تحتاج إلى صيانة أو تفتقر إلى بعض الخدمات. وفي رأس بيروت، تبدأ الأسعار، وفق تقديراته، من نحو 1200 دولار، وقد تصل في قريطم إلى 1500 دولار.
وباعتماد 700 دولار معياراً تقريبياً، يصبح الإيجار وحده مساوياً لـ125% من متوسط دخل العامل المعتمد من منظمة العمل الدولية. أي إن دخلاً كاملاً لا يكفي لتغطية السكن، قبل الطعام والكهرباء والمياه والنقل.

◄ سلّة غذائية لـ«البقاء»

لاحتساب الحدّ الأدنى الغذائي، اعتُمد المكوّن الغذائي من «سلّة الحدّ الأدنى للبقاء» التي يستخدمها برنامج الأغذية العالمي في لبنان. وهذه السلّة لا تمثّل متوسّط ما تنفقه الأسرة اللبنانية، ولا نظاماً غذائياً متنوعاً أو مثالياً، بل كمّيات محدّدة لتوفير نحو 2100 سعرة حرارية يومياً للفرد.

تتكوّن السلّة من 19 مادة. ولأسرة من أربعة أشخاص، تشمل شهرياً نحو 28.1 كيلوغراماً من الخبز، و9.6 كيلوغرامات من الأرز المصري، و7.8 كيلوغرامات من البرغل، و7.2 كيلوغرامات من المعكرونة، و8.4 كيلوغرامات من البطاطا، إضافة إلى الحمص والعدس والفاصولياء والزيت والسكر والحليب البودرة والتفاح والملفوف والجزر وغيرها.

سُعّرت الخُضر والفواكه والبيض وفق نشرة وزارة الزراعة للفترة بين 13 و17 أيلول 2026، مع اعتماد سعر التجزئة للفئة المتوسطة. واعتُمدت نشرة وزارة الاقتصاد الصادرة في 7 أيلول للمواد الأخرى التي تغطيها، إلى جانب التسعيرة الرسمية للخبز وأسعار عبوات الأرز المصري والبرغل الأسمر المُتاحة في السوق.

وبعد تحويل أسعار العبوات إلى سعر الكيلوغرام أو الليتر وضربها بالكميات الشهرية، بلغت كلفة السلة نحو 17.4 مليون ليرة، أي قرابة 194 دولاراً على سعر صرف 89,700 ليرة للدولار. وهذا يوازي 34.6% من متوسط دخل العامل.
ومع ذلك، لا تتضمن السلة الدجاج أو اللحوم الحمراء أو الأجبان أو الأسماك الطازجة، كما أن تنوع الخُضر والفواكه فيها محدود. وتقتصر مصادر البروتين الحيواني أساساً على البيض والسردين والحليب البودرة، فيما تشكّل الحبوب والبقوليات جزءاً كبيراً من محتوياتها. لذلك، لا تمثل الـ194 دولاراً فاتورة غذاء متنوعاً للأسرة، بل كلفة بلوغ العتبة الغذائية التي تحددها هذه السلة.

◄ النقل يستنزف الدخل

يمكن تقدير كلفة النقل وفق نموذجين. في الأول، تستخدم الأسرة سيارة خاصة واحدة. وبحسب مسح أنماط النقل في لبنان، قطعت السيارة الخاصة في عام 2022 نحو 12,893 كيلومتراً سنوياً، أي نحو 1074 كيلومتراً شهرياً. ومع وسيط استهلاك يبلغ تسعة كيلومترات لليتر، تحتاج السيارة إلى نحو 119 ليتراً من البنزين شهرياً.

وبحسب جدول أسعار المحروقات الصادر في 18 أيلول 2026، بلغ سعر صفيحة البنزين 95 أوكتان 2.81 مليون ليرة. بذلك، تبلغ كلفة الوقود الشهرية في هذا النموذج نحو 16.8 مليون ليرة، أو نحو 187 دولاراً على سعر صرف 89,500 ليرة للدولار. وهذا يعادل 33.4% من متوسط دخل العامل، لكنه لا يشمل الصيانة والزيت والإطارات والتأمين والرسوم والمواقف وانخفاض قيمة السيارة.
أمّا في نموذج النقل المشترك، فيُفترض وجود شخصين ينتقلان بانتظام إلى العمل، أحدهما بالسرفيس والآخر بالفان أو الباص. وباحتساب 22 يوم عمل و44 رحلة شهرياً لكل منهما، وتعرفة تمثيلية تبلغ 400 ألف ليرة للسرفيس و150 ألف ليرة للفان، تصل كلفة الأول إلى نحو 197 دولاراً والثاني إلى نحو 74 دولاراً. وباحتساب المجموع قبل التقريب، تبلغ كلفة انتقال الشخصين نحو 270 دولاراً شهرياً، أو 48.2% من متوسط دخل عامل واحد.

ولا تعني مقارنة الرقمين أن السيارة أرخص من النقل المشترك، لأن مبلغ 187 دولاراً يشمل الوقود وحده، فيما يمثل مبلغ 270 دولاراً كامل الأجرة للرحلات المُفترضة. كما تختلف الكلفة بحسب المسافة والخط وعدد وسائل النقل اللازمة للوصول إلى الوجهة. لكن كلا النموذجين يبيّن حجم العبء الذي يفرضه التنقل على دخل الأسرة.

◄ 560 دولاراً لمن بقي يعمل

أجرت منظمة العمل الدولية مسحاً بين 9 و19 أيار 2026، وشمل 2485 عاملاً في القطاع الخاص كانوا يعملون قبل اندلاع النزاع في آذار، بينهم 1787 لبنانياً. ووفق نتائجه، بلغ متوسط الدخل الشهري للعامل اللبناني الذي بقي في العمل نحو 560 دولاراً، مقارنةً بـ668 دولاراً قبل النزاع، أي بتراجع نسبته 16.2%. ويشمل هذا المتوسط الأجراء والعاملين لحسابهم الخاص، ولا يقتصر على الرواتب المُسجّلة رسمياً. كما أنه يستبعد، عند حساب دخل العاملين، أولئك الذين خسروا وظائفهم. وتنبّه المنظمة إلى أن المسح لا يحلّ مكان مسح شامل للقوى العاملة، وأن عينته ليست مُمثِّلة بالكامل لسوق العمل اللبناني. لذلك يُستخدم رقم 560 دولاراً هنا معياراً تقريبياً للمقارنة، لا متوسطاً وطنياً رسمياً للأجور، لكنه مؤشّر على قدرة الأسر الشرائية للمقارنة مع إنفاقها على بعض الأساسيات. المقاربة تتعلق بمدى كفاية هذا المستوى من الدخل مع الإنفاق الضروري.

المصدر: جريدة الاخبار