أفرزت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة أحد أكثر المشاهد إضراراً برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سياسياً في السنوات الأخيرة. فمع اقترابه من المنصة في 24 أيلول، غادرت عشرات الوفود الدبلوماسية قاعة الجمعية العامة. وقد وضعت وسائل الإعلام الغربية هذا الانسحاب اللافت في صلب تغطيتها، مقدّمةً ظهور نتنياهو باعتباره مواجهةً مع الانتقادات الدولية المتزايدة إزاء مجازر إسرائيل في غزة والضفة الغربية ولبنان. ووصفت وكالة «رويترز» نتنياهو بأنه يواجه ما سمّته تصاعد العزلة الدولية، وذلك قبيل الانتخابات الإسرائيلية.
كان من الصعب تجاهل الدلالة الرمزية لهذا المشهد. فقد أفادت وكالة «أسوشيتد برس» بأن ممثلين دبلوماسيين انسحبوا مع بدء نتنياهو كلمته، فيما تحوّلت صور القاعة التي أخذت تفرغ من الحاضرين سريعاً إلى واحدة من أبرز الصور التي طبعت جلسة الأمم المتحدة. كذلك سلّطت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» الضوء على إلقاء نتنياهو خطابه بعد مغادرة عشرات المندوبين، مشيرةً إلى تصاعد الانتقادات الدولية المحيطة بالجرائم الإسرائيلية، فضلاً عن مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحقه، والتي ألقت بظلالها على زيارته.
وركّزت التغطية البريطانية بدورها على التناقض بين خطاب نتنياهو المتحدّي وردود الفعل الدولية عليه. وكانت صحيفة «الغارديان» قد قدّمت وصوله إلى نيويورك في سياق الاحتجاجات والعزلة السياسية، فيما شدّدت تغطيتها للخطاب على المواجهة الدبلوماسية المحيطة بالحرب الإسرائيلية في غزة ولبنان. ولم تتعامل الصحيفة مع ظهور نتنياهو في الأمم المتحدة على أنه مجرد خطاب آخر له، بل باعتباره حدثاً يجري في ظل علاقات تزداد صعوبة بين «إسرائيل» وأجزاء من المجتمع الدولي.
أما صحيفة «لوموند» الفرنسية، فقد تبنّت إطاراً نقدياً بصورة خاصة في تناولها أداء نتنياهو. ووصفت تقريرها نتنياهو بأنه شنّ هجوماً قوياً على منتقديه، بمن فيهم عمدة نيويورك زهران ممداني والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في وقت رفض فيه الاتهامات المتعلقة بالجرائم الإسرائيلية وقلّل من شأن عنف المستوطنين في الضفة الغربية. كما أشارت «لوموند» إلى أن نتنياهو ألقى خطابه أمام قاعة فرغت جزئياً عقب انسحاب الوفود.
غير أن العنصر الأكثر لفتاً للانتباه تمثّل في التناقض بين محاولة نتنياهو إظهار القوة والرسالة البصرية التي خلّفها انسحاب الوفود. فقد وصفت «رويترز» مغادرة الدبلوماسيين بأنها احتجاج، فيما أبرزت تغطية «أسوشيتد برس» مشاهد الانسحاب إلى جانب خطاب نتنياهو. وكانت النتيجة صورةً ظهر فيها رئيس الوزراء الإسرائيلي وهو يتحدث بقوة من على منبر الأمم المتحدة، بينما لم يعد جزء كبير من الجمهور الدبلوماسي موجوداً للاستماع إليه.
كما واجهت وسائل الإعلام الإسرائيلية بصورة مباشرة مسألة صورة إسرائيل على الساحة الدولية. وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت قد وصفت في وقت سابق القاعة الأممية الخالية بأنها تعبير بصري عن العزلة الدبلوماسية الإسرائيلية. وعلى نطاق أوسع، ناقش المعلّقون الإسرائيليون ما إذا كانت خطابات نتنياهو الحازمة قادرة على تعويض الأضرار التي سببتها الحربان في غزة ولبنان، وما نتج عنهما من تراجع في مكانة إسرائيل في الخارج. وبذلك، أصبح انسحاب الوفود من الجمعية العامة أكثر من مجرد لحظة من الاستعراض الدبلوماسي؛ إذ تحوّل إلى رمز بالغ الوضوح في النقاش الإسرائيلي حول الكيفية التي يُنظر بها إلى إسرائيل بصورة متزايدة على الساحة الدولية.
المصدر: موقع المنار
