تواجه السعودية ضغوطاً أمنية واقتصادية متزايدة مع تهديد الصراع في الشرق الأوسط لمنشآتها النفطية وطرق الملاحة، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة، شريكتها الأمنية منذ عقود، أقل استعداداً أو قدرة على توفير الحماية التي اعتادت الرياض الاعتماد عليها. وفي تحليل نشرته مجلة «فورين بوليسي»، يرى نيكولاس غروسمان أن قرار السعودية وضع رهان استراتيجي كبير على الرئيس دونالد ترامب ترك المملكة مكشوفة في لحظة بالغة الحساسية.
وتتعرض الرياض لضغوط مباشرة. فقد واجهت صادرات النفط السعودية اضطرابات في الخليج، فيما ظلت حركة الملاحة مهددة في البحر الأحمر. كما تعرض خط أنابيب النفط السعودي «شرق-غرب» لهجوم بطائرة مسيّرة، في مؤشر على هشاشة البنية التحتية للطاقة في المملكة، رغم الإنفاق الدفاعي الضخم الذي تخصصه السعودية.
ولعقود، قامت العلاقة السعودية-الأمريكية على صفقة استراتيجية واسعة، وفّرت بموجبها واشنطن الحماية العسكرية والردع والمساعدة في الدفاع الجوي ودعم حرية الملاحة، بينما استضافت السعودية ودول الخليج الأخرى منشآت عسكرية أمريكية وتعاونت مع واشنطن في مجال مكافحة الإرهاب وساهمت في ضمان استمرار تدفق النفط. وكانت حرب الخليج عام 1990-1991 أبرز مثال على هذا الترتيب، عندما قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً أخرج القوات العراقية من الكويت ومنع العراق من تهديد حقول النفط السعودية.
ويرى غروسمان أن الأزمة الحالية كشفت نقاط ضعف خطيرة في هذا الترتيب الأمني التقليدي. ووفقاً للمقال، سعى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى الحصول على تدخل أمريكي ضد الحوثيين بعد الهجمات التي استهدفت منشآت سعودية، لكن واشنطن رفضت توسيع نطاق الحرب في اليمن. ويعتبر الكاتب أن ذلك يدل على أن الرياض لم تعد قادرة على افتراض أن واشنطن ستستخدم قوتها العسكرية تلقائياً كلما تعرضت المصالح السعودية للتهديد.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بسبب الاستثمارات السعودية الكبيرة في العلاقة مع ترامب ودائرته السياسية. ويشير المقال إلى الإنفاق السعودي في شركات مرتبطة بترامب، والاستقبال الفخم الذي حظي به خلال زيارته الأولى إلى المملكة، إضافة إلى صفقة أسلحة ضخمة أُعلن عنها خلال تلك الزيارة. كما يتناول العلاقات المالية السعودية مع جاريد كوشنر وشركته الاستثمارية.
وبدا أن هذه العلاقة حققت مكاسب سياسية مهمة للرياض خلال ولاية ترامب الأولى. فقد انسحبت الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي مع إيران، وهو القرار الذي رحبت به السعودية، كما رفض ترامب علناً استنتاج وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بأن محمد بن سلمان أصدر أمراً بقتل الصحفي جمال خاشقجي. وفي أعقاب ذلك، توسعت العلاقات المالية بين مصالح مرتبطة بالسعودية وشركات مرتبطة بترامب.
وواصلت السعودية تعزيز هذه العلاقات بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض. ويسلط المقال الضوء على استثمارات كيانات مرتبطة بالسعودية في شركات مملوكة لترامب، إضافة إلى استثمار صندوق الاستثمارات العامة السعودي ملياري دولار في شركة كوشنر الاستثمارية. ووفقاً للمقال، أثار مسؤولون سعوديون مخاوف بشأن الاستثمار، إلا أن الصفقة مضت قدماً في نهاية المطاف.
لكن الصراع الحالي جعل هذه الحسابات أكثر تعقيداً. ويرى غروسمان أن الرياض توقعت أن تتحول علاقتها الوثيقة بترامب إلى حماية أمريكية أكبر، لكنها وجدت نفسها بدلاً من ذلك معرضة لتداعيات القرارات العسكرية التي تتخذها واشنطن. ويجادل الكاتب بأن الولايات المتحدة شنت عملية عسكرية واسعة ضد إيران من دون تحقيق أهدافها السياسية المعلنة، ثم اتجهت لاحقاً نحو المفاوضات بدلاً من مواصلة حملة عسكرية أوسع.
كما وضعت الأزمة السعودية في موقف صعب بشأن اليمن. فالرياض تمتلك قدرات عسكرية كبيرة وخاضت عمليات عسكرية ضد الحوثيين لسنوات، إلا أن الحرب أظهرت حدود قدرة القوات السعودية على هزيمة الحركة. ويرى المقال أن هذا الضعف عزز اعتماد المملكة على الدعم العسكري الأمريكي.
ويحدد غروسمان أيضاً مجالاً قد تحقق فيه السعودية مكسباً من علاقتها بإدارة ترامب، يتمثل في إمكانية التوصل إلى اتفاق نووي يسمح للرياض بتخصيب اليورانيوم وفق شروط أقل تقييداً من تلك التي كانت الإدارات الأمريكية السابقة مستعدة لقبولها. ويرى الكاتب أن مثل هذا الاتفاق قد يثير مخاوف بشأن الانتشار النووي، كما قد يعقد جهود واشنطن الرامية إلى تقييد قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم.
ومع ذلك، يشير المقال إلى أن الاتفاق النووي يواجه عقبات سياسية. فقد ربط ترامب الاتفاق باحتمال اعتراف السعودية بإسرائيل، بينما أصرت الرياض على شروط تتعلق بإقامة دولة فلسطينية. ويجادل الكاتب أيضاً بأن إدارة أمريكية مستقبلية قد تحاول التراجع عن الاتفاق بسبب مخاوف تتعلق بالانتشار النووي، إضافة إلى التساؤلات المحيطة بالعلاقات المالية بين السعودية وشخصيات مقربة من ترامب.
وتتمثل الفكرة الأوسع في تحليل «فورين بوليسي» في أن الرياض اتخذت قراراً استراتيجياً مفاده أن العلاقات الشخصية والنفوذ المالي يمكن أن يحلا محل الأسس المؤسساتية لشراكة أمنية أمريكية-سعودية طويلة الأمد. ويرى غروسمان أن هذا الحساب قلل من أهمية الاعتماد على قادة قد تكون قراراتهم مدفوعة باعتبارات شخصية وسياسية أكثر من كونها نابعة من استراتيجية وطنية طويلة المدى.
وبالتالي، يقدم المقال الأزمة الحالية باعتبارها تحذيراً أوسع للسعودية: فالمال والوصول السياسي قد يضمنان نفوذاً قصير الأمد في واشنطن، لكنهما لا يستطيعان ضمان الحماية العسكرية أو الاستقرار الاستراتيجي. ومع تصاعد التهديدات التي تواجه الأراضي السعودية ومنشآت الطاقة والتجارة البحرية، تواجه الرياض مهمة صعبة تتمثل في إعادة تقييم مدى قدرتها على الاعتماد على الولايات المتحدة، وما إذا كانت بحاجة إلى استراتيجية أمنية أكثر استقلالاً.
المصدر: فورين بوليسي
