- يمثل الحصار والقيود المفروضة على اليمن منذ بدء التدخل العسكري للتحالف بقيادة السعودية في 26 آذار/مارس 2015 أحد أهم الأبعاد غير العسكرية للحرب اليمنية. فلم تقتصر الحرب على الغارات الجوية والعمليات البرية، بل اقترنت منذ مراحلها الأولى بقيود على المجالين البحري والجوي، ثم تطورت إلى نظام معقد من التفتيش والتصاريح وإعادة توجيه السفن وإغلاق مطار صنعاء، وصولاً إلى الإغلاق الشامل للمنافذ اليمنية في تشرين الثاني/نوفمبر 2017.
- تستند الرواية السعودية وحجج التحالف بصورة أساسية إلى اعتبارات الأمن القومي، ومنع وصول الأسلحة والصواريخ والمعدات العسكرية إلى أنصار الله، وتنفيذ نظام حظر الأسلحة الذي أقره مجلس الأمن في القرار 2216 لعام 2015، إضافة إلى مواجهة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت الأراضي والمنشآت السعودية. ويؤكد القرار 2216 بالفعل فرض حظر أسلحة موجّه على أفراد وكيانات محددة، ويدعو الدول، ولا سيما الدول المجاورة لليمن، إلى تفتيش الشحنات عند وجود أسباب معقولة للاشتباه في احتوائها على مواد محظورة. لكنه لا ينص صراحة على حصار شامل للغذاء والوقود والسلع المدنية أو على إغلاق شامل للموانئ والمطارات أمام الحركة المدنية، وهو ما يثير إشكالية قانونية وإنسانية تتجاوز نطاق تنفيذ حظر الأسلحة ذاته.
- في المقابل، خلصت تقارير الأمم المتحدة ومجموعات الخبراء التابعة لها إلى أن القيود البحرية والجوية التي فرضها التحالف منذ 2015 تحولت عملياً إلى قيود شديدة على حركة الواردات، وأن إغلاق مطار صنعاء والقيود على الموانئ أديا إلى خفض تدفق الواردات ورفع تكاليفها وإعاقة الحركة الإنسانية والتجارية. كما اعتبرت الأمم المتحدة أن الإغلاق الشامل الذي بدأ في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بعد إطلاق صاروخ باتجاه الرياض، تسبب في صدمة إضافية لاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد، مع انعكاسات مباشرة على الغذاء والوقود والخدمات الأساسية.
- ولم يكن الحصار ثابتاً طوال الحرب. فقد انتقل من قيود وتفتيش منذ 2015، إلى إغلاق مطار صنعاء أمام الرحلات التجارية في 2016، إلى الحصار الشامل في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، ثم إلى ترتيبات أكثر مرونة بعد اتفاق ستوكهولم 2018، فالهدنة الأممية في 2022 التي سمحت بدخول سفن الوقود وتشغيل رحلات تجارية محدودة من مطار صنعاء، ثم المفاوضات السعودية-الحوثية المباشرة في 2023 التي ركزت على وقف الحرب، والرواتب، والنفط، وفتح الطرق والمطار والموانئ.
- أما الولايات المتحدة، فقد انتقلت من كونها شريكاً عسكرياً ولوجستياً أساسياً للتحالف في السنوات الأولى، إلى الضغط لإنهاء الحرب خلال إدارة بايدن، ثم إلى العودة إلى العمل العسكري المباشر ضد أنصار الله في 2025 على خلفية هجمات البحر الأحمر، قبل التوصل إلى وقف للأعمال العدائية بين واشنطن وأنصار الله في أيار/مايو 2025. وفي 2026، عاد الصراع إلى التصعيد، وأصبح اليمن مرتبطاً بدرجة أكبر بالتوترات الإقليمية الأوسع. وتؤكد الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر 2026 أن خطر العودة إلى حرب واسعة قد تصاعد مجدداً، مع استمرار الدعوة إلى استئناف المسار السياسي.
- وفي هذه المرحلة الجديدة برز تحول مهم في طريقة تعامل أنصار الله مع الحصار. فبدلاً من أن تبقى كلفة القيود والحصار واقعة بصورة أساسية على الداخل اليمني، تطورت معادلة «الحصار بالحِصار» و«الإغلاق بالإغلاق» بوصفها محاولة لفرض كلفة مقابلة على الأطراف التي تفرض الحصار أو تدعمه. وتقوم هذه المعادلة، في جوهرها، على استخدام الموقع الجغرافي لليمن، ولا سيما إشرافه على البحر الأحمر وباب المندب، وتحويل أمن الملاحة والتجارة والطاقة إلى جزء من حسابات الصراع، بحيث لا يعود استمرار الضغط على اليمن إجراءً منخفض الكلفة بالنسبة إلى الطرف الآخر.
- ولا تعني هذه المعادلة أن الحصارين متماثلان من حيث الشكل أو الأثر، ولا أن الضغط المضاد يؤدي تلقائياً إلى تحقيق أهداف سياسية. وإنما تكمن أهميتها في أنها تمثل محاولة للانتقال من معادلة كلفة أحادية ــ يتحمل فيها اليمن الجزء الأكبر من أعباء الحصار ــ إلى معادلة كلفة متبادلة يصبح فيها استمرار الحصار والحرب مكلفاً أيضاً للمصالح الإقليمية والدولية المرتبطة بالبحر الأحمر. ومن هذا المنظور، فإن الغاية السياسية المحتملة للمعادلة ليست استمرار الحصار المضاد إلى أجل غير محدد، وإنما تغيير حسابات الأطراف الأخرى ودفعها نحو تخفيف القيود وفتح الموانئ والمطار والعودة إلى التفاوض.
- وتكشف هذه المعادلة في الوقت نفسه عن تحول اليمن من ساحة تتلقى آثار الحرب إلى طرف يحاول استخدام موقعه الجغرافي وقدرته على التأثير في حركة الملاحة الإقليمية كورقة ضغط في مواجهة الحصار. إلا أن نجاح هذا الخيار يظل مرتبطاً بقدرته على تحويل الضغط المتبادل إلى نتائج سياسية قابلة للاستمرار، وبمدى قدرته على تجنب توسيع الأزمة الإنسانية والاقتصادية داخل اليمن. ولذلك فإن معيار نجاح «الحصار بالحِصار» لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم الاضطراب الذي يمكن أن يحدثه، بل بقدرته على تغيير معادلة التفاوض وصولاً إلى رفع القيود وإنهاء الحرب.
- وعليه، فإن دراسة الحصار لا يمكن فصلها عن تطور الحرب نفسها. فقد بدأ بوصفه أداة عسكرية واقتصادية للضغط على أنصار الله، لكنه أصبح في الوقت ذاته عاملاً بنيوياً في الأزمة الإنسانية والاقتصادية اليمنية، وموضوعاً مركزياً في مسارات التفاوض اللاحقة. ومع انتقال الصراع إلى مرحلة «الحصار بالحِصار»، لم تعد القضية مقتصرة على قدرة اليمن على تحمل الحصار، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بقدرته على تقليل قابلية اقتصاده ومجتمعه للاختناق، ورفع كلفة استمرار الحصار على الأطراف الأخرى، وتحويل الصمود والضغط المضاد إلى ورقة تفاوضية تقود في النهاية إلى إنهاء الحصار بدلاً من تكريس دائرة الحصار والحصار المضاد.
المصدر: يوفيد
