السبت   
   07 11 2026   
   26 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 15:34

ترامب ونتنياهو في مأزق مشترك.. مقايضات سياسية واستعصاء حكومي ورهانات على الحرب

تتداخل الحسابات السياسية في واشنطن وتل أبيب بشكل غير مسبوق، حيث تتقاطع انتخابات الكونغرس الأميركي مع أعقد أزمة تشكيل حكومي في تاريخ الكيان الإسرائيلي. وفي قلب هذا المشهد المتشابك، يتجلّى مأزق ثنائي يجمع بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، في ظل ترقّب واسع لتأثير النتائج الأميركية على بقاء نتنياهو السياسي، والدور المستمر للوبي اليهودي «إيباك» في توجيه بوصلة السياسة الأميركية.

مقايضة المساعدات بالدعم السياسي: مأزق ترامب ونتنياهو

لم تعد العلاقة بين ترامب ونتنياهو مجرّد تحالف استراتيجي تقليدي، بل تحوّلت إلى صفقات ومقايضات سياسية وشخصية لحماية وجودهما في السلطة. ويعبّر مؤسّس حزب «إسرائيل بيتنا» وزعيمه أفيغدور ليبرمان عن هذا الواقع بوضوح، حين أشار إلى أن «ترامب اشترى نتنياهو بسبعة مليارات ونصف مليار دولار»، في إشارة إلى المقايضة التي تمّت مقابل الدعم الانتخابي الصريح واستغلال ملف المساعدات.

وقد تجلّت خطورة هذا النهج في ردود الفعل داخل المؤسسة الأمنية للكيان الإسرائيلي؛ إذ أكد المرشّح الأبرز لرئاسة الحكومة غادي آيزنكوت أن «معرفة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بالقرار عبر وسائل الإعلام أمر معيب، وأن نتنياهو كان يعلم به». ويرى آيزنكوت أن «العلاقة مع الولايات المتحدة والمساعدات التي تتلقاها إسرائيل منها تشكّل عصب الأمن القومي، ولا يمكن التفريط فيها بهذه الصورة».

ويرتكز هذا المأزق على دوافع نتنياهو الذاتية ورغبته في حماية نفسه؛ إذ إن «نتنياهو لديه دوافع مرتبطة بوضعه الداخلي في إسرائيل، وبالتحقيقات الجنائية ولجنة التحقيق في السابع من أكتوبر. هذه الأمور دفعته دائماً إلى الهروب إلى الأمام نحو الحروب». وهذا بالضبط ما يتلاقى مع أهداف ترامب، الذي يبحث عن «رجل مدفوع ليس فقط بمنطق استراتيجي وعقلاني ومصلحة الدولة، بل أيضاً بمصلحته الشخصية».

تحوّلات واشنطن وتراجع نفوذ إيباك

على الرغم من الدعم المطلق الذي يوفّره ترامب لنتنياهو، بناءً على رؤى ومصالح متقاطعة، تشهد الساحة الأميركية تحوّلات هيكلية تؤثّر في مستقبل هذا التحالف؛ إذ إن المساعدات ترتبط بقوانين وتشريعات داخل الكونغرس. كما أن تصريحات ترامب حول خفض المساعدات جاءت لسحب الذرائع من خصومه، ولإدراكه تنامي شريحة واسعة من الأميركيين تتساءل عن مآلات الإنفاق الخارجي.

ولم يعد نفوذ منظمة «إيباك» مطلقاً كما كان في السابق؛ إذ أشار المحلّلون إلى أنها «أُصيبت بنكسات كبيرة»، فضلاً عن أن الجيل الجديد داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي «لم ينشأ على الحرب الباردة، بل نشأ على حرب الإبادة الجماعية في غزة وحرب لبنان وحرب إيران، ويعتقد أن هذه الحروب خارج حسابات الحزبين».

هل يُزيح «معسكر التغيير» نتنياهو؟

على جانب الكيان الإسرائيلي، تظلّ معضلة تشكيل الحكومة معقّدة بنيوياً، وتستعصي على التدخّل الخارجي المباشر؛ فالتدخّل الفظّ لترامب واصطفافه مع نتنياهو «لم يمنح رئيس الوزراء الإسرائيلي نقلة نوعية»، وفق استطلاعات الرأي.

في المقابل، يحاول «معسكر التغيير» تجميع صفوفه لقطع الطريق على نتنياهو، في ظل تحرّكات يائير غولان، الذي يُعدّ «الصوت الوحيد بين أحزاب المعارضة الذي يدعو إلى الشراكة مع الأحزاب العربية». لكن هذا المسار يصطدم برفض قاطع من أطراف أخرى في المعارضة؛ إذ يقطع ليبرمان الطريق بتأكيده «عدم إمكان إقامة حكومة أقلية بالاتّكاء على الأحزاب العربية»، ما يجعل غولان، في نظر المتابعين، «ينفخ في الرماد».

وتواجه المعارضة قيوداً وضغوطاً متعدّدة تميّزها عن نتنياهو، أبرزها التعهّدات المتناقضة للناخبين، بين رفض الشراكة معه من جهة، ورفض الشراكة مع الأحزاب العربية أو الحريديم من جهة أخرى.

ويُضاف إلى ذلك غياب القيادة والبرنامج المشترك، وتشتّت الرؤى بين أطراف المعارضة، وانحصار خيارات شخصيات مثل آيزنكوت بين الشراكة مع أحزاب مثل «يهدوت هتوراه» والذهاب إلى حكومة وحدة وطنية.

الهروب إلى افتعال الجبهات وخيار الحرب

في مواجهة هذا الاستعصاء البرلماني والضغط السياسي، يمتلك نتنياهو أوراق قوة خطيرة، تعتمد على جرّ الشارع واليمين إلى الاقتتال الداخلي وتصعيد الخطاب. واليوم، يتحدّث المحلّلون عن أن «هروب نتنياهو إلى افتعال الجبهات، وتحديداً هذه المرة عبر الذهاب إلى ضربة جديدة على إيران بالتعاون مع الولايات المتحدة، لن تكون دوافعه مرتبطة بأمن إسرائيل القومي ومصلحتها، بل بأهداف وحاجات شخصية لدى نتنياهو يوظّفها ترامب ويستخدمها».

ويظلّ التهديد بالحرب ورقة نتنياهو الرابحة لبعثرة أوراق المعارضة؛ ففي اللحظة التي يُعلَن فيها بدء الحرب، تُنسف كل التوافقات السياسية، ولا يتبقّى أمام الجميع سوى خيار الدخول في «حكومة طوارئ وطنية» بشروطه، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة.

ويخوض ترامب ونتنياهو المعركة السياسية ذاتها بأساليب متطابقة؛ فكلاهما يتحدّث عن تزوير الانتخابات ويشكّك في شرعيتها، وكلاهما يواجه أزمات قضائية وتهم فساد، ويرى في التصعيد العسكري مخرجاً وحيداً.

وقد تمنح نتائج الانتخابات الأميركية نتنياهو غطاءً مؤقتاً، لكنها لن تفكّك عقدة الاستعصاء السياسي المعقّدة في تل أبيب؛ فكلا الرجلين يبحران في المركب نفسه، ورغم محاولاتهما تصدير الأزمات وتأجيج الحروب، فإن الثقوب المتزايدة في هذا المركب قد تؤدّي في النهاية إلى إغراقهما معاً.

المصدر: موقع المنار