السبت   
   29 11 2025   
   8 جمادى الآخرة 1447   
   بيروت 13:31

سوق “أرضي” في الضاحية الجنوبية.. رسالة صمود ووحدة وطنية تتخطّى آثار العدوان

شهد معرض “أرضي” في الضاحية الجنوبية لبيروت هذا العام زخمًا استثنائيًا يُعد الأكبر منذ انطلاقه، بعد استقبال مجمع سيد الشهداء آلاف الزوار يوميًا بين 31 تشرين الأول و9 تشرين الثاني، في مشهد أعاد الروح الاقتصادية والاجتماعية إلى المنطقة وبيئة المقاومة، مؤكّدًا التعافي بعد العدوان الإسرائيلي الأخير على لبنان.

إقبال قياسي ورسالة تعافٍ اقتصادي

لم يكن الاقبال على سوق “أرضي” مجرد نشاط تجاري موسمي، بل مثّل مؤشّرًا واضحًا على تعافي الأسواق المحلية، مع تنامي دعم الإنتاج الريفي والحرفي، وتكريس أهمية المنتج الوطني في مواجهة ظروف اقتصادية صعبة. فقد توافد آلاف اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف، دعمًا لصغار المنتجين، واستعادةً للحيوية في السوق المحلية.

وفي هذا الإطار، أكّد الحاج عادل أحمد، المسؤول الإعلامي في مؤسسة جهاد البناء، في مقابلة مع موقع المنار نجاح الدورة الحالية غير المسبوقة، حيث شارك نحو ألف عارض من مختلف المناطق اللبنانية، وبلغ عدد الزوار خلال العشرة أيام الأولى قرابة 246 ألف شخص.

وأوضح أحمد أن الهدف الأساسي للسوق هو تسويق منتجات صغار المنتجين الزراعيين والحرفيين، بعيدًا عن الوسطاء التجاريين، مضيفًا أن هدف دعم المنتج المحلي تحقق بنسبة كبيرة نتيجة الإقبال الشعبي الواسع وثقة الناس بالجودة.

وأشار إلى أن هذا النجاح أعاد الأمل لمئات العائلات التي تعتمد على الزراعة والصناعات الريفية، خاصة في القرى الجنوبية والجبلية المتأثرة بالعدوان والظروف الاقتصادية الصعبة.

سوق “أرضي” كرسالة صمود في مواجهة التهديدات

جاء إقامة المعرض في هذا التوقيت الحساس لتشكّل رسالة صمود واضحة من مجتمع المقاومة، إذ استمرت الفعاليات رغم أجواء التهويل والطيران المسيّر والتصعيد جنوبًا. وشدد أحمد على أن “الزوار تحدوا الخوف، وظلوا يتوافدون رغم العدوان، لتصبح مشاركتهم دعمًا اقتصاديًا ومعنويًا للأهالي. هذه المنتجات ليست سلعا فحسب، بل رمز للثبات والتجذر في الأرض.”

وأضاف أن صمود المنتجين تحت القصف يجسد المقاومة الاقتصادية، مؤكدًا أن جودة المونة والحرف اليدوية تثبت قدرة المنتجين على الإبداع والإنتاج مهما اشتدت الظروف.

منصة اقتصادية جمعت الوطن بتنوعه الجغرافي

لفت أحمد إلى أن معرض “أرضي” هذا العام كان مساحة لقاء للوحدة الوطنية، بعيدًا عن الصورة النمطية للضاحية الجنوبية، بمشاركة وزوار من مختلف الطوائف والمناطق: بيروت، الجبل، الشمال، البقاع، والجنوب. هذا التنوع جسّد تلاحمًا اجتماعيًا، حيث امتزجت نكهات المونة البلدية بلهجات الزوار، وتحولت ساحاته إلى خلية نحل نابضة بالحياة والحركة.

لم يعد “أرضي” مجرد سوق للمنتجات الريفية والحرفية، بل أصبح منصة اقتصادية – اجتماعية تؤمن: دعم الاقتصاد الريفي، وتمكين صغار المنتجين، بالإضافة إلى تعزيز ثقافة الصمود. كما كسر هذا المعرض الحواجز بين الطوائف والمناطق، وإعادة الروح إلى الأسواق اللبنانية.

رؤية استراتيجية ومكافحة الاحتكار

وفي هذا السياق، قال المشرف على المعرض، الدكتور علي زعيتر، في مقابلة مع موقع المنار إن سوق “أرضي” يمثل مبادرة اقتصادية – اجتماعية راسخة، منطلقة من أدوات وضعتها مؤسسة “جهاد البناء” لتحقيق هدفين رئيسيين: كسر احتكار التسويق الذي ظلّ في يد كبار التجار، ليصل المنتج مباشرة إلى المستهلك، إضافةً إلى تعزيز سياسات الأمن الغذائي وتكريس ثقافة الاعتماد على المنتوجات المحلية.

وأوضح زعيتر أن هذا النموذج أسهم فعليًا في تنمية الأرياف ودعم آلاف المنتجين الصغار في الصناعات الغذائية والحرفية، مضيفًا أن مرور 11 دورة للمعرض منذ 2007 حتى 2025 مكّن الجمعيات التعاونية والمنتجين الأفراد من المنافسة مع أكبر المؤسسات الإنتاجية في لبنان.

وكشف أن هذه الدورة شهدت مشاركة نحو 1150 عارضًا من مختلف المناطق اللبنانية، ووصلت قيمة المبيعات إلى مليون وسبعمائة وستة عشر ألف دولار، وهو الرقم الأعلى بتاريخ المعرض.

صمود اقتصادي وإجتماعي في مواجهة آثار العدوان

توقف د. زعيتر عند المشاركة الواسعة من مناطق الجنوب والبقاع التي تعرضت لأضرار بالغة، مؤكدًا أن أبناء هذه المناطق أثبتوا قوتهم وحققوا أرباحًا لافتة، بما يجسد امتداد المقاومة الاقتصادية للمقاومة العسكرية، والقدرة على التعافي وإعادة البناء الاجتماعي والاقتصادي.

كما لفت إلى التنوع الطائفي والحضور السياسي المختلف الذي جمعته السوق، معتبرًا ذلك نقطة مضيئة في مواجهة الاصطفافات السياسية والإعلامية.

وأشار إلى أن عدد المشاهدات على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما فيسبوك، تجاوز المليون مشاهدة، إلى جانب تغطية إعلامية موسعة من قنوات ومواقع إلكترونية عدة، ما جعل المعرض محطة فارقة على الصعيدين السياسي والاجتماعي، وأثبت أنه علامة مميزة في مسار المبادرات المحلية الناجحة.

وأكد الدكتور زعيتر في الختام أن سوق “أرضي” لم يعد مجرد معرض أو سوق للمنتجات الريفية والحرفية، بل أصبح رسالة صمود واستمرارية، ودليلًا على أنّ الأرض الريفية – الزراعية هي أساس النهضة ومواجهة التحديات. حيث تصمد الأرض يصمد أهلها، ويستمر الإنتاج والمقاومة الاقتصادية كجزء لا يتجزأ من صلابة المجتمع وثباته.

المصدر: موقع المنار