في مثل هذه الأيام، نفّذت القوات الأميركية عدوانًا مباشرًا على العراق، بأمر من الرئيس الأميركي آنذاك دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، تمثّل في استهداف موكب رسمي قرب مطار بغداد الدولي، ما أدّى إلى اغتيال قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني الشهيد الحاج قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي الشهيد أبو مهدي المهندس، وعدد من مرافقيهما.
ولم تكن هذه العملية حدثًا أمنيًا عابرًا أو محدود التأثير، بل شكّلت نقطة تحوّل كبرى في مسار المواجهة الإقليمية، إذ فجّرت تداعيات سياسية وعسكرية واسعة، وأدخلت المنطقة في مرحلة جديدة من التوتر المفتوح. وردّت إيران حينها بضربة صاروخية مباشرة استهدفت قاعدة عين الأسد الأميركية في العراق، في سابقة وُصفت بأنها الأولى من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية التي تتعرض فيها قواعد عسكرية أميركية لهجوم مباشر من دولة، بشكل معلن ورسمي.
اغتيال القائدين الجهاديين لم يُضعف محور المقاومة كما توقّع بعض المخططين، بل أسّس لمرحلة جديدة من التماسك وإعادة التموضع. فقد تحوّلت العملية إلى محطة مفصلية مضيئة في تاريخ هذا المحور.
وقد مثّل الشهيدان سليماني والمهندس رمزين مركزيين في بناء شبكة التنسيق والتكامل بين قوى المقاومة، من العراق إلى فلسطين ولبنان وسائر ساحات المواجهة. وجاء اغتيالهما ليؤكد، أن الصراع دخل مرحلة المواجهة المباشرة، ولو بضوابط محسوبة.
اعتاد محور المقاومة أن يقدّم قادته وشهداءه على طريق القدس والدفاع عن الأمة ومقدساتها، في مواجهة الاحتلال الأميركي والغطرسة الغربية. وقد شكّل اغتيال الشهيدين الحاج قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس محطة مفصلية في هذا المسار، إذ قدّم المحور أحد أبرز قادته وأكثرهم تأثيرًا، ما عزّز من رمزية الشهادة بوصفها عنصرًا مؤسِّسًا في بنيته ونهجه، لا نقطة نهاية لمسيرته أو سببًا لانكفائه.
وبعد سنوات على تلك الحادثة، لا تزال ارتداداتها حاضرة بقوة في المعادلات الإقليمية، سواء على مستوى العراق أو في إطار الصراع الأوسع في المنطقة. فقد تحوّل اغتيال القائدين إلى علامة فارقة أعادت رسم خطوط الاشتباك وحدود الرد، وأسّست لمنطق جديد في إدارة الصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها، قوامه الردع المتبادل وتكريس معادلة أن استهداف القيادات لن يؤدي إلى كسر المحور، بل إلى إعادة إنتاجه بصورة أكثر تماسكًا وصلابة.
الحاج سليماني.. مهندس محور المقاومة
شكّل دعم حركات المقاومة في المنطقة الركيزة الأساسية في نهج الحاج قاسم سليماني، غير أن هذا الدعم لم يكن تقليديًا أو مرحليًا، بل ارتكز على رؤية استراتيجية واضحة قوامها تعزيز قدرات المقاومة وصولًا إلى الاكتفاء الذاتي، عسكريًا وتنظيميًا وبشريًا. فقد آمن سليماني بأن قوة أي حركة مقاومة لا تُقاس فقط بحجم الدعم الخارجي، بل بقدرتها على الاعتماد على ذاتها، وعلى عقول كوادرها، وخبراتها، وتصنيعها، وتخطيطها، وتراكم تجربتها الميدانية.
وعلى خلاف ما تلجأ إليه بعض الدول الراعية للحركات المسلحة، حيث يُستخدم الدعم أداة للسيطرة على القرار والخيارات، سعى سليماني، إلى العمل على إيصال حركات المقاومة إلى مرحلة تستطيع فيها الاستغناء، حتى عن الدعم الذي تقدمه الجمهورية الإسلامية في إيران، بعد الاتكال على الله سبحانه وتعالى.
في فلسطين، ولا سيما بعد عام 2000، برز هذا النهج بوضوح في العلاقة مع حركتي حماس والجهاد الإسلامي، إلى جانب بقية فصائل المقاومة. وقد شمل الدعم، الذي لم يعد خافيًا أو سريًا، التسليح، والتمويل، ونقل الخبرات، وتطوير القدرات التصنيعية، ورفع الكفاءة التدريبية. وكان الحاج قاسم، إلى جانب قوة القدس والحرس الثوري، حاضرًا في كل ما يمكن تقديمه ضمن هذا المسار، بما أسهم في ترسيخ قدرة المقاومة الفلسطينية على الصمود والمواجهة.
أما في العراق، وبعد عام 2003، ومع انطلاق فصائل المقاومة الإسلامية العراقية في مواجهة قوات الاحتلال الأميركي، وجد المقاومون في الحاج قاسم سليماني وقوة القدس السند والداعم والملاذ. فقد قُدّم الدعم بكل أشكاله: مالًا وسلاحًا، تدريبًا وخبرةً ومواكبةً ميدانية.
وفي هذه المرحلة، وقبل تأسيس الحشد الشعبي، برز الشهيد القائد أبو مهدي المهندس بوصفه الشخصية المحورية إلى جانب سليماني، لا سيما في عامي 2003 و2004، حيث لعب دورًا أساسيًا في تنسيق عمل فصائل المقاومة، وهو ما أسهم في تحقيق نصر تاريخي على الاحتلال الأميركي.
أحد أبرز إبداعات الحاج قاسم سليماني تمثّل في بناء شبكة علاقات عضوية ووثيقة بين حركات المقاومة في المنطقة، قائمة على الثقة والصدق، بل وعلى البعد الإنساني والعاطفي. ومن خلال هذا التشبيك، تبلور تدريجيًا ما بات يُعرف بـمحور المقاومة أو جبهة المقاومة، وهو إطار لم يكن موجودًا بصيغته المتكاملة قبل سنوات.
وقد اضطلع سليماني بدور الشخصية المركزية التي ضمنت التواصل، والتنسيق، والتشاور، والتكامل بين قوى المقاومة في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق واليمن، مع حرصه الدائم على أن تكون العلاقات مباشرة بين هذه الحركات، لا عبر وسطاء، بما يسمح بتبادل الخبرات والأفكار، وبناء رؤية استراتيجية موحدة لمستقبل المنطقة ومسار الصراع.
كان الحاج سليماني، في جوهره، منصهرًا في الإسلام، وفي القدس، وفي فلسطين، وفي قضايا المظلومين والمعذّبين. لم يكن في شخصيته حضور للأنا أو الذات، بل كان مشروعًا متكاملًا لخدمة قضية المقاومة. وقد انعكس هذا النهج في مسارات الانتصار: من تحرير جنوب لبنان عام 2000، إلى صمود المقاومة في حرب تموز 2006، إلى مقاومة غزة وصمودها، وصولًا إلى المقاومة العراقية.
حضور للشهيد سليماني في لبنان عام 2006
وفي هذا السياق، أكّد الدبلوماسي الإيراني السابق هادي أفقهي أنّ الشهيد قاسم سليماني أولى اهتمامًا بالغًا بالمقاومة الإسلامية في لبنان، ولا سيّما خلال حرب تموز عام 2006، المعروفة بـ«حرب الـ33 يومًا»، مشيرًا إلى حضوره المباشر في غرفة العمليات طوال فترة المواجهات.
وأوضح أفقهي في مقابلة مع موقع المنار، أنّ الشهيد سليماني أصرّ على البقاء في لبنان خلال الحرب، رغم إصرار الشهيد الأقدس والأسمى السيد حسن نصر الله على عودته إلى إيران. وأضاف أنّ بقاء الشهيد سليماني في غرفة العمليات حتى انتهاء حرب الـ33 يومًا عام 2006 شكّل دليلًا واضحًا على حجم الدعم والاهتمام الذي كان يوليه للمقاومة الإسلامية في لبنان.
واكد أنّ هذه المقاومة ستبقى شامخة، ولن تخضع أو تضع سلاحها على الأرض، حتى تحرير القدس الشريف.
هكذا، لم يكن الحاج قاسم سليماني مجرد قائد عسكري، بل مهندس عقيدة مقاومة، أسس لمحور قائم على الوعي، والقدرة، والاستقلال، والاستمرارية، وهو ما جعل أثره يتجاوز حضوره الجسدي، ليبقى فاعلًا في مسار الصراع في المنطقة.
أبو مهدي المهندس في شهادة السيد نصرالله: وفاءٌ متجذّر وقائدٌ تشكّل في ساحات المواجهة
تقدّم شهادة الأمين العام لحزب الله سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله حول الشهيد القائد أبو مهدي المهندس قراءة عميقة في مسار العلاقة التي جمعتهما، وفي طبيعة الشخصية القيادية التي مثّلها المهندس داخل معادلة المقاومة، ولا سيما في العراق. فهذه العلاقة، لم تكن عابرة أو ظرفية، بل تطوّرت تدريجيًا إلى شراكة نضالية متينة، بلغت ذروتها خلال مرحلة المواجهة المصيرية مع تنظيم “داعش”.
وأشار السيد نصرالله إلى أن تعرّفه الأول على الشهيد المهندس كان في بداية التسعينات، قبل أن يجمعهما أول لقاء مباشر في طهران. ومنذ ذلك الحين، بدأت علاقة قائمة على التقاطع الفكري والالتزام الجهادي، غير أنها اكتسبت بعدًا أعمق وأكثر تماسكا في السنوات الأخيرة، وتحديدًا مع اندلاع معركة العراق ضد “داعش”، وما رافقها من حضور مباشر لقوى المقاومة، ودعم الحشد الشعبي، وتكثيف التنسيق الميداني والسياسي.
في مرحلة قتال “داعش”، تحوّلت العلاقة إلى تواصل دائم ومباشر، إذ كان الشهيد أبو مهدي المهندس على تماس مستمر مع قوى المقاومة، وكان يزور لبنان بشكل متكرر، فيما أشار السيد نصرالله إلى أنه التقاه للمرة الأخيرة قبل أقل من ثلاثة أشهر على استشهاده، خلال زيارة قام بها المهندس إلى بيروت.
وأكد السيد نصرالله أن الشهيد أبو مهدي المهندس كان إنسانًا يتمتع بدرجة عالية من الوفاء، والإخلاص، والتديّن، والشعور العميق بالمسؤولية، فضلًا عن كونه مجاهدًا حقيقيًا تشكّلت شخصيته في الميدان لا في الخطاب. وأشار إلى أن الشهيد المهندس كان يحمل الكثير من الصفات المشتركة مع الشهيد الحاج قاسم سليماني، وهو ما يفسّر طبيعة العلاقة المميزة والاستثنائية التي جمعتهما، القائمة على الثقة الكاملة ووحدة الرؤية والهدف.
علاقة مع لبنان تعود إلى الثمانينيات
كان للشهيد أبو مهدي المهندس نظرة ثاقبة ورؤية استشرافية واضحة، وعُرف بتعلقه الشديد بفلسطين والقدس الشريف وقضايا المنطقة، رغم الظروف السياسية المعقدة التي كان يعيشها العراق في المرحلة التي تلت الغزو الأميركي وما سبقها، إلى جانب إسهاماته في لبنان ومع المقاومة الإسلامية.
وتعود جذور هذا المسار إلى صيف عام 1981، حين سافر الحاج أبو مهدي إلى سوريا ولبنان، حيث خضع لدورات عسكرية وأمنية، ودرس الواقع مع معارضين عراقيين بارزين لجؤوا إلى البلدين، ليخلص إلى قناعة مفادها ضرورة إنشاء إطار جهادي موحد يضم الطاقات العراقية لمواجهة الهيمنة الغربية، بحسب ما أشار الباحث اللبناني يوسف الشيخ.
وأشار الباحث الشيخ، في مقابلة مع موقع المنار، إلى أن الشهيد أبو مهدي المهندس تردد إلى لبنان بين عامي 1981 و1984، وتعرّف على القائدين الجهاديين اللبنانيين الشهيدين السيد مصطفى بدر الدين والحاج عماد مغنية، إلى جانب عدد من القادة العاملين في المجال الأمني الجهادي، كما عايش الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982، الذي شكّل محطة مفصلية في توجهاته.
وأوضح أن هذا الاجتياح أسهم في تعزيز التواصل بين الكادر الجهادي العراقي ورسل الثورة الإسلامية في إيران الذين وصلوا إلى سوريا ولبنان بطلب من الإمام الخميني (قده)، ومع وصول حرس الثورة الإسلامية في حزيران 1982، وعلى رأسهم نائب قائد الحرس آنذاك القائد أحمد متوسليان.
المصدر: موقع المنار
