لطالما انطلقت الجيوبوليتيك الكلاسيكية من افتراض ثبات الجغرافيا، واعتبرت أنّ المواقع الاستراتيجية الكبرى لا تتغير إلا ببطء شديد. غير أنّ التحولات المناخية المتسارعة، مقرونةً بالتحول العالمي في نظام الطاقة، بدأت تُحدث خلخلة عميقة في هذه المسلّمات، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول معنى “المركز” و“الهامش” في النظام الدولي. وفي هذا السياق، تبرز غرينلاند بوصفها مثالًا دالًا على انتقال مناطق كانت تُعدّ هامشية إلى قلب الحسابات الجيوبوليتيكية المعاصرة.
_موقع استراتيجي أعاد المناخ تعريفه
تقع غرينلاند عند تقاطع جغرافي فريد بين أميركا الشمالية وأوروبا والقطب الشمالي، وهو موقع ظلّ لعقود طويلة ذا أهمية محدودة بسبب القسوة المناخية والعزلة الطبيعية. إلا أنّ ذوبان الجليد أعاد الاعتبار إلى هذا الموقع، فاتحًا آفاقًا جديدة للملاحة والاتصال، ومحولًا الجزيرة إلى عقدة جغرافية محتملة بين المحيط الأطلسي والمحيط المتجمد الشمالي، ضمن مسارات تجارية واستراتيجية آخذة في التشكل.
هذا التحول يعكس منطقًا جيوبوليتيكيًا جديدًا، حيث لم تعد الأهمية الاستراتيجية محصورة في السيطرة على اليابسة الصلبة، كما افترضت نظريات كلاسيكية مثل نظرية “قلب العالم”، بل باتت مرتبطة بقدرة الموقع على التكيّف مع التحولات البيئية والتكنولوجية.
–البعد الأمني: القطب الشمالي كساحة تنافس
أمنيًا، تشكّل غرينلاند عنصرًا أساسيًا في منظومة الأمن القومي الأميركي والغربي، لا سيما عبر دورها في أنظمة الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي. ومع عودة التنافس بين القوى الكبرى، وخاصة بين الولايات المتحدة وروسيا، عاد القطب الشمالي ليغدو فضاءً استراتيجيًا حساسًا، تنتقل فيه خطوط التماس من الأطراف التقليدية إلى مناطق كانت خارج الحسابات الكلاسيكية للصراع الدولي.
في هذا الإطار، لا تُفهم غرينلاند باعتبارها قاعدة متقدمة فحسب، بل كجزء من أمن العمق الاستراتيجي الأميركي، وعنصرًا وقائيًا في أي معادلة ردع مستقبلية.
الموارد وتحول نظام الطاقة
تتزايد أهمية غرينلاند أيضًا بفعل ما تختزنه من موارد طبيعية، وعلى رأسها المعادن الأرضية النادرة الضرورية للتحول العالمي نحو الطاقات المتجددة والتكنولوجيا المتقدمة. وفي ظل السعي الدولي إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، يعاد رسم خريطة القيمة الاستراتيجية للموارد، وتنتقل من مناطق الإنتاج التقليدية إلى فضاءات جديدة، من بينها القطب الشمالي.
وهنا يتقاطع تغيّر المناخ مع تحوّل نظام الطاقة ليُنتج واقعًا جيوبوليتيكيًا مختلفًا، تصبح فيه الجغرافيا المتجمدة سابقًا عنصرًا فاعلًا في صراعات النفوذ المستقبلية.
–الموقف الأميركي: من الاهتمام الاستراتيجي إلى منطق الضم
لم يكن الاهتمام الأميركي بغرينلاند طارئًا، بل يعكس إدراكًا استراتيجيًا متراكمًا لأهميتها. غير أنّ هذا الإدراك خرج إلى العلن بشكل غير مسبوق عام 2019، عندما طرحت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب فكرة شراء غرينلاند من الدنمارك. ورغم ما أثارته الخطوة من استغراب دولي، فإنها كشفت عن منطق سياسي يتعامل مع الجغرافيا بوصفها أصلًا استراتيجيًا قابلًا للتملك، في سياق تنافسي يتّسم بتصاعد منطق القوة.
وفي هذا الإطار، لم تتوقف الإشارات الأميركية عند حدود الشراء، بل تطورت لاحقًا إلى حديث صريح عن إمكانية ضمّ الجزيرة، ما يعكس تحوّلًا في مقاربة النفوذ، من إدارة التحالفات إلى فرض الأمر الواقع حين تسمح موازين القوى بذلك.
-مبدأ السيادة في اختبار القوة
تُثير هذه المقاربة إشكالية أعمق تتجاوز غرينلاند ذاتها، لتطال مبدأ السيادة بوصفه أحد ركائز النظام الدولي الحديث. فطرح فكرة شراء إقليم يتمتع بحكم ذاتي، أو التلويح بضمّه، يعكس تراجعًا في مركزية القانون الدولي، وعودةً إلى فهم تقليدي للسيادة قائم على القدرة والهيمنة، لا على الشرعية أو حق الشعوب في تقرير مصيرها.
وفي ظل نظام دولي يشهد تآكلًا في فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، تبدو السيادة مفهومًا نسبيًا يخضع لاختلال موازين القوى، أكثر مما يستند إلى قواعد قانونية جامعة.
عالم تحكمه القوة لا القواعد
يندرج هذا الجدل ضمن سياق دولي أوسع يتّسم بتراجع النظام القائم على القواعد، واضمحلال السياسة بوصفها فنًّا لإدارة المصالح عبر التفاوض والتسويات. فالعالم اليوم يميل أكثر فأكثر إلى منطق القوة الصلبة، حيث تُعاد صياغة النفوذ والخرائط استنادًا إلى الأمر الواقع، لا إلى الشرعية الدولية. وفي هذا السياق، تصبح غرينلاند مثالًا دالًا على مرحلة انتقالية يُختبر فيها توازن القوة والسيادة معًا.
- نحو قلب عالم جديد
إذا كانت نظرية “قلب العالم” قد ربطت مركز القوة بالسيطرة على اليابسة الأوراسية، فإن التحولات المناخية والطاقوية الراهنة توحي بأن هذا “القلب” لم يعد ثابتًا. فالمواقع الاستراتيجية بدأت تتحرك شمالًا، مع ذوبان الجليد، وفتح طرق جديدة، وصعود موارد كانت غير قابلة للاستثمار سابقًا.
وعليه، لا تمثل غرينلاند مجرد حالة جغرافية خاصة، بل مؤشرًا على تحوّل أعمق في بنية الجيوبوليتيك المعاصر، حيث لا تتغير الخرائط وحدها، بل تُعاد صياغة النظريات ذاتها في عالم يتقدّم فيه منطق القوة على القانون، والجغرافيا المتحركة على الثوابت القديمة.
أ.محمد ترحيني
دراسات عليا في العلوم السياسية
ماجستير في العلاقات الدولية
دبلوم في الفيزياء
متخصص في شؤون أمن الطاقة ونظم إدارة الجودة.
المصدر: بريد الموقع
