السبت   
   24 01 2026   
   4 شعبان 1447   
   بيروت 17:50

خاص | ملاحقة الإعلاميين.. جزء من الحرب على بيئة المقاومة؟

في بلد كان يتغنى بالحريات وصون حرية التعبير والسماح برفع الصوت دون قيود، حتى قال في يوم من الأيام الرئيس الراحل سليم الحص إن “في لبنان الكثير من الحرية والقليل من الديمقراطية”، في هذا البلد باتت الحريات بخطر وكذلك حرية التعبير، حيث نشاهد ملاحقات واستدعاءات لأصحاب الرأي والصحافيين والإعلاميين فقط لأنهم عبّروا عن آراء وأعطوا تحليلات سياسية في مسائل تهم الناس وتتعلق بالدفاع المشروع عن النفس بمواجهة العدو الإسرائيلي أو بأداء السلطة السياسية وعدم قيامها بدورها في حماية اللبنانيين من الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة.

وما يجري يفتح الباب على أداء السلطات الأمنية والقضائية التي لم تتحرك في الكثير من الحالات التي ظهر فيها أن هناك محاولات للتقارب مع العدو أو الدعوات لإقامة علاقات أو التطبيع معه، وصولا لتبرير البعض لعدوانية الصهاينة أمام فئات أو مناطق لبنانية.

وهنا تطرح تساؤلات بالجملة، فهل استدعاء الصحافيين إلى القضاء الجزائي أمر جائز أصلا أم أن الجهة المختصة هي محكمة المطبوعات؟ وهل تطبيق الاستدعاءات التي تحصل قانونية أو أن للأمر خلفيات سياسية وبُعدا انتقاميا وتشفيًا من مكوّن أو فئة بعينها؟ ومن كل إعلامي يرفع الصوت ضد العدوان الإسرائيلي أو من يسكت عنه أو يقدّم التبريرات له؟

أليس في السابق كان يتم التهجم على رئيس الجمهورية، سواء الرئيس الحالي أو من سبقه كالرئيس ميشال عون والرئيس إميل لحود، لماذا في وقتها لم يُرفع الصوت باتجاه من يتوجه بالكلام إلى الرئيس أو غيره من السياسيين؟ ولماذا لم يتحرك القضاء والجهات الأمنية؟ لماذا اليوم هناك هجمة شرسة ضد كل من ينتقد الرئيس أو غيره؟ هل الهدف تحويل الدولة إلى “دولة بوليسية” بمواجهة كل من يخالف رأي بعض الأشخاص والجهات؟

وماذا عن حرية التعبير المكفولة بالقوانين والدستور في لبنان؟ لماذا الكيل بمكاييل متعددة هنا؟ حيث يعتبر البعض أنه يعبر عن رأيه، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة مع العدو والدعوات للتطبيع معه والتحريض على قتل اللبنانيين من قبل العدو، بينما اليوم عندما يتم انتقاد جهة سياسية تثور ثائرة بعض الجهات السياسية والقضائية والإعلامية. هل ما يجري دفاعا عن سيادة الوطن والقانون أم عن المقصرين والخائفين من مواجهة المحتل؟ وأين دعاة السيادة من الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على لبنان منذ سنة كاملة حتى اليوم؟

حول كل ذلك، قالت نقيبة العاملين في الإعلام المرئي والمسموع في لبنان رندلى جبور “الأكيد أن الاستدعاءات غير قانونية بل تتم على خلفيات سياسية لخفض الصوت المعادي لإسرائيل والفاضح لبعض المسؤولين الخاضعين للضغط أو السائرين بالمشروع الأميركي الإسرائيلي”، واعتبرت أن “الحريات والحقوق فيها إيد وإجر، وإلا لماذا يُستدعى فقط من هم في خط معين، علما أن من هم في الخط المعادي للمقاومة يتطاولون على قياداتها وحتى على جمهورها ولا يقول له أحد يا ما أحلى الكحل بعينكن”.

وأكدت جبور في حديث خاص لموقع قناة المنار الإلكتروني أن “المطلوب كمّ الأفواه المقاومة وإسكات الأصوات التي تعادي إسرائيل وممارسة المزيد من الضغط على كل من يقف في الخط غير القابل للتطبيع، لتسهيل تنفيذ المشروع الأميركي الإسرائيلي”، ولفتت إلى أنه “على أيام الرئيسين إميل لحود وميشال عون حصل الكثير من التطاول إلى حد تنظيم حملات على شاكلة فل وغيرها، وحصلت ثورة الهيلاهو ولم يتحرك أحد”، وأوضحت أنه “هذين الرئيسين كانا على قدر كبير من الاستيعاب ولم يمارسا القمع، وثانيا بسبب الخط السياسي الذي سار عليه هذان الرئيسان، وبالتالي من يدّعون اليوم الوقوف إلى جانب موقع الرئاسة هم أنفسهم من هشموا هذا الموقع سابقا”.

ورأت جبور أن “العالم كله صار كوكبا بوليسيا، وكل من يخالف أميركا يتم التعرض له حتى في داخل الولايات المتحدة التي تتحدث عن الحريات وترفع لواءها بالشكل”، وأكدت أن من يدّعون السيادة هم الأبعد عنها، وسيادتهم هي فقط سياسة ضد المقاومة ولا تهزهم الاعتداءات الإسرائيلية بل يشجعون عليها للقضاء على جزء من الشعب اللبناني”.

من جهته، قال الباحث القانوني المحامي رامي بو ملحم إن “القانون لا يُقاس بالشكل فقط، بل بالمعيار. قد تُقدَّم الاستدعاءات ضمن أطر قانونية ظاهرية، لكن عندما يُلاحَق إعلامي بسبب رأي سياسي تحليلي، في مقابل تجاهل تصريحات وتحريضات أخطر وأوضح جرما، يصبح من المشروع بل من الواجب طرح سؤال الخلفيات”، واعتبر أن “المشكلة ليست في مبدأ الاستدعاء، بل في انتقائيته وتوقيته ومعاييره، وهذا ما يفتح باب الشك بوجود دوافع سياسية لا قانونية”.

وشدد بو ملحم في حديث خاص لموقع قناة المنار الإلكتروني على أن “الدستور اللبناني، وتحديدا المادة 13، واضح وصريح في حماية حرية الرأي والتعبير”، وأضاف: “هذه ليست منّة من أحد، بل حق دستوري”، ولفت إلى أن “الخلل اليوم ليس في النصوص بل في تضييق تفسيرها”، وأوضح أن “حرية التعبير لا تُختبر عندما يكون الرأي مريحا للسلطة، بل عندما يكون نقديا وحادا، وأي مسار يُضيّق هذا الحق يضرب جوهر الدولة الديمقراطية”.

وقال المحامي بو ملحم “نحن أمام تعارض واضح مع الدستور، ومع قانون المطبوعات الذي يميّز بين الرأي السياسي والقدح والذم، ومع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي التزم به لبنان” وأوضح ان “الرأي السياسي، مهما كان قاسيا، لا يُجرَّم ما لم يتضمن إساءة شخصية أو تحريضا مباشرا. توسيع النصوص الجزائية لتشمل التحليل السياسي هو تأويل تعسفي يخالف أصول العدالة”.

وعن تحرك السلطات الأمنية والقضائية باستنسابية واعتماد معايير مزدوجة، أكد بو ملحم أن “الوقائع تقول نعم، أو على الأقل تخلق هذا الانطباع الخطير. عندما نرى سرعة في ملاحقة رأي معيّن، مقابل صمت كامل حيال تحريض طائفي أو تبرير لاعتداءات العدو الإسرائيلي، فإننا أمام ازدواجية معايير وكيل بمكيالين في التطبيق”، وشدد على أن “العدالة لا تكون عدالة إذا لم تُطبّق بمعيار واحد على الجميع”.

وقال المحامي بو ملحم “رؤساء جمهورية سابقون تعرّضوا لانتقادات مباشرة وحادة، أحيانا أقسى مما نسمعه اليوم، ولم تُفتح في حينه ملفات أو استدعاءات مماثلة”، وتابع: “السؤال البديهي: ما الذي تغيّر؟ هل تغيّر القانون؟ أم تغيّرت طريقة تطبيقه؟ أم أصبح مضمون الرأي السياسي هو المعيار بدل طبيعته القانونية؟”.

وأضاف بو ملحم “السؤال الجوهري هو: هل تُستخدم القوانين لملاحقة من يرفض العدوان الإسرائيلي ويرفع صوته دفاعا عن السيادة والكرامة الوطنية، فيما يُغضّ النظر عن من يبرّر هذا العدوان أو يمنحه غطاء سياسيا وإعلاميا؟”، وتابع: “إذا كان هذا هو الاتجاه، فنحن أمام اختلال خطير في الأولويات القانونية يهدد السلم الأهلي ويقوّض الثقة بالدولة”.

وأكد بو ملحم “نحن مع قضاء مستقل وقوي، ومع تطبيق القانون على الجميع بلا استثناء، لكننا ضد أي مسار انتقائي يقيّد الحريات ويُفرغ الدستور من مضمونه. العدالة لا تُجزّأ، وحرية التعبير ليست امتيازا يُمنح للبعض ويُسحب من آخرين”.

يبقى الإشارة إلى أن الإعلاميين الذين تتم ملاحقتهم اليوم هم من المدافعين بصدق عن السيادة الوطنية والمقاومة بوجه الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه المتواصل على السيادة اللبنانية، ويرفضون وضع الرؤوس في الرمال للتعمية عن كل ما يجري من انتهاكات، وبالتالي تأتي كل الملاحقات في سياق الحرب المتواصلة على مقاومته وبيئتها بما تشكله من عناصر قوة للبنان.

المصدر: موقع المنار