السبت   
   24 01 2026   
   4 شعبان 1447   
   بيروت 20:32

مطامع ترامب توحّد غرينلاند والدنمارك وتؤجّل نزعة الاستقلال رغم جراح الماضي الاستعماري

دفعت مطامع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المسؤولين في غرينلاند والدنمارك إلى التقارب وتوحيد المواقف، ما أدّى إلى تنحية الغرينلانديين مؤقتًا نزعة الاستقلال وجروح الماضي الاستعماري الدنماركي.

وقال الباحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية أولريك برام غاد لوكالة فرانس برس إن «الغرينلانديين ما زال لديهم الكثير من الجروح حيال الدنمارك، التي يلومونها على عدم مراجعة ماضيها الاستعماري» لأرضهم. وأضاف أن «ضغوط ترامب جعلت الغالبية العظمى من القوى السياسية التي تشكّل حكومة غرينلاند تضع جانبًا عملها على الاستقلال، الذي كان دائمًا مشروعًا بعيد الأمد».

وترفع الأحزاب الكبرى في غرينلاند شعار الاستقلال، لكنها تختلف في ما بينها حول خريطة الطريق المؤدية إليه، غير أن الضغط الأميركي دفعها إلى تشكيل ائتلاف في آذار/مارس الماضي، فيما بقي حزب ناليراك خارج هذا الائتلاف، وهو يدعو إلى استقلال سريع.

ويرى الباحث أن الدعم الأوروبي في مواجهة طموحات ترامب سهّل قرار التريّث في مسألة الاستقلال، إذ إن العلاقة مع الدنمارك، في ظل انضمام الدول الأوروبية إلى مساندة غرينلاند، تبدو أقل ضغطًا.

وفي ذروة التوتر الذي تسببت به تصريحات ترامب، شدّد رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن على أنه إذا كان لا بد من الاختيار بين الولايات المتحدة والدنمارك، فإن حكومته ستختار الدنمارك.

ويكرّر ترامب، منذ عودته إلى السلطة العام الماضي، إعلانه رغبته في الاستحواذ على هذه الجزيرة الواقعة في الدائرة القطبية الشمالية، والمتمتعة بحكم ذاتي تحت السيادة الدنماركية، بذريعة كبح ما يراه تقدمًا روسيًا وصينيًا في المنطقة.

وأمام موقف أوروبي موحّد، تراجع ترامب عن تهديداته، وأعلن عن اتفاق مبدئي جرى بحثه مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته، من دون الكشف عن تفاصيله، فيما شدّدت الدنمارك على أن القرار في هذا الشأن يعود لها ولغرينلاند.

ومنذ شهر، بات الطرفان يتحدثان بصوت واحد في كل لقاء دبلوماسي. ففي الرابع عشر من كانون الثاني/يناير، التقت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت، برفقة وزير خارجية الدنمارك لارس لوك راسموسن، نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو. وفي التاسع عشر من الشهر نفسه، كانت موتزفيلدت في بروكسل إلى جانب وزير الدفاع الدنماركي ترولس لوند بولسن في لقاء مع الأمين العام للناتو مارك روته.

غير أن هذه الجبهة الموحدة تُخفي آثار الماضي الاستعماري الذي يربط غرينلاند، الجزيرة الشاسعة التي يبلغ عدد سكانها نحو 57 ألف نسمة، بالدنمارك. فقد أصبحت غرينلاند في بداية القرن الثامن عشر مستعمرة دنماركية، وفي عام 1953 إقليمًا دنماركيًا وجزءًا لا يتجزأ من مملكة الدنمارك، تلا ذلك عهد من سياسات الدمج القسري.

وفي عام 1979 نالت غرينلاند حكمًا ذاتيًا تعزّز عام 2009. وتقول الباحثة المتخصصة في العلاقات الدنماركية الغرينلاندية أستريد أندرسن إن «هذا تاريخ طويل مرّ بمراحل عدة، وكل علاقة استعمارية هي علاقة هيمنة وفيها ظلم».

ويُعد هذا الماضي الاستعماري مثقلًا بالأعباء، ففي عام 1951 حاولت الدنمارك إنشاء نخبة تتحدث بالدنماركية، فانتزعت 22 طفلًا من عائلاتهم ومنعتهم من التحدث بلغتهم، وفي عام 2021 حصل ستة ممن ما زالوا على قيد الحياة على تعويض قُدّر بنحو أربعين دولارًا لكل منهم.

وفي ستينيات القرن العشرين، وعلى مدى ثلاثة عقود، عملت الدنمارك على تقليص عدد الولادات في غرينلاند، حيث خضعت آلاف النساء والمراهقين لعمليات تعقيم قسري، وقدّمت السلطات الدنماركية في الآونة الأخيرة اعتذارها عن ذلك، وأصبح بإمكان الضحايا المطالبة بتعويضات.

كما يحمل الغرينلانديون على الماضي الاستعماري أن السلطات الدنماركية كانت تتولى تقييم القدرة النفسية للأمهات الغرينلانديات على حضانة أطفالهن، أو انتزاعهم منهنّ.

إلا أن هذه القضايا لم تعد في صدارة الأولويات حاليًا، وفق أندرسن، التي تقول إن «الخصم المشترك الحالي هو ترامب، وعلينا أن نواجه الأمر جنبًا إلى جنب».

المصدر: أ.ف.ب.