السبت   
   31 01 2026   
   11 شعبان 1447   
   بيروت 16:24

دراسة | تحوّلات الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية الجديدة

تُجسّد الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية (2025)، والصادرة في ولاية الرئيس ترامب الثانية، تحوّلًا بنيويًا في الفلسفة الاستراتيجية للولايات المتحدة، من مقاربة القيادة العالمية عبر الالتزامات والتحالفات غير المشروطة، إلى مقاربة واقعية صلبة تتمحور حول أولوية المصالح الأمريكية المباشرة، وتقليص كلفة القيادة، وإعادة هندسة شبكة التحالفات.

تنطلق الاستراتيجية من فرضية عالم يتسم بتعدد الجبهات وتسارع التهديدات، وتُعيد تعريف الأمن القومي الأمريكي بوصفه أمنًا يبدأ من الداخل، ويُدار خارجيًا عبر الردع، المنع، وتقاسم الأعباء، لا عبر الانخراط العسكري المفتوح أو ضمانات الحماية التلقائية.

تركّز الاستراتيجية على أربعة محاور مركزية: أولوية الدفاع عن الوطن الأمريكي، ردع الصين بوصفها التهديد البنيوي الأبرز، نقل العبء الأمني إلى الحلفاء والشركاء، واستعادة التفوق العسكري–الصناعي الأمريكي.

وفي هذا الإطار، لم تعد الولايات المتحدة ترى نفسها مزوّدًا أمنيًا عالميًا افتراضيًا، بل قوة تقود النظام الدولي من خلال التمكين الانتقائي، والردع المشروط، وحرية العمل الرئاسية. ويظهر ذلك بوضوح في اشتراط الالتزامات الأمنية بزيادة الإنفاق الدفاعي للحلفاء، وإعادة تعريف التحالفات بوصفها أدوات وظيفية تخدم الردع الأمريكي، لا التزامات قيمية أو مؤسسية طويلة الأمد.

في منطقة غرب آسيا، تعكس الاستراتيجية مقاربة تقوم على إدارة التهديد لا استئصاله؛ ما يتطلّب انخراط دائم ومفتوح وطويل الأمد، لا مجرد دعم محدود وإن كان حاسمًا، أو حرية تدخّل عند الضرورة، فقط. فهي تبقي إيران ومحور المقاومة ضمن تصور تهديدي مستدام، قائم على النيّة وقابلية التعافي، لا حالة قابلة للحسم مع إبقاء الملف النووي ضمن دائرة الخطر لا الحل، وتحويل المنطقة إلى مسرحٍ مدارٍ يخدم أولوية المنافسة مع الصين، ويساهم في تحقيق أهداف واشنطن في تقويض نفوذ الخصم الصيني. وتسهّل هذه المقاربة لواشنطن إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، وفق رؤيتها للمنطقة.

ويتمحور النهج حول تمكين الحلفاء الإقليميين، ولا سيما الكيان الصهيوني ودول الخليج، لتحمّل العبء العملياتي الأساسي، مقابل احتفاظ واشنطن بقدرتها على التدخل الحاسم والمركّز عند الضرورة. وبهذا، يتحول الردع من نموذج احتواء طويل الأمد قائم على الوجود المباشر، إلى ردع انتقائي عالي الكثافة وقصير المدى، يهدف إلى منع الخصم من تحقيق مكاسب استراتيجية، لا إلى إدارة الصراع يوميًا.

بالمقارنة مع الاستراتيجية الدفاعية (2022)، تمثل وثيقة 2025 انتقالًا من الردع التشاركي متعدد الأطراف إلى ردع قائم على القوة والمشروطية، ومن مركزية الدبلوماسية والمؤسسات إلى مركزية القرار التنفيذي والجاهزية العسكرية. ورغم استمرار الخطاب حول التهديدات نفسها، فإن وظيفة هذه التهديدات تغيّرت: من حماية النظام الدولي واستقراره، إلى إعادة ضبط الهيمنة الأمريكية، وترشيد الالتزامات، وتوجيه الموارد نحو مسرح المنافسة مع الصين.

وعليه، لا تعكس الاستراتيجية الدفاعية (2025) مجرد تعديل في الأولويات، بل إعادة صياغة لدور الولايات المتحدة في النظام الدولي، بوصفها قوة تسعى إلى فرض الهيمنة من موقع القوة ورفع كلفة المواجهات على الخصم و”الاحتواء الصلب”، لا إدارته من موقع الالتزام.

للاطلاع على كامل الدراسة، اضغط هنا.

المصدر: مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير