أعادت التسريبات المتلاحقة لملفات جيفري إبستين، بما احتوته من وثائق رسمية وشهادات ومحاضر قضائية، إحياء واحدة من أخطر القضايا التي تطال جوهر البنية السياسية والأخلاقية في الولايات المتحدة.
فالقضية لم تعد محصورة في إطار شبكة استغلال جنسي عابرة للحدود، بل أخذت أبعادًا أوسع لتغدو فضيحة دولة تكشف عن تداخل عميق وممنهج بين المال والنفوذ والأجهزة الأمنية والنخب السياسية، في ظل صمت مؤسسي طويل الأمد وتواطؤ سمح باستمرار هذه المنظومة لسنوات.
وفي قلب هذا المشهد، عاد اسم الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الواجهة، باعتباره أحد الأسماء التي وردت في الوثائق والتسريبات، ضمن دائرة العلاقات القريبة من إبستين، وضمن بيئة اجتماعية وسياسية وفّرت الغطاء لاستمرار الجرائم من دون مساءلة.
وتتضاعف خطورة هذه المعطيات حين تُقارب بالتوازي مع النهج التصعيدي الذي يعتمده ترامب في المرحلة الراهنة تجاه إيران والمنطقة، عبر التلويح المتكرر بخيارات عسكرية وفتح جبهات مواجهة واسعة.
ومن زاوية تحليلية، يبدو هذا التصعيد منفصلًا عن أي منطق أمني أو استراتيجي تقليدي، ليظهر كأداة للهروب إلى الأمام، تقوم على افتعال أزمات كبرى تعيد توجيه الاهتمام العام، وتنقل مركز الثقل من ملفات الفساد والجرائم الأخلاقية التي تلاحق ترامب، إلى خطاب “التهديد الخارجي” و“الخطر الوجودي”.
ويؤكد التاريخ السياسي أن اللجوء إلى الحروب شكّل مرارًا وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية لقادة مأزومين داخليًا، وهو ما يضع ترامب ضمن هذا السياق كنموذج معاصر لهذا السلوك.
وفي هذا الإطار، يمكن قراءة التصعيد المتزايد تجاه إيران باعتباره أداة سياسية داخلية بامتياز، تهدف إلى تعطيل مسارات المساءلة القضائية، وتأجيل الاستحقاقات القانونية، وفرض حالة اصطفاف قسري داخل مؤسسات الدولة الأميركية تحت عنوان “الأمن القومي”.
كما تبرز، في موازاة ذلك، فرضية الضغوط غير المعلنة التي تمارسها شبكات نفوذ مرتبطة بالكيان المؤقت، سواء عبر اللوبي الصهيوني أو عبر أدوات استخباراتية، في ظل ما تكشفه التسريبات عن امتلاك ملفات حساسة قابلة للتوظيف في سياق الابتزاز السياسي.
وتشير ملفات إبستين بوضوح إلى أن ما كُشف لا يقتصر على شخص ترامب، بل يفضح شبكة فساد ممتدة وعابرة للمؤسسات، تضم السياسة والمال والاستخبارات والإعلام. وهنا يبرز الدور المفصلي للإعلام في تفكيك خطاب التبرير والإنكار، وفرض سؤال جوهري في الفضاء العام حول أهلية من يدّعي قيادة “العالم الحر” فيما تحيط به شبكات استغلال وجرائم موثقة.
كما تفتح هذه الملفات الباب أمام استخدام الوثائق ذاتها كأداة مضادة للخطاب الغربي السائد حول “حقوق الإنسان” و“القيم”، من خلال كشف الازدواجية البنيوية التي تحكم هذا الخطاب، وتكريس سردية سقوط المثال الأخلاقي الغربي استنادًا إلى أدلة ووقائع، لا إلى سجالات أيديولوجية، مع التركيز على الصمت المؤسسي بوصفه شكلًا من أشكال التواطؤ.
وفي السياق ذاته، تتقاطع الفضيحة مع التآكل المتسارع لصورة الحرية الأميركية، إذ تُظهر الوقائع كيف تُستعمل الحرية كغطاء سياسي أكثر منها مبدأ فعليًا. ويمتد هذا التناقض إلى الدور الدعائي الذي لعبته هوليوود لعقود في تلميع صورة النخبة الأميركية، مقابل واقع من الانحراف الأخلاقي المحمي سياسيًا وإعلاميًا.
وعلى مستوى أوسع، يبرز الترابط بين فساد النخبة الأميركية في الداخل وسياساتها الخارجية القائمة على الحروب والفوضى، من العراق إلى سوريا واليمن وفلسطين ولبنان، مع التأكيد على أن الجهات التي تغطي الجرائم الأخلاقية داخليًا هي ذاتها التي توفر الغطاء لجرائم الحرب والإبادة في غزة. وتوضع هذه المعادلة ضمن إطار أخلاقي شامل يكشف عن نخبة لا ترى في الأطفال سوى أدوات، سواء في فضاءات الاستغلال الخاصة أو تحت القصف.
وتسلط المعطيات الواردة الضوء على دور الموساد الإسرائيلي ضمن منظومات الفساد، مع طرح تساؤلات إعلامية مدروسة حول توظيف ملفات إبستين المرتبطة بالابتزاز الجنسي كوسيلة نفوذ سياسي، إضافة إلى تحول اللوبي الصهيوني المؤثر في الولايات المتحدة وخارجها إلى مظلة حماية سياسية وإعلامية تتجاوز دوره التقليدي كجماعة ضغط.
كما تكشف الوثائق عن التناقض بين الخطاب الأميركي – الإسرائيلي العلني والتحالفات الخفية، خصوصًا عندما يتحول الفساد إلى عبء سياسي، فضلًا عن تعقيدات المشهد الداخلي الأميركي، حيث يتداخل الصراع بين القضاء والكونغرس والإعلام حول حدود المساءلة، في ظل مخاوف من تصدّع النظام نفسه.
وتنعكس هذه التعقيدات على التوازن بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، بعدما تحولت القضية إلى أزمة داخلية عميقة، مع انقسام واضح بين من يرى ضرورة حماية النظام، ومن يعتبر أن التضحية بترامب باتت خيارًا مطروحًا. وفي هذا السياق، يُطرح العزل المحتمل بوصفه إجراء “إنقاذيًّا للنظام”، أكثر منه انتصارًا أخلاقيًا.
كما تبرز الحاجة المتزايدة لدى ترامب إلى توظيف الحروب كوسيلة للهروب من المحاسبة، وربط التصعيد الخارجي بمحاولات خلق أزمات تغطي على الاستحقاقات القضائية، إلى جانب البعد الإقليمي والدولي لفضيحة إبستين، التي تُضعف قدرة الولايات المتحدة على فرض إملاءاتها السياسية والأمنية عالميًا.
ولا ينفصل هذا المشهد عن دور بعض الزعماء العرب في منظومة الصمت، وعن مساءلة نخب إقليمية راهنت على ما يسمى “الحماية الأميركية” رغم انكشاف الأسس الأخلاقية لهذه الحماية، في مقابل توصيف ما يُعرف بالدولة العميقة الأميركية كنظام يقوم على الابتزاز أكثر مما يقوم على حكم القانون.
وفي الخلاصة، تُقدَّم هذه المرحلة بوصفها نهاية سياسية وأخلاقية لمسار ترامب، وتحولًا بنيويًا في المشهد الأميركي، لا مجرد أزمة عابرة. ويجري الربط بين انهيار صورته وانهيار صورة الكيان المؤقت الذي يقدّم نفسه نموذجًا ديمقراطيًا وحيدًا في الشرق الأوسط، ضمن منظومة واحدة من العنف والفساد والجريمة.
ومن هنا، تُقرأ ملفات إبستين لا كفضيحة عابرة، بل كلحظة كاشفة تفرض إعادة صياغة السردية العالمية حول الغرب والولايات المتحدة والكيان المؤقت، انطلاقًا من الوثائق والوقائع، لا من الشعارات.
المصدر: موقع المنار
