يعكس الاستعداد لاستئناف حركة السفر عبر معبر رفح الحدودي بين قطاع غزة ومصر اليوم الإثنين مزيجًا معقدًا من الحاجات الإنسانية الضاغطة والمنظومة الأمنية الصارمة التي يفرضها الاحتلال، بما يجعل من فتح المعبر خطوة محدودة في مضمونها، رغم رمزيتها الكبيرة لسكان القطاع.
فبينما ينتظر المواطنون فرصة العبور في الاتجاهين بعد إغلاق وتدمير المعبر في اجتياح مايو/أيار 2024، تأتي إعادة التشغيل في إطار “مرحلة تجريبية” محكومة بقيود إسرائيلية دقيقة، أكثر مما تعكس تحولًا جذريًا في واقع الحصار.
إن إنشاء ممر “ريغافيم” للفحص والتدقيق، الخاضع لإدارة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية وفي منطقة تقع تحت سيطرة الجيش، يكرّس عمليًا تحويل المعبر إلى نقطة رقابة إسرائيلية غير مباشرة، رغم وجود إدارة مصرية وبعثة أوروبية على الأرض.
فآلية العمل التي تفرض فحص هويات القادمين ضمن قوائم مُصدّق عليها مسبقًا من الأجهزة الأمنية تعني أن الاحتلال يحتفظ بحق الفيتو على من يمر ومن يُمنع، ما يحوّل أي حركة سفر إلى استثناء مراقَب لا إلى حق مكفول لسكان محاصرين.
هذا النموذج التشغيلي، الذي يقدَّم بوصفه جزءًا من “تعزيز الرقابة الأمنية”، يثير مخاوف سياسية وقانونية، خصوصًا مع تحذير حركة حماس من أن أي اشتراطات أو عراقيل إسرائيلية إضافية في معبر رفح تمثل مساسًا باتفاق وقف الحرب.
هنا يتحول المعبر إلى ساحة اختبار حقيقية لجدية الالتزامات الواردة في التفاهمات السياسية، ولقدرة الوسطاء والجهات الضامنة على كبح توظيف إسرائيل لورقة الحركة عبر الحدود كأداة ضغط مستمرة على غزة.
في البعد الإنساني، تبدو الفجوة حادة بين حجم الحاجة الطبية وبين السقف المعلن للحركة عبر المعبر. فبينما يُقدَّر عدد المرضى والجرحى المحتاجين للعلاج خارج القطاع بعشرات الآلاف، لا سيما في ضوء الانهيار شبه الكامل للبنية الصحية في غزة، تضع الترتيبات الحالية سقفًا يوميًا للحركة لا يتجاوز 150 شخصًا، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الكارثة الصحية المتراكمة.
الإشراف المرتقب لمنظمة الصحة العالمية على عمليات نقل المرضى، كما أشارت تصريحات أونروا، يمنح العملية بعدًا مؤسسيًا أمميًا، لكنه لا يعالج جوهر المعضلة المتمثل في محدودية الأعداد المسموح بخروجها، وتعدد طبقات الفحص الأمني، وطبيعة الفئات التي ستحظى بالأولوية في السفر.
فبدون توسعة حقيقية في القدرة الاستيعابية اليومية، وتبسيط واضح في الإجراءات، سيبقى كثير من المرضى على قوائم الانتظار لشهور طويلة، بما يحوّل “نافذة الأمل” إلى مسار بطيء لا يوازي خطورة الحالات الطبية.
كما أن التركيز الحالي على حركة الأفراد دون وجود تصور واضح ومتزامن لإدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة إغاثة يوميًا، وفق تقديرات الاحتياج، يكشف عن اختلال في ترتيب الأولويات، حيث لا يمكن فصل حركة المرضى والمسافرين عن ضرورة تدفق الإمدادات الطبية والغذائية واللوجستية إلى داخل القطاع.
فمعبر رفح، في السياق الإنساني، ليس ممرًا للأشخاص فقط، بل شريانًا حيويًا لتمرير متطلبات الحد الأدنى من الحياة لسكان يرزحون تحت حصار طويل الأمد.
في المحصلة، تبدو إعادة فتح معبر رفح في صيغته التجريبية الحالية خطوة تحمل دلالة سياسية وإنسانية مهمة، لكنها محاطة بأسئلة عميقة حول مدى استدامتها، وحول ما إذا كانت ستتطور إلى آلية حقيقية لتخفيف الحصار، أم ستظل مجرد ترتيبات مقنّنة لحركة محدودة، تُدار بالكامل تحت عين الرقابة الإسرائيلية ومقصلة الموافقات الأمنية.
المصدر: موقع المنار
