بين الولايات المتحدة وايران تاريخ من التدخلات والانتهاكات الاميركية وصولا الى الاعتداءات المباشرة العام الماضي.. وكذلك بين البلدين جولات من التفاوض في العقدين الماضيين انتجت اتفاقيات كان عنوانها عدم الالتزام الاميركي ونقض العهود. ومنذ بداية التدخلات الى جولات التفاوض الاخيرة كان المسار الايراني ثابتا على المبادئ والمصالح والحقوق الوطنية رغم كل التهديدات واجراءات الحظر القاسية بل الاعتداءات المباشرة والاعمال الامنية، وشكلت الاجراءات الامنية والاقتصادية حجر عثرة امام المخططات الخارجية معطوفة على الوعي الشعبي والصمود..
في عام 1953، تعمقت التدخلات الاميركية في الشؤون الايرانية، حيث ساعدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في الإطاحة برئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدق، إثر قراره بتأميم النفط الإيراني.
استمر التاثير والنفوذ الاميركي في ايران حتى انتصار الثورة الاسلامية عام 1979 وهو ما شكل انعطافة تاريخية في انطفاء النفوذ الاميركي وظهور سياسة ايرانية مناهضة للهيمنة الأميركية – الغربية. منذ ذلك الحين ومع تصاعد القوة الايرانية الاقتصادية والعسكرية وتطور البرنامج النووي السلمي حاولت اميركا بشتى الطرق عرقلة التقدم الايراني وفرض “عقوبات” على ايران لاضعافها..
استمرت ايران في تطوير برنامجها النووي السلمي الذي شهد منذ بداية الالفية تسارعا في تطويره واستخدامه في انتاج الطاقة والكهرباء، كما طورت قدراتها العسكرية والصاروخية والدفاعية والمسيرات وعملت على ايجاد بدائل لتجارة النفط والمنتجات الصناعية للتخفيف من اثار الحظر الاميركي والغربي الذي استمر سنوات طويلة.
عملت ايران على تطوير علاقاتها في المنطقة وعلاقاتها الدولية وتوقيع اتفاقيات كبرى مع الصين وروسيا وغيرها كما استمرت في دعم حركات التحرر في المنطقة.
كل ذلك لم يرق للولايات المتحدة والكيان الصهيوني فكانا يعملان على الاغتيالات لقادة ايرانيين مثل اللواء قاسم سليماني وللعلماء الايرانيين اضافة الى التورط باحداث امنية وفتنوية مختلفة على فترات ومراحل، ووقفت بوجهها ايران بقوة.
كان الانسحاب الاميركي من الاتفاق النووي عام 2018 مؤشرا على القلق الاميركي من تنامي قوة ايران على رغم العقوبات، ووصل الامر الى حد تنفيذ عدوان سافر على ايران في حزيران 2025 بحجج واهية تخلله اغتيال قادة عسكريين، حيث اغتال الكيان قائد قوة الجوفضاء بالحرس الثوري اللواء أمير علي حاجي زاده، وضرب مفاعلات نووية سلمية كما ضربت واشنطن مفاعلات نووية في محاولة لاضعاف الاقتصاد والنظام الايراني.
وقفت ايران بوجه العدوان بصلابة وصمود وكان الرد على قلب الكيان الصهيوني بضربات تخطت الدفاعات الصهيونية والاميركية وكانت دقيقة وعلى اهداف حساسة، كما ردت بضرب القاعدة الاميركية الكبرى في قطر.. بعد 12 يوما توقف العدوان ولم تتوقف معه التهديدات ومحاولات اضعاف النظام في ايران حيث ثبت التورط الاميركي والصهيوني في احداث كانون الثاني 2025 التي هدفت لاسقاط النظام والتي وقفت في وجهها ايران واحبطت المخطط.
في الاسابيع الماضية تصاعدت التهديدات الاميركية بالحرب على ايران مع ارسال قطع عسكرية وحاملات طائرات الى المنطقة، وجرى تداول مطالب صهيونية بأن يكون البرنامج الصاروخي الايراني والعلاقة مع قوى المنطقة ضمن اي تفاوض واتفاق، لكن التهويل والضغط لم يجعلا ايران تتراجع عن مبادئها وثباتها.
دراسة: كيف يؤدي الإخفاق في التأثير على إيران إلى انعطافة القرارات الأميركية؟
تقدم دراسة لمركز الاتحاد للابحاث والتطوير، تحليلًا لعملية صناعة القرار المتسلسل من قبل الإدارة الأمريكية ، وكيف أدى الإخفاق في التأثير على إيران إلى انعطافة القرار الأمريكي من أهداف قصوى كتغيير النظام، إلى أهداف صغرى وهو التفاوض على الملف النووي.
فمنذ الرهان الأمريكي- الإسرائيلي على العملية الإرهابية الداخلية داخل إيران، والانتقال للتصعيد العسكري وسياسات الحصار والخنق الاقتصادي، وصولًا إلى خيار التفاوض، لم يكن المسار نتاج تماسك في الرؤية الاستراتيجية لدى الإدارة الأمريكية، إنما بفعل إخفاقات متكررة في اتخاذ القرار المتناسب ما عكس خللًا بنيوياً في عملية تشخيص المشكلة.
وقررت الإدارة الأمريكية تركيز المفاوضات على الملف النووي بناء على تصريحات ترامب ووزير خارجيته اللذين لم يتحدثا سوى عن تهديد البرنامج النووي وأن إيران تحاول بناء مفاعل جديد. وهو خيار يعكس انتهاج سياسة إصلاح جزئي في عملية صنع القرار.
نظرة على مراحل التفاوض والاتفاقيات
-منذ انتصار الثورة الاسلامية كان أي تواصل أو رسائل هو غير مباشر وكانت تتعهد واشنطن برفع العقوبات عن إيران وتحرير أموالها المحتجزة في الخارج، وتعود وتنقض تعهداتها.
-عام 2002 بدأت محادثات بين طهران والترويكا الأوروبية (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا) ومن خلفهم الولايات المتحدة عام 2002، بعدما كشفت إيران عن منشآتها النووية السلمية في نطنز وآراك. وفي عام 2003، تم التوصل إلى اتفاق، لكن الغرب لم يلتزم بضماناته ولا وعوده برفع العقوبات عن إيران أو تخفيفها.
-محادثات جنيف غير المباشرة التي بدأت عام 2013 كانت محطة اساسية حين دخلت إيران في مفاوضات مع الدول الخمسة زائد واحد، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين وألمانيا، وتم التوصل إلى خطة عمل شاملة مشتركة. فوافقت إيران على تقليص أنشطتها النووية السلمية وتقليل نسبة تخصيب اليورانيوم مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الغربية المفروضة عليها.
-عام 2015 عقدت إيران والدول الست مفاوضات ماراثونية من 26 آذار/مارس لغاية 2 نيسان/أبريل في لوزان السويسرية من أجل التوصل إلى تسوية شاملة تؤكد الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، مقابل إلغاء جميع العقوبات على إيران بشكل تام. توصلت المفاوضات إلى بيان مشترك يتضمن تفاهماً وحلولاً بما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، على أن يتم إنجازه نهاية حزيران/يونيو 2015.
لكن الاتفاق نقضته الولايات المتحدة عبر الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عام 2018، وانسحب منه بشكل أحادي.
-في نيسان 2025، شهدت العاصمة العُمانية مسقط جولة من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في إطار السعي لإحياء المسار الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني، وذلك في أول تحرّك من هذا النوع منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي خلال ولايته الأولى.
وسلّم كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقجي، ورقة المطالب والشروط الإيرانية إلى وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، ليقوم الأخير بنقلها إلى المبعوث الأميركي الخاص ستيف ويتكوف، تمهيدًا للحصول على رد واشنطن الرسمي.
عُقدت الجولة الأولى من الاجتماعات رفيعة المستوى في عُمان في 12 نيسان من عام 2025، بقيادة ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. وُصفت المناقشات بأنها بناءة. انعقدت الجولة الثانية من المحادثات بوساطة عُمانية في روما في 19 نيسان 2025 وشهدت مناقشات غير مباشرة بين ويتكوف وعراقجي. وتبع ذلك جولة ثالثة رفيعة المستوى في مسقط بعد أسبوع، واجتماع على مستوى الخبراء لتطوير إطار لاتفاق نووي محتمل، بقيادة مايكل أنطون عن الولايات المتحدة وماجد تخت روانجي عن إيران.
عدة جولات تراوحت بين التفاؤل والتشاؤم الى ان اتى العدوان الصهيوني الاميركي على ايران في حزيران 2025.
ويوم امس انعقدت مفاوضات غير مباشرة بين طهران وواشنطن في عمان وعنوانها البرنامج النووي الايراني والعقوبات وتخفيف التوترات بين الطرفين، وصفت ايران هذا اليوم من التفاوض الذي تم على عدة جولات استمرت ساعات طويلة بالايجابي، مؤكدة انه لم يتناول الا موضوع البرنامج النووي، ومشددة على ان استمرار التفاوض يجب ان لا يكون تحت التهديد والضغط، مشيرة الى انه اذا استمر هذا المسار يمكن الوصول الى اتفاق على المبادئ العامة.
المصدر: موقع المنار + مركز الاتحاد للابحاث والتطوير
