تصاعدت الضغوط المتبادلة بين القوى النووية الكبرى في العالم مع انقضاء مدة معاهدة «نيو ستارت» بين روسيا والولايات المتحدة، الخاصة بالحد من الأسلحة النووية لدى البلدين، هذا الأسبوع، وسط مخاوف متزايدة من دخول العالم مرحلة سباق تسلّح نووي جديد.
وبينما تسعى واشنطن إلى إشراك بكين في أي معاهدة مستقبلية، تطالب موسكو بانضمام باريس ولندن إلى أي مفاوضات متعددة الأطراف بشأن التسلّح النووي.
ومع تحرّر القوتين النوويتين الأكبر من القيود التي فرضتها معاهدة «نيو ستارت»، يحذّر خبراء من سباق تسلّح جديد، في وقت يسعى فيه كل طرف إلى تحقيق مكاسب استراتيجية من دون تقديم تنازلات.
ورفضت الصين فكرة الانضمام إلى المحادثات المتعلقة بإبرام معاهدة جديدة للحد من انتشار الأسلحة النووية. وقال دبلوماسي غربي إن بكين تفضّل أن تكون «غامضة بشكل متعمّد» بشأن حجم الفجوة التي تفصلها عن القوتين النوويتين الرئيسيتين.
وتملك الصين نحو 600 رأس نووي، وهو عدد أقل بكثير من نحو 1700 رأس نووي تنشرها حاليًا الولايات المتحدة وروسيا معًا، فضلًا عن كونه أقل بكثير من إجمالي عدد الرؤوس النووية الموجودة في مخزونات القوتين النوويتين الكبيرتين.
إلا أن معظم المراقبين يتفقون على أن الصين كثّفت إنتاجها من الرؤوس النووية. وبحسب تقديرات أميركية، قد يصل عددها إلى ألف رأس نووي بحلول عام 2030، وربما إلى 1500 رأس بحلول عام 2035.
ودعا الأميرال المتقاعد والقائد السابق للقيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة (ستراتكوم)، تشارلز أ. ريتشارد، في شهادة أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، إلى رفع التقديرات الخاصة بالقدرات النووية الصينية إلى مستويات أعلى «مما يفيد به مجتمع الاستخبارات».
وقال: «يتعيّن مضاعفة هذا العدد مرتين أو ثلاثًا» لتكون التقديرات أقرب إلى الواقع.
ويرى الخبير السياسي في «جامعة سنغافورة الوطنية» جا إيان تشونغ أن الغموض الصيني في هذا الملف يطرح إشكاليات كبيرة. وقال لوكالة فرانس برس إن «محدودية الشفافية والسريّة تسهم في زيادة مخاطر سوء التقدير».
وأضاف أن «بعض المحللين يعتقدون أن بكين تسعى لإخفاء قدراتها الحقيقية، وهو ما قد يحمي ترسانتها النووية ويوفّر لها ميزة نسبية عبر منع الخصوم المحتملين من تطوير إجراءات مضادة».
وأشار إلى أن الصين تصرّ على أنها تُبقي قدراتها النووية عند الحد الأدنى الذي يتطلبه أمنها القومي، لكنه لفت إلى أنه «لا توجد طريقة للتحقق من صحة هذا الادعاء بشكل مستقل».
وبعد عام على أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، التي كادت تشعل حربًا بين روسيا والولايات المتحدة، أسّس البلدان خطًا ساخنًا يتيح لزعيميهما التواصل السريع في حال وقوع طارئ مماثل، إلا أن وضع الصين مختلف.
وقال الأميرال ريتشارد أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي إن «ما تعلّمته روسيا والولايات المتحدة خلال الحرب الباردة هو كيفية إدارة أنظمة تملك قدرة تدميرية هائلة بشكل مسؤول»، مضيفًا: «أما الصين، فلا نعرف ما إذا كانت قد تعلّمت الدروس نفسها».
من جهتها، قالت الباحثة في معهد «تشاتام هاوس» للأبحاث في لندن جورجيا كول إن من بين أسباب تردّد الصين في الانضمام إلى محادثات الحد من الأسلحة النووية هو تأخرها الكبير مقارنة بالقوتين الكبريين الأخريين.
وأشارت إلى أنه بينما يرغب الرئيس الأميركي دونالد ترامب في انضمام بكين إلى طاولة المفاوضات، «فإن ذلك غير مرجّح في الوقت الحالي، إذ تؤكد الصين أنها لن تدخل في محادثات رسمية للحد من التسلّح النووي ما لم تصل إلى مستوى التكافؤ مع واشنطن وموسكو».
وردّت روسيا على إصرار الولايات المتحدة على إشراك الصين بالمطالبة بإشراك القوتين النوويتين الأوروبيتين العضوين في مجلس الأمن الدولي، بريطانيا وفرنسا.
وقال مندوب روسيا لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف غينادي غاتيلوف، الجمعة، إن استعداد بلاده للمشاركة في أي مفاوضات نووية يتوقف على مشاركة المملكة المتحدة وفرنسا، بوصفهما «حليفتين عسكريتين للولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي».
ويمتلك البلدان معًا أقل من 500 رأس نووي، إلا أن روسيا تطالب بوضعهما في «السلة نفسها» مع الولايات المتحدة، باعتبارها قوى غربية، وفق ما أوضحته إلواز فايه، الخبيرة في الشؤون الأمنية في «المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية».
وأشارت إلى أن هذا الطرح من شأنه تحويل البلدين إلى «ورقتي مساومة بيد القوتين الكبريين»، وهو أمر «لطالما رفضته فرنسا».
وفي واشنطن، شددت كبيرة المفاوضين الأميركيين السابقة في معاهدة «نيو ستارت»، روز غوتيمولر، أمام لجنة مجلس الشيوخ الأميركي، على ضرورة إشراك الصين في أي مفاوضات نووية مقبلة.
وقالت إن لديها انطباعًا مؤخرًا بأن بكين «أبدت اهتمامًا كبيرًا بمحاولة إيجاد سبل لبدء حوار مع الولايات المتحدة بشأن المخاطر النووية».
وأضافت أنه حتى في حال رفض الصين المشاركة في محادثات الحد من الأسلحة، لا بد من البحث في هذه المخاطر، موضحة أن «ترسانتهم أصغر بكثير من ترسانتنا، لكن مسائل مثل الإخطار المسبق بإطلاق الصواريخ وترتيبات الخطوط الساخنة تُعد أدوات أساسية لبدء حوار حول ضبط الأسلحة النووية، وعدم الإبقاء على هذا القدر من الغموض بشأن برامج التحديث».
وختمت بالقول: «يجب أن يكون هذا الهدف الأول والأهم: التحدث معهم لمعرفة نواياهم».
المصدر: أ.ف.ب.
