الأربعاء   
   18 02 2026   
   29 شعبان 1447   
   بيروت 20:30

المفتي قبلان في رسالة شهر رمضان: لبنان قام ويقوم بضمانة جيشه وشعبه ومقاومته ولا قيمة له بلا هذه الثلاثية الضامنة


وجه المفتي الجعفري الممتاز الشيخ أحمد قبلان رسالة شهر رمضان المبارك لهذا العام، وجاء فيها: “قال الله في محكم كتابه العزيز {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.

قدّم اللهُ شهرَ رمضان بما فيه من منزول الوحي ليكون هدىً للناس جميعاً وليس للمؤمنين فقط، ولذا قال {هُدًى لِّلنَّاسِ}، ببساطة لأن الإنسان هو القضية الأولى عند القرآن والوحي ورسالات السماء، ولا فرق في هذا بين الإسلام والمسيحية لأنه من صميم المنطق الإلهي بالخليقة، وهنا يتجاوز الخطاب السماوي الأعراق والملل والجغرافيا واللون والجنس لصالح الإنسان وما يلزم لحقيقة{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وهذا يضع العقول الإنسانية والدينية أمام حقيقة الأوبة إلى الله ضمن معادلة دنيوية تقبل الخير والشر، ولذا قدّم الله القرآن بصفته فرقاناً بين الخير والشر، والحق والباطل، والعدل والظلم، والنور والظلمة، وعين الربّ في ذلك على كل ما يلزم لسعادة الإنسان وكماله، وهذا المعنى من الضمانة الإلهية أمر مجرّد لكل الخلق بلا فرق بين أبيض وأسود وعربي وعجمي وملّة وملّة، وميزان النبي الأعظم(ص) في ذلك “كلكم لآدم وآدم من تراب” “والناس سواسية كأسنان المشط”.

أيها الأخوة،هو شهر دُعيتم فيه إلى ضيافة الله، وأعظم شروط الضيافة الضيافة المعرفية، وهذا يفترض تحرير الإرادة الداخلية من الفشل ومن النزعة الوثنية والظلم والفساد والكسل، ويُلزمنا بترويض الذات ضمن مثّلث الجسد والنفس والإرادة كأساس للنهوض بفريضة الصوم الذي يتجاوز فكرة الأكل والشرب لصالح المصالح الوجودية والعدالة الاجتماعية والخيارات السياسية الضامنة لكرامة الإنسان وما يلزم لمنع الطغيان عن الفئات المعذّبة والمحرومة والمضطهدة، وسط حضارة عالمية تعتاش على الخراب وعلى الاستقواء وعلى الفساد بكل أنواعه (السياسي والاقتصادي والمالي)، وما وثائق جيفري إبستين إلا نموذج بسيط عن أكلة لحوم البشر وتجّار الإكسسوار البشري وباقي التجارات القذرة.

والصوم هنا يفترض أن نكسر هذه الوثنية الداخلية، وأن نُطهّر الذات من الهوى والأنانية الفردية لصالح الإنسان الأمة أو الأمة العالمية التي قدّمها رسول الله محمد (ص) ضمن حقيقة الجسد الواحد الذي إن اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والطبابة، فلا شيء أخطر في هذا الشهر وفي كل الشهور من الإنسان الذي يعبد شهواته ورغباته، وما أكثر هذا الصنف في ميادين هذا العالم الذي ينزف من شدّة الخراب والقتل والنزعة العدوانية، ولذا اشترط الله على خلقه في هذا الشهر نزع أنا الطغيان والافتراس وأنا العائلة على حساب المجتمع والبلد ومصالح العالم الأخلاقية.

والقيمة الرمضانية تفترض أننا قادرون على أن نقول “لا” لأنفسنا، وهذا يمر بتأكيد فقرنا الوجودي وفق حقيقة {أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ}، فيجب على الصائم أو على الإنسان أن يتذكّر أنه كائن ضعيف، وأنه ذات محتاجة، وأنه ليس إلهاً أو نصف إله، وأنه مقهور بالموت ومأخوذ بالضعف والمرض والجوع والوجع والانهاك، ومع هذه الحقيقة تنكشف خرافة الإنسان الذي لا يُقهر، والسلطة التي تعيش على آلة الحرب والقتل والإبادة، وهذا يضعنا أمام حقيقة الإنسان والسلطة التي يجب أن تكون بمثابة خادم لشعبها وليست عصابة متعطّشة للظلم والنهب، لأن لكل إنسان أجل وكتاب، وما أصعب لحظة الموت على العصابات الفاسدة والطواقم التي تمتهن الاستبداد.

وهنا بمنطق الشراكة الإنسانية، يقول الإسلام للمسيحية نحن معاً، والنهوض بخدمة المعذّبين أساس مركزي بمطالب الله، ولا شيء أهم عند الله من القيام بخدمة الخلق سيما الفئات المظلومة المضطهدة، والعائلة الوطنية جزء من هذا المفهوم، بما في ذلك الجنوب وبيروت والجبل والبقاع والشمال، وخدمة الإنسان بما هو إنسان أكبر أهداف الله في هذا الوجود.

ومع هذا المنطق، أقول: شهر رمضان شهر إعادة بناء الإرادة وترتيب الأولويات وكشف الزيف الداخلي وتعميق الوعي الجماعي وتأكيد الفقر الوجودي، هو تجربة عميقة لإعادة الإنسان إلى إنسانيته، والدين لا ينفصل عن صميم الإنسانية.

ومع الصوم، ننتهي إلى خلاصة مفادها: لا رغبة مطلقة ولا غضب مطلق، لا قطيعة مطلقة، لا سلطة مطلقة، لا سياسة مطلقة، ولا زعامة مطلقة، وإنما قيمة الشخص تتحدّد بمقدار القيم الضامنة لمصالح الإنسان والوطن.

أيها اللبنانيون، وأما بالسياسة كقيمة مجتمعية ومواطنية في شهر الصوم، أؤكّد أن الصيغة الوطنية للدولة تفترض مصالح البلد السيادية والوطنية أولاً، وهذا يعني المواطن ومصالح الشعب اللبناني أولاً، ويلزم على هذا المنطق الوطني أن نحمي لبنان من إسرائيل، لا أن نحمي إسرائيل ممن يمنعها من اجتياح لبنان، والسلطة هنا ملزمة بتنفيذ وقف النار، ونشر الجيش اللبناني على الحافة الأمامية وكل جنوب النهر، فضلاً عن حماية كل حدود الوطن.

أما اللعب بالبورصة السياسية فإنه يضع لبنان بقلب الأزمات، وكذلك المزيد من الانبطاح أمام اللوائح الدولية ينسف قدرة لبنان على الوجود، فضلاً عن وظيفته التاريخية، ولا يمكن القبول بضياع لبنان أو تحويل سيادته إلى صكوك قابلة للبيع، والسلطة التي تفشل في الدفاع عن نفسها لا تستحق البقاء، فالدولة مطالبة بأن تكون دولة بالفعل، ونموذج تلقي الأوامر من الخارج معيب وعار علينا وعلى تاريخنا وعلى كرامتنا وعلى تضحياتنا الوطنية، وجماعة السيادة والشرعية لا شغل لهم إلا الندب والفشل والتهرّب من المسؤوليات الوطنية.

وهنا أحبّ أن أقول: لبنان للتاريخ وللآباء والأجيال الآتية، والسلطة سلطة بمقدار قيامها بوظيفتها الوطنية، وأي صيغة تنال من قدرة وقوة لبنان غير مقبولة بأيّ شكل من الأشكال، وحذارِ اللعب بنار الفتنة السياسية، أو الزجّ بفتنة اقتتال داخلي من أجل مصالح إسرائيل الإرهابية.

وحسب منطقنا وعقلنا وتراثنا وشراكتنا الوطنية، لا شيء أهم من حماية لبنان وقراره الوطني وسيادته وشروط بقائه وندّيته، ولبنان عيش مشترك وميثاقية وطنية ومصالح سيادية، ولا وجود للبنان بلا سيادة والتي هي حدود وقرار وطني وممانعة وبطولة وشجاعة تليق بتضحيات الشهداء، تليق بتاريخ لبنان، والسياسة ليست كرنفالاً، ومنذ أكثر من خمسين عاماً والجنوب يدفع أثمان وجود وسيادة لبنان، والدولة في هذا المجال للأسف سلطة فاشلة متنكّرة ومتهرّبة ولا وفاء لها على الإطلاق.

وما نريد سلطة وطنية، وتضامن شعبي، ووحدة وطنية، تليق بأصل النشأة اللبنانية وروابط العائلة الوطنية، ولبنان قام ويقوم بضمانة جيشه وشعبه ومقاومته، ولا قيمة للبنان بلا هذه الثلاثية الضامنة، وجماعة الرسوم والضرائب وكارتيلات نهب الشعب يرتكبون أسوأ الأخطاء على هذا المستوى، ونحن مع الشعب في مواجهة مشاريع القتل الاقتصادي، مع كل صرخة مظلومة ومحرومة وموجوعة، ومع كل احتجاج ضد شلل وكسل وفشل سلطة الضرائب والرسوم ومنع الحقوق، والقوى السياسية والشعبية مطالبة بحماية أولويات البلد سيما المصالح الأساسية والمعيشية للمواطن، كل ذلك وسط مرفق عام يلفظ أنفاسه وعمال وموظفين يتجرّعون الموت بسبب المعاشات دون إغاثة فعلية من السلطة القادرة على إغاثتهم ومع ذلك هي تمتنع، فالمشكلة عندها بالأولويات والدواعي، أو لأنها مشغولة بفتنة اللوائح الدولية، لدرجة أنه لم يمر على هذا البلد سلطة متنكّرة لأولويات شعبها كهذه السلطة، بل لم يمر على تاريخ العالم سلطة تتنكّر لجبهاتها الوطنية وما يلزم عليها من إغاثة وإعمار وحماية سيادية وأخلاقية ومصالح، ومن دون أن يرفّ لها جفن، والغريب أن القوى السياسية بعد الحرب انتهت أو كادت وكأن لبنان بلا قوى أو قدرات تمثيلية أو ديمقراطية.

اللحظة لإطلاق صرخة وطنية مدوّية بحجم قدرة لبنان الديمقراطية، وبحجم المخاطر التي تحيط به، ولا سيادة حقيقية بلا قدرات أمنية واقتصادية وعدالة اجتماعية، وإذا لم يكن القرار النهائي داخلياً فلا سيادة ولا بلد ولا وجود لدولة، وهذا يفترض أن أمن المعلومات والبيانات والاقتصاد والأسواق وودائع الناس من الأمن القومي الأساسي للبنان، والتسيّب السياسي أخطر عدو للبنان، والانتخابات على الأبواب، ولا بدّ من التغيير وإلا تمزّق البلد، ومصير الانتخابات النيابية من مصير لبنان، وضرب الموعد الانتخابي ضرب لصميم الدولة ومشروع تمثيلها.

اللحظة للنهوض بهذا الوطن، ولا مصلحة أكبر من مصلحة لبنان وحماية لبنان.

أعاده الله عليكم بالخير بالأمن والأمان، عشتم وعاش لبنان”.

المصدر: الوكالة الوطنية للإعلام