الأحد   
   22 02 2026   
   4 رمضان 1447   
   بيروت 14:34

عشية ذكرى التشييع المهيب للسيدين الشهيدين.. أشرف الناس هُم من رسموا المشهد التاريخي

عامٌ على الوداع المهيب. عامٌ على طوفان بشري شارك في مراسم تشييع الأمين العام لحزب الله سيد شهداء الأمة السيد حسن نصر الله، إلى جانب الأمين العام السيد هاشم صفي الدين، في المدينة الرياضية في العاصمة اللبنانية بيروت.

يومها، ارتفعت الأيدي متحدية تهديدات الأعداء من صهاينة وأمريكيين، ارتفعت من كل الأعمار لتخاطب السماء وتؤكد العهد والوفاء للسيدين الشهيدين، غير آبهة بطائرات العدو الحربية التي عبرت فوق رؤوس المشيعين، فما كان من هؤلاء إلا أن رفعوا أصواتهم: لبيك يا نصرالله، لبيك يا مقاومة.

الحشد غير المسبوق في تشييع الأمينين العامين إضافة إلى المستوى العالي من التنظيم والتحضيرات والترتيبات التي أحاطت بالمناسبة قبلها بأسابيع في تعاون بين حزب الله وكافة أجهزة الدولة اللبنانية، رسّخ القناعة لدى الأصدقاء والأعداء، بأنّ شعبية المقاومة لم تتراجع، بل إنّ الحرب الإسرائيلية في أيلول 2024 واغتيال القادة والضربات المؤلمة التي وجهها العدو لهذه المقاومة وبيئتها، لم تضعفها أو تؤثر على حضورها الشعبي، بل أدت إلى تعزيز شعبيتها واكتسابها المزيد من التأييد والمصداقية.

 كما أن الحملة الإسرائيلية الأميركية، التي واكبتها بعض القوى الداخلية والخارجية لأجل محاولة النيل من المقاومة وإضعافها ونزع سلاحها لم تثمر وجاءت نتائجها مخيّبة لآمال هذه الأطراف، التي فوجئت بالحضور الرسمي والسياسي والحزبي والثقافي والإعلامي من كافة الانتماءات، وكذلك الحضور الضخم لمحبي السيد الشهيد من دول عربية وأجنبية مختلفة.

لقد لخص العديد من المراقبين دلالات المشهد وقتها بالقول إنه “شكّل رسالة قوية بأن الحزب لا يزال يتمتع بدعم شعبي كبير، نافياً فرضية تراجع قوته أو انكسار بنيته الداخلية نتيجة الحرب والاغتيالات”، كما شكّل ايضاً “رسالة صمود وتحدٍّ للاحتلال، إذ واجه المشيعون تحليق طيران الاحتلال الإسرائيلي بهتافات التحدي، ما عكس إصراراً على مواصلة المقاومة وعدم الخضوع للضغوط والتهديدات الصهيونية”.

إضافة إلى ذلك، فقد عكس نوع الحضور وضخامته “مكانة سيد شهداء الأمة العاطفية العميقة لدى أنصاره”، مع الإشارة إلى تحول مرقده عقب انتهاء مراسم التشييع حتى يومنا هذا إلى مزار، مما عزز رمزيته كقائد تاريخي للحق في مواجهة الباطل.

الشيخ قاسم: موتوا بغيظكم، المقاومة باقية وقوية ومستمرة

وفي كلمته خلال المراسم في المدينة الرياضية، أكد الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم أن “حزب الله وافق على طلب العدو وقف إطلاق النار من منطلقات استراتيجية”، مضيفًا “التزمنا بالاتفاق، لكن إسرائيل لم تلتزم، وهنا تبدأ مسؤولية الدولة اللبنانية بعد انتهاء مهلة الاتفاق لانسحاب العدو”.

وأكد الشيخ قاسم أن “المقاومة مستمرة، قوية بحضورها وجهوزيتها، وهي حق لن يستطيع أحد سلبه، مشددًا على أن إسرائيل يجب أن تنسحب من جميع المناطق التي لا تزال تحتلها، موضحًا أن المقاومة تُكتب بالدماء ولا تحتاج إلى الحبر على الورق، ووجه رسالة إلى العدو: “موتوا بغيظكم، المقاومة باقية وقوية ومستمرة”.

حضور رسمي من مختلف أنحاء العالم

وحضرت العديد من الشخصيات السياسية والدبلوماسية من مختلف أنحاء العالم في هذا الحدث. فقد حضر رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري اصاله عن نفسه وممثلا لرئيس الجمهورية جوزاف عون، كما مثل رئيس الحكومة نواف سلام وزير العمل محمد حيدر، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والدينية وفعاليات، وممثلين عن الأحزاب اللبنانية والعربية والأجنبية.

إضافة إلى الحضور الرسمي اللبناني، كان هناك حضور إيراني رفيع المستوى ضم رئيس مجلس الشورى الإسلامي الإيراني محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، وعدد من كبار المسؤولين الإيرانيين السياسيين والعسكريين.

وخلال المراسم، أكد الإمام الخامنئي في بيان تلاه السيد مجتبى الحسيني، أن “المجاهد الكبير، وزعيم المقاومة الرائد في المنطقة، سماحة السيد حسن نصر الله (أعلى الله مَقامَه)، قد بلغ الآن ذروة العِزّة. جثمانه الطاهر يُوارى في الثرى في أرض الجهاد في سبيل الله، ولكنّ روحه ونهجه سيتجلّى شموخهما أكثر فأكثر يومًا بعد يوم، إن شاء الله، ويُنيران درب السالكين”.

وقد وفد مكون من أربعة أشخاص هم: حجج الإسلام والمسلمين الشيخ محمد حسن أختري، السيد مجتبى الحسيني، الشيخ محسن القمي، والسيد رضا تقوي، إلى العاصمة اللبنانية بيروت لتمثيل قائد الإمام الخامنئي في مراسم تشييع القائد الشهيد السيد حسن نصر الله والشهيد السيد هاشم صفي الدين.

كما كان حضور الوفود العراقية واليمنية لافتًا ومؤثرًا، حيث شارك ممثلون عن الحكومة العراقية وفصائل المقاومة، ليؤكدوا على التضامن الكامل مع لبنان وشعبه ومقاومته. كما كان للحضور اليمني طابعه الخاص.

وشكل الحضور الفلسطيني جزءًا أساسيًا، فقد شارك ممثلون عن فصائل المقاومة الفلسطينية، معبرين عن وفائهم للسيد نصرالله. وكانت هذه المشاركة بمثابة تجديد للعهد بين المقاومة في فلسطين ولبنان على الاستمرار في كفاحهما ضد الاحتلال الإسرائيلي.

محبو السيد

وحضر المراسم وفود من ثوار الأرض من مختلف بقاع العالم، بدءًا من إندونيسيا وصولًا إلى فنزويلا، حيث توافد محبو السيد نصر الله والمناصرون للقضية الفلسطينية، بالإضافة إلى المناضلين الذين يحملون لواء المقاومة ضد الهيمنة الأمريكية.

جاء هؤلاء ليعبروا عن دعمهم الثابت لمبادئ الحرية والعدالة التي طالما نادى بها القائد الشهيد، وليؤكدوا وحدة الصف المقاوم في مواجهة الظلم والاستعمار في كل مكان.

بعد اكتمال مراسم التشييع في المدينة الرياضية، تم نقل جثماني الشهيدين إلى ضاحية بيروت الجنوبية، حيث وُري جثمان السيد حسن نصر الله في مرقده الخاص الذي سيظل رمزًا للصمود والتحدي في مواجهة الطغاة. أما جثمان السيد هاشم صفي الدين فتم نقله إلى مسقط رأسه في دير قانون النهر في جنوب لبنان، حيث دفن في اليوم التالي لدفن شهيد الأمة بحضور رسمي وجماهيري.

وشقّت الشاحنة التي حملت جثماني الشهيدين طريقها بصعوبة وسط الحشود الجماهيرية الحاشدة، التي توافدت من كل حدب وصوب، لتودع قادتها. حيث كانت الشاحنة تمر ببطء، وسط مشهد مؤثر حيث تتابع الأيدي المرفوعة من بين الحشود، والعيون التي تفيض بالدموع.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، بدأت شوارع بيروت تشهد زحفًا هائلًا من الوفود التي توافدت من جميع أنحاء لبنان، محملةً بأحاسيس الوفاء والعرفان، لتسجل يومًا آخر من أيام التضحية والإباء.

مدينة كميل شمعون الرياضية امتلأت بعشرات الآلاف من محبي الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، الذين جاءوا للمشاركة في تشييع رمزين من رموز المقاومة، الشهيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين، اللذين استشهدا بغارات إسرائيلية غادرة خلال العدوان على لبنان.

في قلب هذه اللحظات الحزينة، التي طغى عليها الألم والمشاعر الجياشة، حمل المشاركون رايات حزب الله والأعلام اللبنانية، مرفوعة بفخر، مع صور الشهيدين اللذين طبعوا تاريخ المقاومة.

التشييع، الذي يعد الأكبر والأضخم في تاريخ لبنان، سيظل محفورًا في ذاكرة الأجيال القادمة كعلامة فارقة في مسيرة العز والوفاء. كل خطوة على الطريق، وكل لحظة من المراسم، تجسد عهدًا جديدًا لا ينتهي بالاستشهاد، بل يبقى دائمًا حيًّا في القلوب والعقول.

كانت الرسالة يومها واضحة، بأن المقاومة في لبنان وفلسطين مستمرة، وأن التضحيات التي قدمها السيد نصر الله والسيد هاشم صفي الدين ستكون دافعًا للأجيال القادمة. وأن شعلة المقاومة التي أضاءها هذان القائدان وغيرهما من القادة الشهداء ستظل مشتعلة حتى النصر.

استهداف التشييع

وفي دلالة واضحة على مدى تأثير مشهد تشييع سيد شهداء الأمة على العدو، وعلى تأثير سماحته في نفوس اعدائه وهو الذي قاد الانتصارات وأذلّهم، حتى بعد استشهاده، قال المراسل السياسي للقناة 14 الإسرائيلية تامير موراغ إن المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس، التي كانت تزور الكيان الصهيوني قبيل تشييع شهيد الأمة، اقترحت على مسؤولين إسرائيليين قصف مراسم التشييع في المدينة الرياضية في بيروت، بذريعة استهداف قياديين في حزب الله.

وأوضح موراغ أن “الجانب الإسرائيلي لم يأخذ بنصيحتها، وقرّر في نهاية المطاف عدم مهاجمة التشييع، رغم تحليق الطائرات الحربية الإسرائيلية فوق العاصمة اللبنانية خلال مراسم الوداع المليونية”.​​

كما أفادت القناة نفسها أن جيش العدو، “فكّر في قصف جنازة الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، التي أقيمت في العاصمة اللبنانية بيروت”. وقالت القناة 14 إن “رئيس الأركان الإسرائيلي، المنتهية ولايته هرتسي هاليفي لمح إلى أن الجيش كان يفكر في قصف جنازة حسن نصر الله.”

وأضافت أن هاليفي “قال أمام طلاب فرقة المشاة الأولى ومدنيين: “كنت في السيارة لمدة 10 إلى 15 دقيقة، للتشاور. هل تريدون أن تخمنوا عما كنت أتشاور؟ حول جنازة نصر الله.. كنا مترددون”.

المصدر: موقع المنار