الأحد   
   22 02 2026   
   4 رمضان 1447   
   بيروت 15:10

خاص | الوصايا الخالدة

بعد الحرب الأخيرة التي خاضتها المقاومة في أيلول/سبتمبر عام 2024، طُرح السؤال التالي ممن يعرف هذه المقاومة ولا يعرفها، من الصديق والعدو: كيف بعد كل الضربات الأمنية والعسكرية لقادتها وترسانتها الصاروخية وعديدها البشري، لم ينهار ذلك البنيان الذي أُسس عام 1982 على يد قلة ممن آمنوا برب ينصر من يشاء بغير حساب، قلة نُعتوا بغير الواقعيين للوقوف بوجه أقوى الجيوش في الشرق الأوسط؟ وكيف استطاع جناحها العسكري والتنظيمي تلقي الصدمة والتكيف بما يتيح خوض معارك برية وإعلامية وسياسية كبرى في أقسى الظروف وأكثرها صعوبة؟

هنا لا بد من استعادة ما بُنيت عليه هذه المقاومة، عقيدتها القتالية والتنظيمية التي نُقلت من جيل إلى جيل على مدار أكثر من أربعين عاماً، وليس مبالغة القول إن هذه العقيدة قد تجلّت في عبارات أطلقها القادة المؤسسون وسمت تاريخ هذه المقاومة ومسارها وروحية كل قادتها الجهاديين الذين ارتقى عدد كبير منهم شهداء في الحرب الأخيرة، وانعسكت بشكل جلي على حاضرها بتحدياته الكبرى التي تمسّ وجودها واستمراريتها، إن كان لجهة كيفية إعادة ترميم ما ضربه العدو في الحرب الأخيرة على مستويات عدة بما يؤهلها خوض جولة أو جولات دفاعية أخرى تُبنى على أساسها معادلات ردع جديدة وخطوط جديدة لهذا الصراع المستمر، أو لجهة مواجهة مخططات كبرى لتغيير معالم المنطقة من بوابة فرض اتفاقيات التطبيع للعدو وفرض ثقافة الاستسلام وسردية تقول “المقاومة لا تجلب سوى الحروب وعدم الاستقرار الاقتصادي، لذلك لم تعد ذا جدوى”.

فما هي هذا العبارات؟ هي ليست مجرد كلمات مصفوفة حقيقةً، بل أعمق، ولهذا بنت عقيدة مقاومة هزمت احتلالاً دون قيد أو شرط.

الوصية الأساس حفظ المقاومة الإسلامية

في حديث لموقع المنار، قال نجل سيد شهداء المقاومة الإسلامية الشهيد السيد عباس الموسوي، ياسر الموسوي، إنه “نحن أحوج ما نكون في هذه المرحلة إلى المقاومة وحاضنتها الشعبية، لأن المقاومة من دون حاضنة شعبية هي مقاومة ضعيفة. لذلك، السيد عباس حين أوصى الناس، إنما أوصاهم بحفظ هذه المقاومة، حفظها من أجل استمراريتنا نحن، من أجل بقائنا نحن، وليس من أجل هذه المقاومة، لأن هذه المقاومة هي جزء أساسي من هؤلاء الناس، خرجت من رحم هؤلاء الناس”.

وانطلاقاً من ذلك، لفت الموسوي إلى أن “حزب الله منذ أن تأسس قام على رؤية واضحة ومتينة، قائمة على عدم تقديم التنازلات، لأننا نعرف أعداء هذه الأمة، فعندما نقدّم تنازلاً بسيطاً قد لا يعني شيئاً بالنسبة للبعض، نجد أنفسنا مجبرين في المستقبل على تقديم المزيد من التنازلات. ومن هنا تكمن أهمية هذه المقاومة في أنها لا تقدم تنازلات”.
وانطلاقاً من ذلك، استرجع الموسوي كلمات والده الشهيد القائد “الوصية الأساس: حفظ المقاومة الإسلامية”، قائلاً إن “هذه الكلمات المشرقة والمنيرة في تاريخ المقاومة الإسلامية، أطلقها السيد لأنه كان يعرف أن هذه المقاومة إذا تخلّينا عنها لا سمح الله فسيسقط الجميع، لأنها المتراس الأساسي والدرع الأساسي لهذا الوطن”.

في هذا السياق، أوضح الموسوي كيف أن هذه العبارة هي وصية، لأنها تصلح لكل زمان “فنحن نعرف جيداً أن فلسطين احتلها العدو الإسرائيلي، وأن الإسرائيلي اليوم يفكر في احتلال المنطقة ويريد أن يحقق الحلم الإسرائيلي من خلال التوسع من النيل إلى الفرات. هذا الحلم التلمودي التوراتي الذي يحلم به كل صهيوني في المنطقة”، مضيفاً “كل هذه الدول القائمة في المنطقة، سيصبح لا وجود لها، أي تنتهي مع قيام هذا الكيان”.

هذه المعادلة أدركها كل قادة المقاومة، وقد لهجت بها ألسنهم طوال هذه السنوات ولو بصيغ مختلفة قولاً وفعلاً وفي كل استحقاق كان يواجههم، ومن أكثرها تأثيراً وانعكاساً لوصية السيد عباس تلك التي أطلقها سيد شهداء الأمة السيد حسن نصرالله “هذا الطريق سنكملُه، لو قُتلنا جميعًا، لو استُشهدنا جميعًا، لو دُمّرت بيوتنا على رؤوسنا، لن نتخلّى عن خيار المقاومة الإسلاميّة”.

وانطلاقاً من ذلك أكد السيد ياسر أنه “صحيح أن السيد عباس والسيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، وهم الأمناء العامون الذين ارتقوا شهداء، تركوا أثراً كبيراً برحيلهم، لكن هذا لا يعني أبداً أن هذه المقاومة تسقط. بل إن القادة الشهداء عملوا في حياتهم على قاعدة أساسية، وهي أنه مهما حصل يجب أن تبقى هذه المقاومة قوية”، مشيراً إلى أنه “لقد تحقق لدينا اليقين بأن كلما زادت التضحيات ازددنا قوةً وعطاءً، وأصبحنا أكثر تمسكاً بهذا المشروع، لأنه المشروع الوحيد الذي يحمي الشرفاء في المنطقة”.

وكأنها تتكرر الآن ايضاً بلسان الأمين العام سماحة الشيخ نعيم قاسم عندما قال منذ أشهر وهو يواجه العدو في واحدة من أصعب مراحل هذه المسيرة “التهويل ‏‏والضغط لن يغيّرا موقفنا‎.‎ سندافع عن أرضنا، سندافع عن أهلنا، سندافع عن كرامتنا ‏وعزتنا‎. وسجّلوا لديكم أن‎‏ قوة مقاومتنا بإرادتنا وإيماننا، ودماء شهدائنا زادتنا قوة وعزة”.

وكأنه يقول مجدداً إن وصيته وقضيته حفظ هذه المقاومة، وأن قوة هذه المقاومة لا تقتصر على البعد المادي قطعاً أي معايير القوة العسكرية والتكنولوجية على أهميتها، ولكن تتعداها لما هو أعمق وأبعد وهو الايمان والثبات والمثابرة، وهو ما أعلنه القائد الجهادي الكبير الحاج عماد مغنية بأن ما يقاتل فيه وفي كل قائد ومجاهد هي الروح.

“الموقف سلاح والمصافحة اعتراف”

من على منبره المتواضع جنوباً في أول صلاة جمعة عام 1982، وقف شيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب بكل إباء معلناً نهج المقاومة بأن “الموقف سلاح والمصافحة اعتراف”، وأن التخلي عن هذا الموقف هو الاستسلام والاقرار بالاحتلال ومنحه شرعية يتوق إليها تمكنه من التوسع والطغيان أكثر فأكثر.

في زمنٍ ساد فيه الضعف، “تحوّل هذا الموقف إلى عنوان لكل المراحل، وأكد أن الموقف بحد ذاته سلاح، وأن المصافحة اعتراف، أي رفض التطبيع والهرولة نحو العدو”، قال الحاج عماد عواضة أحد المقربين من الشيخ الشهيد في حديث لموقع المنار.

وفي هذا السياق، أوضح عواضة أن الشيخ راغب “كان يعتبر أن أي ضمانات تُقدّم للعدو هي تنازل، وقال بوضوح: نحن لن نقدم لأحد ضمانات على حساب كرامتنا وديننا. يجب أن تخرجوا، وكلما بقيتم في أرضنا أكثر، قيّض الله لنا أن نخرجكم مذمومين مدحورين. أطلق هذا الموقف في زمن الاحتلال من دون خوف، بل أسّس لفكرة المقاومة، وكان المطلوب يومها صناعة الفكر وتأسيس مناعة في وجدان الجنوبيين ضد الاحتلال”.

في عام 1983 اعتُقل الشيخ راغب حرب، فانطلق اعتصام شعبي واسع تحت شعار “لا أصافحكم ولا أستضيفكم”. دام الاعتصام سبعة عشر يوماً، وكُسر جدار الخوف، وتحوّل إلى ثورة شعبية شارك فيها أبناء الجنوب والبقاع، وواكبتها الصحافة المحلية رغم الضغوط. وعاد الشيخ محمولاً على الأكتاف في مشهد شعبي كبير، روى الحاج عواضة، مشيراً إلى أنه “خلال التحقيق، قال له المحققون إن خطبه تدفع الشباب إلى المقاومة، فقال: هذا تكليفهم. وحين سألوه عن الحل، قال: ارحلوا عن أرضنا، هذا هو الحل الوحيد. ورفض مغادرة الجنوب قائلاً: هذه أرضي، وأنا أبقى في أرضي”.

شيخ الشهداء أكد مراراً رفض أي علاقة مع العدو الصهيوني حاضراً أو مستقبلاً، معتبراً أن “قرار المقاومة يجب أن يستمر، ولو استشهد منا مئة ألف وبقينا أعزاء خير لنا من أن نخضع لأوامر العدو”، كما قال “إذا أرادوا أن يجعلوا الاعتقال وسيلة لإسكاتنا فعليهم أن يفتتحوا آلاف المعتقلات”.

كان الشيخ راغب يرد كل قطرة دم إلى فعل الاحتلال، منتقداً كذلك الارتهان للأمم المتحدة ولجان حقوق الإنسان، معلناً أن الإرهاب الحقيقي هو سلب الثروات وقتل الشعوب الآمنة.

هذا بعضٌ مما رسم أطر العمل المقاوم طوال أربعين عاماً. هذا البعض الذي تشربه قادتنا وحفظوه قولاً وفعلاً حتى الشهادة، إذ إن الأخيرة هي الأثر العظيم الذي يخلّد الوصايا، ويجعل من انتفائها أمراً عصياً ولو على أقوى الجيوش. لأنه الحق ولو قلّ سالكوه ولو ازدادت الدروب إليه وحشة وبذلاً لا بدّ منتصر.

المصدر: موقع المنار