ادى نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب الصلاة اليوم في مسجد الامام الصادق في منطقة شاتيلا، والقى خطبة الجمعة ، توجه في مستهلها الى المصلين:”تقبل الله اعمالكم في هذا الشهر المبارك، شهر رمضان شهر الخير شهر الرحمة الإلهية، شهر أخذ الله على نفسه ان يغفر فيه للمذنبين ويتوب فيه على العاصين وعلى المقصّرين في اداء واجباتهم مع الله تعالى ومع انفسهم واسرهم وارحامهم وجيرانهم، والمتخلفين عن القيام بمسؤولياتهم الاخلاقية والاجتماعية والوطنية، فلم يبادرهم بالعقوبة ولم يغلق في وجوههم فرصة ان يتداركوا ما فاتهم، بالاعتراف بما وقعوا فيه من التخلف عن اداء واجباتهم والتقصير في تحمل مسؤولياتهم التي يفرضها عليهم ايمانهم ودينهم واخلاقهم ، ثم بالتوبة الى الله تعالى واللجوء اليه وطلب الغفران وعدم الاصرار على المعصية واتباع ذلك بالعمل.
فقد خطب رسول الله (ص) المسلمين مستهلا شهر رمضان، ومما جاء فيها قوله : ” إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله تعالى ذكره، أقسم بعزته أن لا يعذّب المصلين والساجدين وان لا يروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين”.
“أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر، كان له بذلك عند الله عز وجل عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. فقيل له: يا رسول الله ليس كلنا يقدر على ذلك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء”.
أضاف :”فلنتذكر في هذه الايام ايها الاخوة ما نحن فيه من الحصار والنزوح وتعطل الاعمال بسبب العدوان المستمر والقتل والاغتيالات، وما يخلفه من ايتام وارامل وحاجات لمن فقدوا بيوتهم وارزاقهم وديارهم، الأمر الذي يستدعي منا التضامن معهم والوقوف على حاجاتهم، كل على قدر استطاعته ولو بشق تمرة، او شربة ماء، فإن هؤلاء الشرفاء انما اصابهم ما اصابهم بسبب العدوان ومن اجل كرامة امتهم وشعبهم، لكي يبقى عزيزا وآمنا، فلا نغفل عنهم بل ولنتأسى في هذا الشهر الشريف بآل بيت رسول الله الذين نزلت فيهم سورة الانسان، علي وفاطمة (س) وكانوا صياما، لنذر نذروه طلبا لشفاء الحسن والحسين (ع) فأتاهم في الليلة الاولى وقد حان وقت الإفطار، مسكين فآثروه على انفسهم وتكرر الامر مع اليتيم والاسير فنزل فيهم قوله تعالى:
“يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا (7) وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا (10) فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا (11) وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا .
وقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة}
وذلك ان الأنصار كانوا يقدمون المهاجرين على أنفسهم في المأوى والرزق، رغم حاجتهم الشديدة وفقرهم فهذا الإيثار يمثل أرقى درجات المدح، حيث يتجاوز مجرد عدم الطمع فيما في أيدي المهاجرين، إلى التضحية بما يملكونه أنفسهم”.
وتابع :”هذا في البذل والعطاء، وكذلك ما ورد في بقية الخطبه وهو قوله ص:”أيها الناس من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه، ومن كفّ فيه شره كفّ عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه. ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار. ومن أدى فيه فرضا كان له ثواب من أدى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور. ومن أكثر فيه من الصلاة عليّ ثقل الله ميزانه يوم تخف الموازين. ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور”.
ويتبع ذلك بقوله: [ أيها الناس، إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتوحه فاسألوا ربكم ألا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقه فاسألوا ربكم ألا يفتحها عليكم، وأيدي الشياطين مغلولة فاسألوا ربكم ألا يسلطها عليكم ]
قال أمير المؤمنين عليه السلام فقمت فقلت: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟. فقال: يا أبا الحسن، أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل. جعلنا الله واياكم ممن يستمعون القول فيتبعون احسنه”.
وتطرق العلامة الخطيب الى الوضع السياسي، “حيث التطورات تتسارع في منطقتنا نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، فالغارات التي شنتها إسرائيل على الأراضي اللبنانية، التي تعرضت لها تكرارا منطقة البقاع في الأمس وقبل الأمس، ليست أحداثاً معزولة، بل نمط عدواني اسرائيلي مستمر من انتهاك السيادة اللبنانية”.
وسأل :” فأي احترام للقانون الدولي يبقى عندما تصبح سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة عرضة للاختراق اليومي؟ بل ان استمرار الاحتلال الاسرائيلي للمناطق الحدودية ولمزارع شبعا وتلال كفرشوبا يبقي النزاع مفتوحا ويقوّض أي حديث عن التزام كامل بوقف إطلاق النار”، معلنا ” “إن الدفاع عن لبنان ليس موقفا عاطفياً، بل موقف قانوني وأخلاقي”.
وقال :”لبنان دولة ذات سيادة، وأمنه لا يمكن أن يُختزل في معادلات الردع الإسرائيلية أو الحسابات الإقليمية. وإن تصوير دعم الجمهورية الاسلامية لقوى مقاومة في المنطقة باعتباره عدوانا، يتجاهل حقيقة أساسية هي أن هذا الدعم نشأ في سياق احتلال واعتداءات مستمرة. فالمقاومة في لبنان لم تولد في فراغ، بل وُلدت من غياب الدولة وغياب العدالة ومن عجز المجتمع الدولي عن ردع الاعتداءات الاسرائيلية المتمادية على لبنان منذ عشرات السنين والى اليوم. إن المطلوب اليوم مقاربة جديدة تقوم على ثلاث ركائز :
أولا: الاعتراف بحق الدول في الأمن دون تهديد أو حصار وعقوبات وحروب.
ثانيًا: الالتزام الفعلي بقرارات الشرعية الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، دون انتقائية.
ثالثا: إن إيران الحريصة على امتن العلاقات مع الدول العربية عموما ومع دول الخليج العربي خصوصا، لا نرى انها تسعى إلى هيمنة، بل إلى تعاون مثمر وشراكة مستقرة على كل المستويات”.
واأكمل الخطيب :”إن لبنان، وهو يرزح تحت أزماته الداخلية المتنوعة، لا يحتمل أن يُترك وحيداً في مواجهة الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة يوميا من دون اي رادع، فـ”حديث الضمانات” منذ اعلان اتفاق وقف اطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024 ذهب هباء منثورا قبل ان يجف الحبر الذي كتب به هذا الاتفاق، بل ان هذه الضمانات اعطيت للمعتدي وليس للمعتدى عليه، اعطيت للقاتل وليس للمقتول. ان شبابنا ورجالنا ونساءنا واطفالنا يقتلون يوميا بسلاح الضمانات الاميركي الذي أعطي للعدو الصهيوني ، ليس من الامس وانما منذ نشوء هذا الكيان الشرير والمجرم الذي اغتصب الارض وشرد شعبها ولا يزال”.
ولفت العلامة الخطيب الى ان “ان السفير الاميركي هاكابي في اسرائيل، كشف في الآونة الاخيرة مكنونات العقل الصهيوني الاميركيي ـ الاسرائيلي الباطن والظاهر في السعي الى اقامة اسرائيل الكبرى التوراتية المدعاة. وهذا ما كشف خطورة المخطط الأميركي – الاسرائيلي الهادف الى السيطرة على منطقتنا العربية والاسلامية. وان هذا الامر يستدعي انتفاضة عربية واسلامية عارمة اليوم قبل الغد لاحباط هذا المخطط الجهنمي الهادف الى تدمير المنطقة بكاملها”.
وأسف” كيف ان بعض الردود العربية والاسلامية جاءت قاصرة بل حاول بعضها تفسير كلام السفير الاميركي بما هو اسوأ وانه يقصد به الضفة الغربية وقطاع غزة فقط وكأنه يريد التخفيف من وقع كلامه السيء وكأن من حق الاحتلال ضم هذه المناطق، اضافة الى ان كلام السفير كان صريحا في التعبير عن بيان حدود اسرائيل الكبرى التي اعلن مجرم الحرب نتنياهو خريطتها الزرقاء عبر الشاشات. وقد قال هاكابي ان لإسرائيل الحق ان تستعيد”أرضها التاريخية”، كما ادعى”.
وتابع :”إن الصلف الأميركي الذي بلغ مداه مع هذه الإدارة الأميركية التي تسعى جاهدة إلى استعباد الناس في كل أنحاء العالم ، وهي قدمت خلال عامها الأول نماذج واضحة ومهينة لإخضاع الدول لإرادتها من أجل تحقيق مصالحها وسلب خيراتها وسد عجزها المالي الذي قارب الأربعين ألف مليار دولار.
وقد سمعنا وقرأنا قبل يومين الخطاب السنوي للرئيس الأميركي، وهو يتبجح بإنجازاته على الملأ في مشهد تهريجي غير مسبوق، وهو قال صراحة أنه استطاع أن يجني لأميركا 18 ألف مليار دولار في سنة واحدة ، وكلنا يعرف كيف ومن أين جلب هذه المبالغ على حساب استقرار واقتصاد شعوب العالم ،وقد نالنا وينالنا نصيب من هذا الإبتزاز على حساب استقرارنا الأمني”.
ورأى الخطيب ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية “تقف اليوم سدا في وجه هذه السياسة الإستحواذية الإستعمارية ، ولذلك تجرد الولايات المتحدة على إيران حملة عسكرية وتفرض عليها حصارا إقتصاديا وماليا مضنيا وتفرض عليها شروطا مذلة لإخضاعها. لكن إيران متمسكة بقوة حقها في وجه حق القوة الذي تمارسه الولايات المتحدة .
وعلى الرغم من ذلك فنحن نتمنى أن تسفر المفاوضات الجارية بين الطرفين إلى تفاهم يجنب المنطقة حربا ستمتد اثارها لتطال العالم كله”.
ولفت الى إننا في ظل هذا الواقع نعيش إمتحانا كبيرا في حياتنا اليومية ،وليس أمامنا سوى الصبر والعض على النواجذ وعدم الاستسلام لشروط العدو وتذكروا حصار المشركين لبني هاشم في شعب ابي طالب حيث جاءهم نصر الله بأضعف مخلوق وهي القرضة التي اكلت ما تعاهدت قريش عليه لاجبار النبي ومن معه على التراجع عن دينهم والتبرؤ من دين الله فنصر الله نبيه واخزى المشركين الذين لم يشكوا انهم بهذا الاجراء والحصار سيجبرون النبي ومن معه على الاستسلام او الموت جوعا كما هو اعتقاد العدو اليوم انه بهذا الحصار سوف يفل من عضدنا ويجبرنا على الاستسلام، الا ان الله تعالى سيحبط كيدهم وما كيد الكافرين الا في ضلال ولن نقول الا ما قال الامام الحسين ع هيهات منا الذلة ، وقد خبرنا سابقا تجارب الدول والشعوب التي خضعت واستسلمت وكيف كان ثمن الإستسلام أكثر كلفة من مقاومة هذا الطغيان ، ومستلهمين قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾”.
