في ظل التصعيد العسكري والتهديدات الإقليمية المتزايدة، يبرز مضيق هرمز بوصفه قلب استراتيجيات الطاقة العالمية وعصب الأمن الإقليمي في الخليج. فالممر المائي الضيق، الممتد بين إيران شمالاً وشبه جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عُمان جنوباً، لا يمثّل مجرد قناة للعبور البحري، بل عنق زجاجة للطاقة العالمية يتحكم بإيقاع أسواق النفط والغاز وسلاسل الإمداد الدولية.
ويمر عبر المضيق يومياً ما بين 17 و20 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات، أي نحو خُمس الاستهلاك العالمي، إضافة إلى نحو خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال. وتستحوذ الأسواق الآسيوية على الغالبية العظمى من هذه الإمدادات، حيث تحصل الصين وحدها على نحو 38% من النفط العابر، تليها الهند وكوريا الجنوبية واليابان. وتُظهر هذه المعطيات أن أي توتر في المضيق لا يُعدّ مجرد تهديد غربي، بل مسألة حيوية للدول التي ترتبط بعلاقات استراتيجية وتجارية وثيقة مع طهران.
ومن منظور سياسي وعسكري، يُعد مضيق هرمز أداة ردع استراتيجية بيد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. فالتلويح بتهديد أو التحكم في حركة الملاحة البحرية لا يهدف إلى تعطيل التجارة الدولية فحسب، بل إلى توجيه رسالة واضحة مفادها أن أمن الطاقة لا ينفصل عن السيادة الوطنية وحماية المصالح الحيوية لإيران. ويُظهر التاريخ، من حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي إلى المواجهات المحدودة اللاحقة، أن أي محاولة لفرض واقع عسكري بالقوة على هذا المضيق تؤدي سريعاً إلى اضطرابات عالمية وارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة.
وفي هذا السياق، يفرض إدراك طهران لأهمية المضيق حدوداً واضحة لاستخدام هذه الورقة، إذ إن أي تصعيد مفرط قد يؤثر على شركائها الآسيويين ويضر بعوائدها النفطية الأساسية. كما أن الإدارة الاستراتيجية لمضيق هرمز تتطلب موازنة دقيقة بين القوة العسكرية والردع الاقتصادي والاعتبارات الدبلوماسية. ورغم وجود سيناريوهات بديلة، مثل خطوط أنابيب المملكة العربية السعودية إلى البحر الأحمر أو خط الفجيرة الإماراتي، فإنها لا تغطي سوى جزء محدود من الإمدادات، ما يجعل المضيق العمود الفقري للطاقة الإقليمية والعالمية.
وتحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها ممارسة ضغوط عسكرية واقتصادية على إيران، غير أن هذه الضغوط لا يمكن فصلها عن حسابات القوى الآسيوية الكبرى، وفي مقدمتها الصين والهند، اللتان تعتمدان بشكل مباشر على النفط العابر من الخليج. ومن ثمّ، فإن أي تحرك يتعلق بالمضيق يجب أن يُقرأ في سياق التوازن العالمي للطاقة، لا بوصفه إجراءً أحادياً موجهاً ضد إيران فحسب.
ويخلص المشهد إلى أن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي ضيق، بل معادلة ردع وركيزة استقرار في الخليج. وأي تجاهل لهذه الحقيقة، أو أي تصعيد غير محسوب، قد يقود إلى موجة اضطراب عالمية شاملة تمسّ الطاقة والتجارة والسياسات الدولية، في وقت تتحول فيه الجغرافيا إلى أداة استراتيجية في صلب معادلات القوة الإقليمية والدولية.
المصدر: قناة العالم
