تجسّد إستراتيجية الامن القومي الاميركي 2025-2026 ، صياغة مكتملة لعقيدة “أميركا أولا” ومبدأ ” السلام عبر القوة” ولعلهما أبرز مبدأين يطغيان على الاستراتيجية .اذ تعيد الوثيقة تشكيل خريطة النفوذ العالمي وفق تبدل في المفاهيم لجهة استعمال قاعدة “القوة مقابل المصالح ، و ليس ” القوة للسيطرة الجيوسياسية ” .
كما حصل التعديل في مفهوم ودور “الشرطي العالمي” و نشر الديمقراطية الاميركية . ما يعني ويؤكد استخدام فكر ونهج “الواقعية الاميركية” المسمّاة خطأ بالمرنة والتي تعطي الاولوية لتحقيق المصالح بأي شكل على فرض تغيير للانظمة السياسية و الاجتماعية .
من هنا فإن التغيّر البارز قد حصل في الأولويات والكيفيات ، فلم تعد الأولوية ترتكز على نشر قيم “الديمقراطية الاميركية” ، بقدر ما أصبحت ترتكز على القيام بعمليات أمنية و عسكرية دولية خاطفة وسريعة لتوفير الازدهار والأمن الاقتصادي للولايات المتحدة عبر الارتكاز على مفهوم ” اصطناع الاعداء و التهديدات غير الموجودة ” وإدارة الصراعات وفق المفاهيم و المصالح الاميركية للسيطرة على الممرات و المناطق الاستراتيجية باستخدام مفهوم ” القوة الفتاكة ” لتأمين التفرد الاميركي في شتى المجالات و في مقدمها الاقتصاد والامن الاقتصادي الذي هو عماد الامن القومي الاميركي . من هنا تُعاد هيكلة الالتزامات الخارجية على هذا الاساس بما يخدم هذه الأهداف.
استبدال أميركا أولاً ب “إسرائيل أولاً”
إلا أن المتغيّر الذي سيطر منذ شهرين على جزء من قرارات ادارة ترمب هو تحقيق مصالح كيان العدو الاسرائيلي ، وهذا لم يكن ملحوظا في نص و مضمون استراتيجية 2025-2026 ، فقد سيطر مبدأ “إسرائيل أولاً” بدلاّ من أميركا أولاً . وهذا ما أكدته نتائج استطلاعات الرأي الأميركية و تقييمات عدد كبير من الخبراء الاستراتيجين في أميركا ، وفق ما أوردته صحيفة CBS نيوز ، اذ أكدت النتائج وجود غالبية شعبية تعارض الحرب على إيران ويعتبرون انها جاءت إرضاء “لإسرائيل” و وفق ميزان حسابات وتوقيت نتنياهو وليس المصالج الوطنية الاميركية . وهو ما لفت اليه امين عام المجلس الاعلى للأمن القومي الايراني علي لاريجاني مضيفا أن أميركا تطبق نظرية ” السلام من خلال القوة عبر دماء الابرياء ” وفق ما صرح به على حسابه على منصة إكس .
تغييرات على توزيع الانتشار العسكري الأميركي
واللافت في الاستراتيجية الجديدة 2025-2026 ، هو التوجه لإجراء تغييرات على توزيع الانتشار العسكري الاستعماري الأميركي حول العالم ، مع إعادة توجيه الموارد نحو نصف الكرة الغربي ، وهو ما يعكس عملياً خفض الحضور الأميركي الخاص و الكبير بمناطق كالشرق الأوسط و تغيير كيفية السيطرة عليه .
من هنا ، و ربطا بما خلص اليه توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز في معرض تحليله لوثيقة الامن القومي الاميركي الاخيرة ، قال بأن ” إستراتيجية الأمن القومي ليست وثيقة عابرة ..، بل هي مفتاح لفك شيفرة أداء إدارة ترامب الثانية .. و أنها ليست من وحي الصدفة ، بل هي “حجر رشيد” يفسّر ما يحرك هذه الإدارة حقا في الداخل و الخارج” . بناء عليه ، لفهم سياسات و أداء الادارة الاميركية ، لا بمكن الا التوقف بجدية كبيرة واهتمام عند ما ورد في الاستراتيجية وعند خلاصات تحليل عدد من الخبراء الاستراتيجيين والسياسيين الاميركيين
أميركا تعيد ترتيب أولويات الاستراتيجية :
في ما خص اعادة ترتيب الاولويات و ضروراتها يقول ترمب بالعنوان العريض ” على أي استراتيجية أن تُقيّم وتُرتّب وتُحدّد الاولويات. فلا يمكن لكل دولة ، أو منطقة ، أو قضية ، أو هدف – مهما كان جديرًا بالاهتمام – يمكن أن يكون في صميم الاستراتيجية الاميركية انما المعيار هو حجم و قدرة تأثيره على المصلحة الوطنية الاميركية سلبا او ايجابا هو المعيار الاساس “. هذا ما طبع الاستراتيجية الجديدة وشكل روح مضمونها والحديقة الخلفية لسلوك ترمب وإدارته . وهو ما لعب دورا مميزاً في تحديد الاولويات والاهداف الكبرى .
فبعد ان ركّزت السياسة الخارجية للولايات المتحدة لأكثر من 50 عاما على منطقة الشرق الأوسط وإعطائها أولوية خاصة لما تشكله من مصدر اساسي للطاقة من نفط و غاز ، تتجه الاولويات مؤخرا الى قضايا و اقاليم اخرى لم تكن بالحسبان و التوقعات من دون اهمال الشرق الاوسط ، وإنما حكمه و السيطرة عليه وفق اتفاقات بنيت على الخوف و التهديد على طريقة “هز العصا دون الضرب بها ” .
وقد جاء من ضمن الالويات و الاهداف المبطّنة ، رسم خريطة جديدة لسلام أميركي-إسرائيلي جديد وشرق اوسط خالي من القدرات والتأثير الايراني مستندا الى تحقيق مشروع وليس حُلم “إسرائيل الكبرى” ويبدد مخاوف العدو الاسرائيلي المتزايدة . وفي سدة الاولويات تأتي الجمهورية الاسلامية الايرانية ، ومحاولات يائسة لتغيير نظامها بعد القضاء على برنامجيها النووي و الصاروخي الباليستي .
وفي هذا السياق أتت الحرب الكبرى الأميركية – الاسرائيلية على الجمهورية فجر 28 شباط/فبراير 2026 والتي تجاوز فيها العدو الصهيو-أميركي العديد من الخطوط الحمراء باغتيال الشهيد المعظّم الإمام السيد علي خامنئي وعدد من كبار القيادات العسكرية والوزراء والذين كانوا في مقر حكومي مدني عام . وقد جاء ذلك باتفاق و تنسيق إسرائيلي-أميركي كبير ، وإنجرار أميركي وراء طلب مُلِح من نتنياهو وضغوط فضائح جزيرة إبستين وما أحدثته من تهديد لترمب و عدد كبير من القيادات العالمية .
سبق ذلك أولوية اقليم فنزويلا عبر خطف رئيسها والسيطرة على القيمين على النظام وادارتهم وفق المشروع الاميركي . وما سيأتي لاحقا من احداث خطيرة متوقعة ستطال مصر وباكستان ومواجهة كبرى لا بد انها حاصلة مستقبلا مع الصين نتيجة اصطدام المشروعين وهو الاهم ، يليها تطويع روسيا . وبين طيات هذه الاحداث تكون قد سقطت المملكات الخليجية ومقدراتها بيد العدو الإسرائيلي بقرار أميركي .
أولويات إستراتيجيات 2015-2024 بحسب الاقاليم :
على امتداد حقبة هذه الاستراتيجيات لم تكن ايران الاولوية رقم واحد ، وانما جاءت في المرتبة الثالثة فما فوق وصولا الى استراتيجية 2025-2026 والتي وضعت النصف الغربي من الكرة الارضية في رأس سلم اولوياتها يليه اقليم “الهندي-الهادئ” و الذي اعتبرته ادارة بايدن المنطقة المحورية للصراع العالمي. ومن ثم جاءت أوروبا لجهة تعزيز الحلفاء الأوروبيين لمواجهة التهديدات.
أما الشرق الاوسط ومن ضمنه كانت إيران احتل الترتيب الرابع ، وجاءت إيران في الصدارة من دون الافصاح عن التفاصيل . فكان العنوان “إزالة التهديدات الايرانية وقطع الأذرع المتصلة بها ” ، وذلك يحقق هدفا إسرائيليا ومصالح أميركية مع ضرورة تفادي الصراعات الكبرى . ولقد جاء ذلك نتيجة اجماع ادارات الجمهوريين و الديمقراطيين على ان العدو الأصلب والمتصدي الاكبر للمشروع الاميركي-الاسرائيلي في الشرق الاوسط و أفريقيا بشمالها و وسطها ، هو إيران ، و هي تتمدد لدعم تلك الدول وشعوبها .
ونظرا للاهمية الكبرى لذلك حصل تبديل في الاولويات لجعل ايران في المرتبة الاولى نتيجة ضغوط صهيونية عالمية واسرائيلية بعد ان كانت فنزويلا كجزء من النصف الغربي هي الجراء الدولي الاول . من هنا جاء العدوان الصهيو-أميركي على ايران الذي بدأت مجرياته تقلب التوقعات الاميركية ومفاجآت بالجملة ، وقد أثرت على الرأي العام وعلى بعض دوائر القرار السياسية الاميركية . فقد أشار استطلاع للرأي أجرته شبكة “سي بي إس. نيوز” بالتعاون مع شركة “يوغوف” إلى أن 54 % من الأميركيين يعارضون الحرب إذا استمرت لعدة أشهر.
وفي السياق، ذكرت شبكة “سي إن إن” أن مستشاري ترامب يعملون على الحد من تداعيات سياسية ناجمة عن الرسائل المتضاربة بشأن الحرب مع إيران. وقد كشف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة انضمت إلى العملية العسكرية ضد إيران بعد إعلان إسرائيل عزمها توجيه ضربة عنيفة لطهران .
وعلى الصعيد نفسه ، أكد الخبير الاستراتيجي الجمهوري والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية ماثيو بارتليت لشبكة “سي إن إن” ، أن “لا أحد يعتقد أن هذه الحرب تحظى بشعبية”. وأضاف: ” في أفضل الأحوال ، هذا تشتيت للانتباه عن أولوية الاقتصاد، أما في أسوأ الأحوال فقد يكون كارثة سياسية ، وقد يكون كارثة لأجيال في إيران وللحزب الجمهوري الأميركي” .
في ظل ما يجري ميدانيا ، تنسج واشنطن رواية التفوق في تحقيق الاهداف وثقة مصطنعة لتبرير الاستمرار في الحرب وتغطيتها سياسيا وسط مشاهد دمار مرعبة للقواعد الاميركية ومنظوماتها المتفوقة أدت الى تهشيم صورة الجيش الاميركي وجنوده الذين تركوا القواعد وهربوا الى الفنادق القريبة في الدول الخليجية .
هذا في الوقت الذي يكرر فيه البيت الأبيض مقولة “أن الرئيس دونالد ترمب لم يتخذ قرار ضرب إيران بشكل مفاجئ ، بل بعد اقتناع بأن طهران كانت تمثل خطرا متناميا على الولايات المتحدة في المستقبل القريب وهو ما تنفيه كل وكالات الاستخبارات الاميركية وفق CNN .
لعل من أبرز أولويات استراتيجية الامن القومي 2025 هو ” التطويع ” فقد ورد في نص الوثيقة بأنه يجب أن تركز السياسة الأميركية على تطويع و تجنيد الدول القائدة في المنطقة القادرة على المساهمة في تحقيق استقرار مقبول ، حتى خارج حدودهم او المساعدة في تنفيذ الاهداف الاميركية و المصالح الاميركية .
تصنيف الأولويات بحسب القضايا الحسّاسة :
عملت ادارة ترمب على وقفة تأمل لإعادة تقييم السياسات و الاهداف الجوهرية القابلة للتحقق، وبناء على ذلك وضعت ترتيبا جديدا للأولويات يخدم المصالح الاميركية من دون التوجه نحو عبارات سياسية و أمنية فضفاضة لم تقرن من قبل بخطط كفيلة بتحقيقها وهو ما فعله ترمب و فريقه من جديد . اعادة تصنيف الاولويات شمل الاقاليم و المواضيع او القضايا .
فلم تعد السياسة الخارجية الاميركية أداة لإدارة مصالح مستقرة ، بل تحولت إلى وسيلة لصناعة التوتر والفوضى بوصفها أداة لإدارة الأزمة الداخلية نفسها. اذ اصبح العدو بالنسبة للساسة الاميركيين لا ينظر اليه ، كتهديد موضوعي قائم بذاته ، بل كأداة سياسية تُصطنع وتُضخَّم عند الحاجة ، ويُعاد من خلالها ربط الإخفاق الداخلي بخصم خارجي ، مع شيطنة دول بعينها لتبرير التصعيد وتحويل الغضب الشعبي بعيدًا عن مراكز القرار.
ومن أبرز التبدل في الاولويات هو التغيير بدل في النظرة الى الخليج للوصول الى الاهداف المنشودة أميركيا ( استثمارات – مصدر تمويل – مصدر طاقة) و اسرائيليا (التسيد على المنطقة وفق الشروط الاسرائيلية الجديدة و التي تخدم السياسة الاميركية لكن باي ادوات تنفيذية : الاتفاقات الابراهيمية – تطويع أنظمة المنطقة بالكامل وفق خطة توسع اسرائيل الكبرى – وما المطلوب من دول المنطقة) .
وما شكل ظاهرة غير عادية في مضمون الاستراتيجية ، تستدعي التوقف عندها ، هو أولوية “حماية الحقوق و الحريات الاساسية ” لكن ، وفق المفهوم الاميركي الترمبي ، وقد جاء مفاجئًا أن تحتل المرتبة الثانية في القضايا ، قائلا ترمب “غايتنا هي حماية الحقوق الطبيعية التي وهبها الله للمواطنين الاميركيين . في حين فعل العكس لجهة منح وزارات و وكالات أمنية صلاحيات هائلة ” بالتأكيد للتجسس و تنفيذ مخططات تصب في دعم خطة ادارة ترمب الداخلية بالتوازي مع السياسات الخارجية المحمومة .
على المقلب الآخر وفي سياق متصل ، لا يخفى على أهل السياسة والصحافة والأمن مشروع التدخل في احداث الفتن و الخراب في إيران ، وبهدف انتهاك استقلال دول قومية ذات سيادة بحجة دعم حرية الرأي و التعبير و حقوق المواطنين الايرانيين بتحسين اوضاعهم . وكذلك عملية خطف الرئيس الفنزويللي نيكولاس مادورو الذي وصفه ترمب بأنه ” الرجل الذي يصدّر القتل و الاجرام الى المواطنين الاميركيين ” مختلقا رواية واحداث من نسج الخيال السام .
وقد أكد الشرطي الجديد للعالم دونالد ترمب ، فرض تقاسم أعباء الحماية والدفاع وتحويلها الى الشركاء والحلفاء ، قائلا ” انتهى الزمن الذي تتحمل فيه أميركا العبء الأكبر للنظام العالمي بأكمله كما لو كانت أطلس يحمل العالم على كتفيه. فمن بين حلفائنا و شركائنا عشرات الدول الثرية والمتقدّمة التي يجب أن تتحمّل المسؤولية الأساسية عن أمن مناطقها وأن تُساهم بدرجة أكبر في الدفاع المشترك ، على حد قوله. وقد أرسى ترمب عبر استراتيجتة و سلوكه معيارًا عالميا جديدا في الجيوإستراتيجيا سماه ب Commitment Hague The ، وهو ما يعرف ببرنامج الإلزام الجماعي ” الذي شكل مفهوما سياسيا-استراتيجيا جديدا ظهر في سياق سياسة ترامب الخارجية ، وقد استخدمه في استراتيجية الامن القومي لفرض رفع إلتزامات الدفاع داخل حلف الناتو( يُلزم دول الناتو بإنفاق 5% بدلا من 2 % من ناتجها المحلي الاجمالي على الدفاع – وهو ما وافقت عليه دول الناتو ، ويجب عليهم الان الوفاء به .
المصدر: موقع المنار
