الثلاثاء   
   10 03 2026   
   20 رمضان 1447   
   بيروت 19:15

خاص | أمريكا والحرب على ايران .. خسائر باهظة ونقص في الذخيرة .. هل تفقد قدراتها الردعية تجاه الصين وروسيا ؟

وقَع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في فخ شر أعماله ، عندما أخطأ التقدير هو وادارته الضيقة اتجاه إيران فأشعل حرباً لا أمد لنهايتها مع دولة ذات سيادة لا ترضى التنازل أو الاستسلام . فعَلَها إرضاء لنزوات نتنياهو السياسية والتلمودية وتنفيذا لمقولات لاهوتية عقائدية هو وفريقه متأثر بها وفق ما نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الامريكي .

هذه الحرب ستأتي عليه وعلى الكيان الاسرائيلي وحلفائه من دول المنطقة بويلات الخسائر وعظائم أمور الضائقات الاقتصادية والمالية الكبرى ، المباشرة وغير المباشرة ، ولن تحقق له أهدافا محورية في الصراع فلن تغير النظام  ولن تقضي على الملف النووي ولن تدمر البرنامج الصاروخي الباليستي ، وفق ما نشره عدد من الخبراء الاميركيين ومراكز الدراسات الحربية .

وأشار التقرير، الصادر عن مركز التقدم الأميركي (Center for American Progress) ، إلى أن “تقديراً متحفظاً للتكاليف الأولية لعملية “ملحمة الغضب” ضد إيران يتجاوز 5 مليارات دولار حتى 2 مارس، في وقت لا تزال فيه الحملة في بداياتها“. وأن هذا التقدير يستند إلى التكاليف المرتبطة بالهجوم الأميركي على إيران  في حزيران/ يونيو 2025 ، مع فارق كبير في المعدات والاسلحة المستخدمة والعمليات العسكرية الحالية .

ما يعني ان الكلفة الاولية تجاوزت 1.6 مليار في اليوم الواحد ،أي انها  تجاوزت ال 10  مليارات دولار في الاسبوع الاول والرقم آخذ بازدياد تصاعدي بحسب الاعمال الحربية ضد إيران . ومن المتوقع ان تتجاوز التكاليف  210 مليارات بانتهاء الاسبوعين الاولين .

تقديرات التكاليف المعلنة للحرب أقل من الواقع

وقد أكد على ذلك بن فريمان، الخبير في ميزانية الدفاع الأمريكي لدى معهد كوينسي، واصفاً هذه الارقام بأنها “تقدير متحفظ “، موضحًا أنه : “حتى تقدير ال-5 مليارات دولار هو أقل من الواقع لانه لم يحتسب العديد من الأكلاف والخسائر ومنها تدمير 9 رادارات متطورة جدا مع منظوماتها و أجهزة الانذار المبكر . وتبلغ كلفة الرادار الأميركي الواحد 1.1 مليار دولار، وهو نادر الوجود وصعب التصنيع لندرة المواد الاولية التي تتطلبها صناعته ومصدرها الصين ، كما لا يتضمن تكلفة صواريخ الاعتراض الأميركية المستخدمة في النزاع” .

وعليه فإن قيمة الفاتورة حتى الان تفوق ال 30 مليار دولار . مضاف اليها 90  مليون دولار يوميًا لتشغيل حاملات الطائرات بعد اطلاق الحاملة الثالثة في الابحار الى منطقة الاعمال الحربية ..

ويُظهر تحليل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن الذخائر شكّلت جزء كبير من الفاتورة ، إذ بلغت تكلفة استبدالها في أول مئة ساعة من العمليات نحو 3.1 مليارات دولار من أصل 3.7 مليارات دولارقيمة كلفة التسليح الاجمالية في اول 100 ساعة. وتستمر تكلفة العمليات الجوية في استهلاك الموارد بمعدل  30 مليون دولار يوميا.

وقد قدّر مشروع “تكاليف الحرب” في جامعة براون أن الكلفة الإجمالية للحربين ضد العراق وأفغانستان وما تلاهما من احتلال قد تجاوزت 8000 مليار دولار. وهي كانت حربًا بسيطة مقارنة بالحرب ضد الجمهورية الاسلامية الإيرانية ، ما يعني أن ترمب أدخل أميركا والامريكيين في مستنقع التدهور المالي والاقتصادي والمعيشي ، لأنهم هم من سيتكبد سد تكاليف الحرب من الضرائب والمداخيل. 

وتكشف التقديرات الأولية أن جزءً كبيرا من الإنفاق العسكري المرتبط بالحرب لم يُدرج ضمن الموازنة الدفاعية الأمريكية. ويُظهر تحليل مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية أن معظم الأموال التي صُرفت في الأيام الأولى من العمليات لم تكن مغطاة في ميزانية وزارة الدفاع، ما يرجّح لجوء الإدارة الأمريكية إلى طلب اعتمادات إضافية من الكونغرس.

ويحذر خبراء الميزانيات الدفاعية من أن الدفاع الصاروخي قد يصبح أحد أكثر عناصر الحرب تكلفة. فقد أوضح بن فريمان من “معهد كوينسي للحكم المسؤول” أن اعتراض صاروخ إيراني واحد قد يتطلب إطلاق عدة صواريخ باتريوت ، أو “ثاد” ما قد يرفع تكلفة الاعتراض إلى أكثر من 24 مليون دولار، في حين قد تدفع عمليات اعتراض مئات الصواريخ والطائرات المسيّرة تكاليف الدفاع الجوي إلى عشرات المليارات من الدولارات خلال اسابيع .

اذ تشير التقديرات الدفاعية إلى أن كلفة :

  • صاروخ الاعتراض “ثاد” تبلغ كلفته 12.8 مليون دولار في حين تبلغ كلفة منظومة راداره 1.1 مليار دولار.
  • صاروخ الاعتراض “باتريوت” تبلغ كلفته نحو 4 ملايين دولار في حين تبلغ كلفة منظومته 300 مليون دولار .أما البطارية كاملة فتتجاوز كلفتها المليار دولار .
  • صاروخ “توماهوك” المجنح تبلغ كلفته نحو 3.6 ملايين دولار وهو الأكثر استخداما في هذه الحرب

وعليه فإن فاتورة الكلفة المباشرة لحرب أميركا على إيران قد تصل إلى 210 مليارات دولار خلال ثلاثة اسابيع .

وكشف تقرير نشرته “ذي أتلانتيك” نقلا عن مسؤول في الكونغرس أن التقدير الأولي لتكلفة الحرب على إيران من قبل البنتاغون في الايام الثلاثة الاولى فقط بلغ مليار دولار يوميا.

وقد تضاعفت الارقام إثر تدمير الرادارات وأجهزة الانذار المبكر وتجهيزات القواعد الأمريكية ، وبعد اسقاط عدد من الطائرات الحربية و عشرات المسيّرات المتطورة وبعد مضاعفة استخدام صواريخ الدفاع الجوي المتطورة باهظة الثمن وفق ما أكدته القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) ما كبّد الجيش الأمريكي خسائر لا تقل عن 1.4 مليار دولار إضافية ثمن الطائرات التي أسقطت .

 كما إن كلفة نقل السفن والقطع البحرية قد تجاوز ال 630 مليون دولار، وفق ما صرحت به إيلين ماكوسكر، الباحثة في معهد المشاريع الأمريكية والمسؤولة السابقة عن ميزانية البنتاغون، لصحيفة وول ستريت جورنال.

بناء على ما تقدم ، يبدو من الصعب جدا ضبط الكلفة مع اتساع دائرة العمليات وتشعباتها المتزايدة في الحرب ضد إيران ضد الاهداف الاميركية. ومن المهم الاشارة هنا الى الخلل الكبير في ميزان الأكلاف الحربية هو لصالح إيران، ففي وقت تبلغ كلفة المسيّرة الانقضاضية المستخدمة 35 ألف دولار تتراوح كلفة الصاروخ الاعتراضي ما بين 3.4 و 12.8 مليون دولار وغالبا ما يطلق عليها ثلاثة صواريخ أو أكثر ما يعني تجاوز الكلفة ال 20 مليون دولار على اقل التقديرات . في الوقت الذي تبلغ فيه كلفة  1250 طائرة مسيّرة أحادية الاتجاه بحوالي 43.8 مليون دولار.

وبحسب أورو نيوز والعديد من مراكز دراسات الميزانيات العسكرية ، فإن عملية اعتراض الصواريخ الباليستية والتي لا يتجاوز كلفة تصنيع الواحد منها المليون دولار ، يطلق عليه ما بين 7 الى 10 صواريخ دفاع جوي متطورة وغالبا ما  تفشل في اعتراضه في حين تتكبد كلفة المحاولات بين 40 و 80 مليون دولار بحسب نوع الصواريخ الاعتراضية المستخدمة .   

وتكشف التقديرات الأولية عن تكاليف باهظة لعمليات التشغيل العسكرية الجارية، إذ تصل تكلفة تشغيل حاملتي الطائرات الأمريكيتين في المنطقة إلى نحو 13 مليون دولار يوميًا.

كما تشير تقديرات  “مركز الأمن الأمريكي الجديد”  إلى أن تشغيل حاملة الطائرات واحدة يكبد الولايات المتحدة ما لا يقل عن 6.5 مليون دولار يوميًا ، في حين قد تكون التكلفة أعلى في الوقت الحالي . ووفق تقديرات وكالة بلومبرغ ، تبلغ تكلفة تشغيل حاملة الطائرات USS Gerald R. Ford  نحو 11.4 مليون دولار يوميًا.

وتصل تكلفة تشغيل القاذفات الاستراتيجية  B-2 Spirit إلى ما بين 130 ألفًا و150 ألف دولار في الساعة، ما يجعلها من أكثر الطائرات العسكرية كلفة في التشغيل.

وذكرت مجلة فوربس (Forbes) أن الجانب الأمريكي قد يكون تكبد حتى الآن أكثر من 1.6مليار دولار يوميا ، من دون احتساب كلفة خسائر المنظومات والتجهيزات والتي فاقت قيمتها 17 مليار دولار والارقام آخذة بالتصاعد مع توقع أن تتجاوز الكلفة ال 100 مليار خلال ايام

وبحسب مسؤولين في الإدارة الأمريكية خلال جلسات إحاطة سرية للمشرعين، فإن الحرب ضد إيران قد تستمر لعدة اسابيع، وستتطلب تمويلا إضافيا من الكونغرس لتجديد مخزونات الأسلحة ومواصلة العمليات الحربية. وهذا يحتاج الى تبرير وموافقة من الكونغرس ، وهذا الامر موضع أخذ ورد حتى الان .

ويرى الخبراء أن المؤشرات الأولية تؤكد أن هذا النزاع قد يتحول إلى “ثقب أسود” يستنزف الميزانية الدفاعية الأمريكية.

تأثير الخسائر على الدين العام

ويُعد أسلوب تمويل الحروب عاملا حاسما في تحديد آثارها الاقتصادية الطويلة. ففي التجربة الأمريكية الحديثة نادرا ما جرى تمويل النزاعات العسكرية بالكامل عبر الضرائب، إذ اعتمدت الحكومات بدرجة كبيرة على الاقتراض العام، مما يعني ترحيل جزء مهم من كلفة الحروب إلى أجيال لاحقة من دافعي الضرائب.

يحذر خبراء الاقتصاد العام من أنه حتى الحروب المحدودة قد تخلّف آثارا مالية طويلة الأمد إذا امتدت زمنيا، إذ يؤدي توسع الإنفاق العسكري إلى توسيع العجز ورفع الدين السيادي، مما يفرض لاحقا أعباء إضافية على الميزانية الفدرالية في شكل مدفوعات فوائد متزايدة على الديون المتراكمة.

ويسعى الاقتصاديون عادة إلى تحويل تكاليف الحروب إلى مؤشرات ملموسة توضّح انعكاسها المباشر على المواطنين. إذا ارتفعت الكلفة الإجمالية للعمليات إلى نحو 50 مليار دولار، فإن العبء قد يصل إلى ما يقارب 312 دولارا لكل دافع ضرائب أمريكي .وقد تبدو هذه الأرقام بسيطة عند النظر إليها بصورة فردية، لكنها في حقيقتها تعكس سرعة تراكم النفقات وحجمها الكبير عندما تستمر العمليات العسكرية لفترة أطول

انعكاسات الحرب على قطاعات الطاقة و الاقتصاد

أولاً : الانعكاسات على قطاعات الطاقة :

قفزت أسعار النفط بشكل متسارع تصاعديا ما يقارب 40% وآخره كان مع افتتاح بورصة الاسواق العالمية فجر الاثنين 9 مارس 2026 ، ومن ثم تراجعت قليلا مسجلةً أعلى مستوى لها بلغ 27% لم تشهده منذ منتصف عام 2022. والاسباب تعود اندلاع الحرب وتخفيض الانتاج نتيجة وقف التصدير بسبب اغلاق مضيق هرمز منذ أيام الى أجل غير مسمى ، ما سينعكس تضخما تصاعديا في اقتصادات الدول ذات الصلة .

وقد ارتفعت اسعار النفط لكل الدول المستوردة بنسبة متفاوتة تراوحت بين 3 % و 6% قبل الاغلاق الجزئي للمضيق . أما بعد اغلاقه فقد وصلت صباح الاثنين 9 مارس الى 48% . و المعلوم ان النفط يدخل كعنصر اساسي في الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات ما سينعكس على كل القطاعات اهمها النقل والصناعة والزراعة وإنتاج الغذاء وتوليد الكهرباء.

ومن المؤكد ان تقفز الاسعار أكثر مع تصاعد الاعمال الحربية واستمرار الاغلاق الجزئي مضيق هرمز. وخفض الانتاج من دول الخليج  ما ينعكس سريعا على أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة.

وأشار تحليل نشرته شبكة “سي إن إن” حول الكلفة الاقتصادية للحرب في ايامها الاولى، إلى أن التوترات العسكرية أثرت بالفعل على أسعار الطاقة والأسواق المالية، ما يضيف ضغوطا إضافية على الاقتصاد الأمريكي .

أما الانعكاسات المالية والاقتصادية على دول الخليج فهي كبيرة وتتضاعف يوميا نتيجة اعتمادها على تصدير النفط كرافعة اقتصادية ، فالسفن مكدسة في الخليج الفارسي و خليج عُمان و بحر العرب . وقد تأثرت مصافي النفط والمنشآت الغازية بشكل كبير نتيجة الاعمال العسكرية المتفرقة ما سيفاقم المشكلة في السعودية والكويت والامارات والبحرين بسبب تمركز القوات الامريكية فيها او التزود منها بالوقود للطائرات والآليات العسكرية .

“صدمة تضخمية” ستعصف بالاسواق والانعكاسات كبيرة

  • خام برنت واقتصاد –  

اتخذت اسعار النفط نمط التضخم الزاحف للاسعار ، فمع ازدياد التوترات في الخليج الفارسي نتيجة التحشيد الاميركي و التهديدات الامريكية – الاسرائيلية المتلاحقة وقع ضغط كبير على الاسعار صعودا نتيجة ارتفاع مخاطر الامدادات وارتفاع التأمينات التجارية على السفن . وقد ارتفع سعر النفط ومشتقاته من 70 دولار بتاريخ 24 شباط /فبراير قبيل اندلاع الحرب الى 119 دولار صباح الاثنين 9 آذار/مارس 2026. ما لبث أن انخفض قليلا في ساعات متأخرة من اليوم

ووفق ما نشرته صحيفة الشرق الاوسط السعودية ، لقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 24.96 دولار، أي بنسبة 27 % عن ما كان عليه قبل يومين وهو 92$ ، لتصل إلى 117.65 دولار للبرميل عند الساعة 04:51 بتوقيت غرينتش من يوم الاثنين 9 مارس، مسجّلةً بذلك أكبر قفزة يومية على الإطلاق، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط 25.72 دولار،أي بنسبة 28.3 % ، لتصل إلى 116.62 دولار.

وكان خام غرب تكساس الوسيط قد قفز بنسبة 31.4 % مسجّلاً أعلى مستوى له خلال الجلسة 119.48 دولار للبرميل عقب افتتاح الاسواق فجر يوم الاثنين 9 آذار/مارس ،بينما ارتفع خام برنت بنسبة تصل إلى 29 % ليصل إلى 119.50 دولار للبرميل.

ولاحقا تراجعت بعد ساعات الصباح لتتمحور عند سعر 108$ للبرميل أي زيادة الخام برنت 15.51 دولاراً، أو 16.7% ، بينما تراجعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي الى 105.13 محققة زيادة بلغت 14.23 دولاراً أو نسبة 15.7% .

هذا وقد سيطرت على السوق مخاوف من اضطرابات طويلة الأمد تطال الشحن بسبب اتساع نطاق  الحرب الاميركية-الاسرائيلية على ايران  و تداعياتها، حيث تتأثر أسواق الطاقة بتوتر شديد، لأن الأزمة المرتبطة بمضيق هرمز كبيرة جدا وتتفاقم ، وهو الذي يمر عبره ما يزيد على 33% من إمدادات النفط العالمية. إذ إن أي حدث سياسي او عسكري أو حتى اي تصريح من شأنه رفع الاسعار .

قال فاسيو مينون ، المدير الإداري لإستراتيجية الاستثمار في بنك “OCBC” بسنغافورة: “ما لم تُستأنف تدفقات النفط عبر مضيق هرمز قريباً وتخف حدة التوترات الإقليمية، فمن المرجح أن يستمر الضغط التصاعدي على الأسعار” .

كما ساهم في ارتفاع الأسعار تعيين المرشد الاعلى الجديد آية الله السيد مجتبى خامنئي قائدا أعلى للثورة خلفاً لوالده الشهيد المعظّم ، ما يشير إلى إمساك قوي جدا من الثوريين المحافظين بالحكم ، والى أن غالبية دوائر القرار والمؤسسات ومَن خلفهم ، يشكّلون أكثرية ساحقة مؤيدة للمحافظين والتي ازدادت بعد أسبوع من العدوان الصهيو-أمريكي على إيران .

وقال ساتورو يوشيدا، محلل السلع في شركة راكوتين  للأوراق المالية : “مع تعيين نجل الزعيم الراحل زعيماً جديداً لإيران، بات هدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب المتمثل في تغيير النظام في إيران أكثر صعوبة ” .

ومن المهم الإشارة الى أن أرقام الأكلاف التي ورن حتى الان لا تشمل تداعيات الحرب على الاقتصاد الامريكي والاسرائيلي والعالمي .

وبلغة الأرقام ، يشير معهد التمويل الدولي إلى أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط  يقع في سياق متصل تصاعديا ، حيث من المتوقع بحسب الخبراء ، أن يصل سعر البرميل الى 215$  اذا استمرت الحرب لأكثر من شهر وقد تقفز الى ارقام خيالية في حال أغلق الجانب الايراني مضيق هرمز بالكامل كرد مشروع على المعتدين وحلفائهم .

وق رسمت خريطة اسعار النفط والطاقة مساراً تضميا تصاعدياً نتيجة تأثر الأسواق العالمية مباشرة . فقد ارتفع خام برنت بشكل كبير ومتسارع ، من 72$ في 27 شباط/فبراير ( قبل العدوان الامريكي-الاسرائيلي ) ، الى 92$  في 6 مارس . ومن ثم قفز الى 119.5$  صباح الاثنين في 9 مارس ، أي في اقل من عشرة ايام بنسبة بلغت 52% عن السعر الاساس في فبراير ، وهي مستويات لم تشهدها الاسواق منذ يوليو/تموز 2024، فيما سجل الغاز الأوروبي ارتفاعا بنسبة 62% خلال أسبوع ليصل إلى 51 يورو  للميغاواط ساعة.

ويترقب المستثمرون تحركات أسعار الغاز الأوروبية بشكل أكبر ، بعدما قفزت بنسبة 54% إثر توقف الإنتاج في أكبر منشأة تصدير عالمياً في قطر .

خسائر الاقتصاد العالمي بدأت تظهر تأثيراتها سريعا على إجمالي الناتج المحلي العالمي.وتؤكد تقديرات الخبراء ، إلى أن ثمة عاملين قد يدفعان علاوة مخاطر الحرب وأسعار النفط نحو الأعلى :

 أولاً : شنّ ضربات إضافية على البنية التحتية للطاقة ، حيث  إن المنطقة تمدّ العالم ب 33% من احتياجاته من النفط و20% إمدادات الغاز.

ثانيًا : اغلاق مضيق هرمز والإبقاء عليه مغلقاً ما سيقطع بشكل شبه كلي توريد الطاقة.

وقد أظهر الاستطلاع ، الذي أُجري في مارس 2026 ، بعد يومين على اندلاع الحرب ، أن تسارعاً في معدلات التضخم آخذ بمنطقة اليورو و أمريكا حسبما توقع نصف المشاركين بالاستطلاع . كما يرى نحو 40% من المشاركين أن الصين قد تشهد زيادة مماثلة، تُقدر بارتفاع نمو أسعار المستهلكين بين 0.3 و0.9 نقطة مئوية مقارنةً بالتوقعات السابقة.

و كمثال بسيط غير منظور لا يتوقعه الكثيرون لجهة تأثر المعادن الاساسية بارتفاع اسعار الطاقة ، قفزت أسعار الألمنيوم بنسبة 3.8% في بورصة لندن للمعادن عقب الإعلان فقط في اليومين الأولين  . وتمتلك “قطر للطاقة” حصة 50% في شركة “قطالوم”، أحد كبار منتجي الألمنيوم في المنطقة.

الانعكاسات على الاسواق العالمية :

تعمل أسواق النفط العالمية بدرجة عالية من الترابط بحيث ينعكس أي اضطراب في منطقة إنتاج رئيسية مباشرة على الأسعار في محطات الوقود حول العالم. وكيف اذا كان الخليج الفارسي الذي ينتج ثلث النفط و خمس الغاز العالمي وذلك لاسباب ثلاثة :

  • أولاً : ارتفاع أسعار النفط العالمية سيرفع مباشرة سعر المحروقات الاستهلاكية.
  • ثانيًا : ارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري. فمع تصاعد المخاطر الأمنية في الخليج ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط ، وقد تضطر بعض السفن إلى تغيير مساراتها لتجنب مناطق التوتر، ما يزيد الكلفة اضعافا .
  • ثالثاً : التنافس على الإمدادات البديلة. فعندما تتزايد المخاوف من تعطل صادرات الشرق الأوسط، تسعى الدول المستوردة إلى تأمين شحنات من مناطق أخرى مثل الولايات المتحدة أو أفريقيا أو أميركا اللاتينية، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الشحن والمصادر البديلة .

ويؤكد الخبراء ان أسعار الوقود غالبا ما ترتفع بسرعة لكنها تنخفض ببطء بسبب عوامل مثل الضرائب وتكاليف النقل والمخزون.

ووفق أبرز تقرير مجلس التعاون في أرقام الصادر عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بحسب ما نشرته صحيفة الامارات اليوم ، فإن دول مجلس التعاون تحتل المركز الأول عالمياً في احتياطي النفط بـ511.9 مليار برميل، والمرتبة الثالثة عالمياً في إنتاج الغاز الطبيعي بـ442 مليار متر مكعب، والمرتبة الثانية في احتياطي الغاز الطبيعي بـ44.3 مليار متر مكعب.

و بحسب ما نشره مركز عُمان-وام استنادا الى الامانة العامة لمجلس التعاون الخليجيي ، فإن دول مجلس التعاون مجتمعة تنتج أكثر من 17.4  مليون برميل نفط يومياً، ما يجعلها لاعباً رئيساً ومصدراً أول عالمياً..

انعكاس سريع وواضح على الأسهم الأوروبية والآسيوية

انخفاض الاسهم  في اسواق بورصة نيويورك و الاسواق الأوروبية والآسيوية بشكل حاد يوما بعد يوم بشكل انحداري متسارع . فمثلا انخفض مؤشر “ستوكس 600” الأوروبي أكثر من 2% في أول يومين فقط متجهاً لتسجيل أكبر خسارة منذ أبريل2025 .

كذلك تراجع مؤشر “إم إس سي آي” لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ بنسبة وصلت إلى 2.8% في أكبر تراجع خلال يومين منذ أبريل 2025 . كما انخفض مؤشر “كوسبي” في كوريا الجنوبية ، ثاني أفضل أسواق الأسهم أداءً هذا العام على مستوى العالم، بما يصل إلى 6.9%، مسجلاً أكبر انخفاض منذ آب/أغسطس 2024.

في حين انخفضت العملة المشفرة الكبرى بيتكوين بنسبة تجاوزت 4% بعد ان تدنت الى ما دون 66000 $ بعد ان كانت قد تجاوزت ال70000 $ .  

وقد ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت ، في حين شهدت أسعار الغاز الأوروبي زيادة إضافية مع توقعات بأن تتجاوز نسب ارتفاع العقود الآجلة 60% مع بداية الاسبوع الثاني للحرب حسب بلومبيرغ.

انعكاس الكلفة على الرأي العام

ترخي الكلفة الاقتصادية للحرب بظلالها على النقاش السياسي داخل الولايات المتحدة. فقد أظهرت استطلاعات للرأي أجرتها رويترز/إبسوس بعد اندلاع الحرب أن شريحة واسعة من الأمريكيين أبدت قدرًا من التحفظ تجاه الحرب، خصوصا مع تزايد المخاوف المرتبطة بتصاعد التكاليف المالية والاقتصادية.

وفي هذا السياق أشار كريس بريبل، الباحث في مركز ستيمسون، إلى أن الإدارة الأمريكية مطالبة بتقديم تقديرات أكثر وضوحا بشأن الكلفة الفعلية للحرب، بما يتيح للرأي العام فهم الأبعاد الاقتصادية والمعيشية للقرارات العسكرية الكبرى.

نجاح تكتيكي مدّعى  أم  فشل إستراتيجي تستفيد منه روسيا والصين

وبينما يحتفي الميدان بالضربات، تستنزف أمريكا وحلفاؤها ذخائر باهظة الثمن ونادرة التصنيع وقليلة المخزون بنسبة كبيرة ، ولا يمكن تعويضها بسرعة.

هذا الاستنزاف يُغري خصوم أمريكا الأقوى كروسيا والصين  بالتحرك . فبالنسبة للدولتين العظميين المسألة لا تتوقف عند عدد الأهداف التي دمرت في ايران ، بل كم بقي في جعبة أمريكا من صواريخ لتردعهما بها إذا ما قررت موسكو  التحرك بفاعلية كبيرة بوجه أوكرانيا والناتو الذي يستند في الاعمال الحربية والدفاع على أمريكا بنسبة كبيرة . وكذلك الامر بالنسبة للصين التي ستستفيد من الفرصة لحسم ملف تايوان وضمها أو تطويعها قبل الموعد المحدد في 2027 وفق الاستراتيجية الصينية الموضوعة .

تبرز التحديات بشكل متزايد بوجه واشنطن لجهة نقص الإمدادات، حيث تعيش القوات الأمريكية أزمة حادة في مخزون الصواريخ الهجومية مثل توماهوك المستخدمة لتدمير الأهداف الأرضية ، أو الدفاعية الاعتراضية نتيجة الطلب المتزايد عليها مثل باتريوت المستخدمة لإسقاط المسيّرات ، و”ثاد” المستخدم لاعتراض الصواريخ الباليستية وكذلك الصواريخ الهجومية وكلهم تحت خطر النفاد الوشيك.

تفوق إيراني في التسليح بسيط الكلفة و كبير الفعالية

على عكس كلفة وامكانيات التسليح الامريكي ، يظهر التفوق الإيراني في معيار السلاح لجهة “الكلفة والكمية ” . فعلى النقيض من الكلفة الأمريكية الباهظة، تظهر الأسلحة الإيرانية زهيدة الكلفة والمتوفرة بوفرة  وسهلة التصنيع ضمن وقت قصير .

فإيران تمتلك وفق أقل التقديرات المعلنة من الخصوم 3000 صاروخ باليستي  وتنتج المئات شهريا . وفي حين تتراوح كلفة انتاج الصاروخ الباليستي تتراوح بين 0.5 و 1.0 مليون دولار ، في حين تتجاوز كلفة الصواريخ الاعتراضية ومنظوماتها عشرات الاضعاف . 

  أما المسيّرات في إيران فهي كثيرة الانواع وبكميات مهولة تقدر بعشرات الالاف وفق معلومات الخصوم ، إذ تنتج إيران وروسيا منها ما يتراوح بين  5000 إلى 6000 مسيّرة شهريا بتكلفة بسيطة تتراوح بين 35 و 50 ألف دولار للواحدة . وهي تؤدي دورا مهما ومحوريا على بساطتها يتمثل باستنفاد ذخيرة الدفاعات الجوية واستنزاف صواريخ الدفاع الجوي باهظة الثمن كما الانقضاض على اهداف مهمة ، دقيقة وحساسة وفعالة .

هل تشكل شكوى الديمقراطيين مخرجا لترمب لوقف الحرب

تقدّم الديمقراطيون بشكوى ضد الرئيس دونالد ترمب  مطالبين بعقد جلسة في       United States House of Representatives   لبحث وقف الحرب . لكن المفارقة أن رئيس المجلس ينتمي إلى الحزب الجمهوري ، ومع ذلك وافق على عقد الجلسة. هذا الامر قد يفتح الباب أمام احتمال أن تكون هذه الخطوة جزءًا من مخرج سياسي يمنح ترمب فرصة للخروج الآمن من الحرب من دون مساءلته ، بحيث يُلقى القرار في النهاية على عاتق الكونغرس.

ومن المرجّح أن يستند الديمقراطيون في مساءلة ترمب داخل United States  Congress   إلى تصريحات ترامب نفسه، التي أعلن فيها أنه حقق معظم أهدافه العسكرية، ومنها:

  • إنهاء البحرية الإيرانية.
  • ضرب المنشآت النووية.
  • القضاء على القوة الصاروخية الإيرانية أو إضعافها بنسبة 86%.

وهنا يبرز السؤال الذي لا بد أن يطرحه خصومه السياسيون : إذا كنتَ قد حققت كل هذه الأهداف، فلماذا تطلب من الكونغرس عشرات المليارات من الدولارات لتمويل حرب تزعم أنها انتهت فعليًا ؟

فالولايات المتحدة لم تحقق أي من أهدافها الأساس رغم آلالف الغارات والدمار في البنية التحتية المدنية والتجارية فنتائج الأحداث خالفت التوقعات و الأمور لا تسير وفق المخطط لها وانما عكسه . فالنظام لم يتأثر ، لا بل حقن بدم ثوري جديد والبرنامج الصاروخي لم يتأثر و الملف النووي كذلك . لا بل يقول المسؤولون الايرانيون لازلنا في أول البدايات ولم نستخدم حتى الان الا ما بين 3 أو 4 بالمئة من قدراتنا المتطورة وانما نستدرج ونستنزف الاعداء الى حرب قاسية ستكون نتائجها كارثية على أمريك و الكيان الاسرائيلي . ومن المعلوم ان الاعداء لا يقوون على ذلك

المصادر : نيويورك تايمز- سي.أن.أن – ذي أتلانتك – بلومبرغ – مراكز دراسات مرتبطة بوزارة الحرب الاميركية و الميزانية الدفاعية – رويترز – مجلة فوربس – الامارات اليوم – عُمان.وام – مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن – الأناضول –  وول ستريت جورنال – أورونيوز – الشرق الاوسط – العربي الجديد وغيرها