مع بداية التصعيد، كان الرهان غير المعلن لكل من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يقوم على فرضية أن الضغط العسكري سيؤدي إلى اهتزاز الداخل الإيراني، وربما إلى اندلاع انتفاضة شعبية. إلا أن ما حدث فعليًا كشف فشل هذا التقدير، ليس فقط في إيران، بل داخل الولايات المتحدة نفسها.
حيث تشير استطلاعات حديثة صادرة عن مؤسسات أمريكية كبرى إلى أن نسبة تأييد ترامب تدور بين 40% و43% فقط، في حين تتجاوز نسبة الرافضين 55%، ما يعكس تراجعًا واضحًا في شعبيته قبل أي تصعيد عسكري كبير. كما تُظهر استطلاعات أخرى أن غالبية الأمريكيين يعارضون التوسع في الحروب الخارجية، ويرون أن الأولوية يجب أن تكون للاقتصاد الداخلي.
انفجار الشارع الأمريكي: احتجاجات “لا ملوك” غير المسبوقة
في المقابل، وبينما لم تشهد إيران تحركات شعبية مؤيدة للأمريكيين كما كان متوقعًا، بدأت الولايات المتحدة تشهد واحدة من أوسع موجات الاحتجاج في تاريخها الحديث، حيث خرج الملايين في تظاهرات تحت شعار “لا ملوك” في مختلف أنحاء البلاد، رفضًا لسياسات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران.
ووفق موقع “NoKings”، سجّل أكثر من 9 ملايين شخص للمشاركة في احتجاجات أُقيمت في أكثر من 3100 موقع في جميع الولايات الخمسين، وهو رقم غير مسبوق يعكس حجم الغضب الشعبي. وقد احتشد المحتجون في المدن الكبرى مثل واشنطن، ولوس أنجلوس، ونيويورك، وشيكاغو، رافعين شعارات مثل “أوقفوا الحرب في إيران” و“يجب أن يرحل ترامب”، في مشهد يعكس تحولًا عميقًا في المزاج العام داخل الولايات المتحدة.
وامتدت هذه الاحتجاجات إلى مدن لافتة، حيث شهدت العاصمة واشنطن “مسيرة إلى العاصمة” التي انطلقت من جسر ميموريال وصولًا إلى نصب واشنطن، بينما خرج عشرات الآلاف في نيويورك بمسيرات ضخمة باتجاه ميدان تايمز وسط إجراءات أمنية مشددة. كما سجلت شرطة نيويورك مشاركة نحو 100 ألف شخص دون وقوع أعمال شغب، ما يعكس طابعًا جماهيريًا واسعًا ومنظمًا.
وفي ولاية مينيسوتا، تحولت الاحتجاجات إلى بؤرة توتر بعد مقتل أمريكيين خلال المواجهات، ما زاد من حدة الغضب الشعبي ضد سياسات الإدارة.
ولم يقتصر الرفض على الداخل الأمريكي، بل امتد إلى الخارج، حيث شهدت دول أوروبية مثل فرنسا وبريطانيا، إضافة إلى مدن في اليابان وأستراليا، احتجاجات متزامنة حملت الشعارات ذاتها المناهضة لترامب.
ففي باريس، تجمع مئات المحتجين في ساحة الباستيل رافعين لافتات تنتقد الحروب وتصفها بأنها “حروب من أجل الأرباح”، فيما صرّح منظمون بأن سياسات ترامب “غير قانونية وغير أخلاقية ولا نهاية لها”، ما يعكس تراجع صورته حتى على المستوى الدولي.
فشل التقدير الاستخباراتي: رهان لم يتحقق
اما على المستوى الاستخباراتي، تشير تقارير إعلامية غربية إلى أن واشنطن كانت تراهن على وجود انقسامات داخل النظام الإيراني، مع اعتقاد بوجود مسؤولين مستعدين للتفاوض، إلا أن القرار بقي بيد القيادة العليا. ويؤكد هذا الواقع أن التقدير الاستخباراتي لم يتحول إلى واقع سياسي، فلا انهيار حصل ولا انتفاضة وقعت، بل ظهر تماسك واضح تحت الضغط.
وبدل أن يحقق التصعيد مكاسب سياسية، انعكس داخليًا على ترامب، حيث زادت الحرب من حدة الانقسام الداخلي، وتوسعت الاحتجاجات، وبدأت القاعدة الشعبية بالتآكل، خاصة مع تكرار الدعوات للنزول إلى الشارع ضمن حركة “لا ملوك” التي باتت تُعد من أبرز الحركات المعارضة منذ بداية ولايته الثانية.
كما أن احتجاجات سابقة ضد سياسات الهجرة، والتي شارك فيها ملايين الأمريكيين في مئات المدن، كشفت عن تراكم حالة رفض عميقة لنهج الإدارة، خاصة بعد حوادث أثارت صدمة وغضبًا واسعًا في الرأي العام.
هذه الأحداث تعكس أن الفرضية الأصلية التي قامت على أن الضغط العسكري سيؤدي إلى انفجار داخلي في إيران لم تتحقق، إذ لم تحدث انتفاضة ولم ينهَر النظام، بينما ظهرت احتجاجات داخل الولايات المتحدة وتراجعت شعبية ترامب، ما يكشف خللًا في قراءة المجتمع الإيراني، مقابل سوء تقدير لرد فعل المجتمع الأمريكي.
تداعيات انتخابية.. الحرب تتحول إلى عبء سياسي
ومع استمرار هذا المسار، فإن إطالة أمد الحرب ستؤدي إلى زيادة الغضب الشعبي، وكلما ازداد هذا الغضب تراجعت فرص ترامب الانتخابية وضعف موقفه السياسي، ما يعني أن الحرب التي كان يُفترض أن تعزز موقعه قد تتحول إلى عبء انتخابي عليه.
وفي المحصلة، لا يمكن اعتبار ما جرى مجرد تطور عسكري، بل هو تحول سياسي عميق، حيث كان الرهان على إسقاط الداخل الإيراني، لكن الانفجار ظهر داخل الولايات المتحدة نفسها، ولم يُصب التأثير طهران بقدر ما أصاب واشنطن، لتكون النتيجة فشلًا استراتيجيًا مزدوجًا، ميدانيًا في الخارج وسياسيًا في الداخل.
المصدر: موقع المنار
