من دون سابق إنذار، جاء وزير الخارجية والمغتربين في الحكومة اللبنانية يوسف رجّي باعتبار السفير الإيراني محمد رضا شيباني شخصًا غير مرغوب فيه في لبنان، على وقع العدوان الصهيوني الأميركي الذي يستهدف لبنان وإيران على حد سواء، ما شكّل مفاجأة للأوساط السياسية والنيابية والإعلامية والشعبية اللبنانية.
وقد سُجّلت مواقف لبنانية وطنية ترفض هذه المغامرة من السلطة اللبنانية، مقابل دول عربية أكبر وأقوى في المنطقة لم تقدم على خطوة مشابهة، بل حافظت على تواصلها مع إيران، خاصة أن مثل هذا القرار يُعطي تفسيرات مريبة حول “موقف لبنان الرسمي” من العدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان وإيران، وقد طرحت تساؤلات عن المصلحة اللبنانية من هذا القرار، وهل هو يصب في مصلحة لبنان أم في مصلحة جهات أخرى؟ في حين ذهبت جهات سياسية وإعلامية معروفة الهوى والتبعية للتهليل والترحيب بمثل هذه الخطوة.
لكن بعيدًا عن السياسة والمنتفعين منها، كيف يمكن تقييم هذا القرار من الناحية القانونية والدستورية؟ وهل هو يخالف أحكام الدستور والقانون ويتعدى على صلاحيات جهات أخرى؟ هل من صلاحيات وزير الخارجية إصدار مثل هذا القرار أم أن ذلك من صلاحيات رئيس الجمهورية؟ وفي جانب آخر، هل تعسّف وزير الخارجية باستخدام صلاحياته وتجاوز حدود سلطته وتعدّى على صلاحيات السلطة التنفيذية الممثلة في لبنان بمجلس الوزراء؟ وهل بالإمكان اعتبار قرار الوزير رجّي غير موجود وكأنه لم يصدر وبلا مفاعيل قانونية؟ وكيف يمكن إصلاح ما فعله رجّي في هذا الإطار؟
حول ذلك قال الباحث الدستوري الدكتور جهاد إسماعيل في حديث خاص لموقع قناة المنار الالكتروني “من الثابت أن وزير الخارجية، كوزير مختص، مؤتمن على تطبيق أحكام القانون في ما يتعلّق بوزارته وفق المادة 66 من الدستور، والقانون، بدوره، وتحديدًا القانون الصادر في 7/5/1954، الصادر عن مجلس النواب الذي صادق بموجبه على معاهدة الصداقة بين لبنان وإيران، يمنح السلك الدبلوماسي الإيراني أفضل المعاملة، وأن تكون العلاقة بين الطرفين، بحسب المادة الأولى منها، خاضعة للقوانين الدولية، أي إلى تلك المواثيق الدولية، ومن بينها اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الصادرة عام 1961 واتفاقية لاهاي الصادرة عام 1907″، وتابع “مما يعني أن وزير الخارجية يستلهم عمله في التعامل مع الطاقم الدبلوماسي الإيراني من خلال القانون السالف ذكره، وتلك الاتفاقيات الدولية ذات العلاقة”.
وأشار إسماعيل إلى أن “المادة التاسعة من اتفاقية فيينا تمنح الدولة الحق في إنهاء اعتماد السفراء في أي وقت دون شرح الأسباب، إلا أن اتخاذ قرار كهذا تجاه السفير الإيراني يحمل، في ماهيته، إساءة في استعمال الحق لكونه جاء في توقيت يفترض، بحسب اتفاقية لاهاي للعام 1907، اتخاذ أقصى درجات الحياد تجاه الدول المتحاربة، وبالتالي التعامل على قدم المساواة بين أطراف النزاع”، وأضاف “بالتالي، إذا قرّرت الدولة الخروج عن حيادها خلافًا للاتفاقية الدولية الملزمة للبنان، فيعني أنها تتخذ سياسة خارجية جديدة، بينما تتخذ سياسة الدولة العامة، بما فيها الخارجية، وفق المادة 65 من الدستور، في مجلس الوزراء، وليس عبر قرار وزاري”، وتابع “كما أن اعتماد السفراء وقبول اعتمادهم، وفق الفقرة السابعة من المادة 53 من الدستور، من صلاحية رئيس الجمهورية”.
وقال الدكتور إسماعيل “بما أن الدستور لم يُشر إلى السلطة المختصة في تعديل أو إلغاء اعتماد السفراء، فيتوجب اتباع الاجتهاد الإداري الذي يقول بنظرية: (موازاة الاختصاص)، حيث تعني أن النص الذي لا يذكر السلطة المختصة لتعديل أو إلغاء قرار إداري يعتبر من اتخذ هذا القرار هو صاحب الاختصاص، مما يعني أن رئيس الجمهورية هو صاحب الاختصاص في إلغاء الاعتماد بعد موافقة مجلس الوزراء وفق مندرجات ما أسلفت ذكره”، وأوضح انه “في حال ثبت أن وزير الخارجية اتخذ القرار بمفرده، من دون اتباع الأصول الدستورية الواردة في المواد 53 و54 و65 من الدستور، فيعني أنه تجاوز صلاحيات سلطة دستورية مستقلة، أي صلاحيات مقررة لرئيس الجمهورية، وهذه حالة اعتبرها الاجتهاد الإداري موجبة لتطبيق نظرية انعدام الوجود، أي اعتبار القرار كأنه لم يكن”.
وأكد إسماعيل انه “يمكن أن يُعالج الأمر بالرجوع عنه بقرار مماثل من قبل وزير الخارجية، وكذلك يمكن لمجلس الوزراء سحبه، لأنه يندرج ضمن القرارات الإدارية غير المشروعة المنشئة للحق، حيث أكد مجلس شورى الدولة، في قرار رقم 203/2000، جواز سحبها من قبل سلطة مختلفة عن تلك التي أصدرتها، إذا كانت السلطة – أي المختلفة – هي المولجة بالنظر في اتخاذها من الناحية القانونية عملًا بأحكام المادتين 53 و65 من الدستور، علاوةً على أن مجلس شورى الدولة”، وتابع أنه “في قرار رقم 794/2018، أكد بأنه لا يمكن لقرار صادر عن وزير تعديل مرسوم، لأنه يدخل ضمن اختصاص السلطة العليا، وهذا عيب شكلي آخر ينضم إلى قائمة العيوب الواردة في القرار المشكو منه، على اعتبار أن اعتماد السفراء يصدر بمرسوم لا بقرار عادي”.
وانطلاقًا من كل ما سبق، ومن الأحكام القانونية والدستورية، يكون قرار الوزير رجّي غير دستوري، صادر عن غير ذي صفة، وذلك عملًا بالفقرة 7 من المادة 53 من الدستور اللبناني التي نصّت: “يعتمد السفراء ويقبل اعتمادهم”، كما أنه لا يوجد نص قانوني يعطي وزير الخارجية أو أي مديرية عامة صلاحية قبول أو رفض اعتماد أو طرد سفراء.
كما أن قرار رجّي يشكّل افتقادًا للقوة السياسية والتنفيذية اللبنانية، وباطل بطلانًا مطلقًا وكأنه لم يكن، عملًا بالمادة 65 من الدستور اللبناني التي أناطت في فقرتها الأولى بمجلس الوزراء مجتمعًا (على رأسه رئيس الجمهورية) “وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات”.
أما على المستوى السياسي، فقد أشار عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب حسن فضل الله إلى أن “الجمهورية الإسلامية الإيرانية لا تتحدى الدولة اللبنانية، فهي إلى جانب الدولة والشعب اللبناني، وهكذا كانت منذ العام 1982 إلى يومنا هذا، ولكن الذي حصل هو أن هناك وزير أصدر قراراً باطلاً لا قيمة له، بمعزل عمن أوحى له من الداخل، فإن هناك ايحاءً خارجيا”.
وأوضح النائب فضل الله في حديث صحفي أن “هذا القرار لم يتم وفق الآليات الدستورية، ولم تأخذه الحكومة اللبنانية، ولا قيمة دستورية له وكأنه لم يكن، وهو لن يطبق، ولم يصدر أي موقف رسمي من الدولة اللبنانية يتبناه، علماً أن رئيس الجمهورية هو المعني المباشر، لأنه هو من يقبل اعتماد السفراء، وهو المرجع المسؤول عن هذا الأمر، والمعالجة تقع على عاتقه وعاتق رئيس الحكومة، وهناك من قال من السلطة اعتبروه مثل ضبط مخالفة سير لا يتم دفعه ولا تتم المطالبة به”.
وقال فضل الله “ليس بهذه الطريقة يتم التعاطي مع ايران ولا مع الطائفة الشيعية في لبنان التي لديها علاقات ثقافية ودينية مع ايران الدولة الاسلامية الشيعية الأولى في العالم ولا هكذا يتم التعاطي مع الرئيس نبيه بري، فهو التقى رئيس الجمهورية قبل يوم من صدور قرار وزير الخارجية، وبعدها تحدث رئيس المجلس مع الرئيس، ووضع هذا الموضوع عنده ليعالجه، ولكن لم يعالج، وقد قيل أن هناك رؤساء من الخارج اتصلوا، والعدو الإسرائيلي هنأ على هذا القرار، وتمت مقاطعة جلسة مجلس الوزراء، من أجل حث رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على المعالجة، علماً أنهما قالا بأنهما يفتشان عن المخرج، وبالتالي من ورطهم بهذه الورطة عليه أن يخرجهما منها، لأن السلطة في لبنان في ورطة الآن، ولا تستطيع أن تطبق قرارها لأنه غير دستوري”.
المصدر: موقع المنار
