السبت   
   04 04 2026   
   15 شوال 1447   
   بيروت 12:34

خاص | تحت ضغط الميدان.. تراجع في أهداف العدوان الإسرائيلي على لبنان من «نزع السلاح» إلى «إبعاد التهديد»

تكشف المعطيات السياسية والعسكرية المتراكمة منذ الأيام الأولى لتصعيد العدوان الإسرائيلي على لبنان عن تحوّل جوهري في طبيعة الأهداف المعلنة، في مسار يعكس فجوة متزايدة بين الطموحات الأولية والقدرات الفعلية على الأرض.

ففي بداية العمليات، ساد خطاب إسرائيلي مرتفع السقف تمحور حول نزع سلاح حزب الله بشكل كامل، بل وذهب في بعض الأوساط إلى طرح استخدام القوة العسكرية لإجبار الحزب على التخلي عن قدراته، باعتبار ذلك الهدف المركزي للعملية.

غير أن هذا الخطاب لم يعد حاضرًا بالصيغة نفسها في المرحلة الراهنة، إذ تشير أحدث التصريحات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي إلى أن «نزع سلاح حزب الله ليس هدف الحرب الحالية»، مع تركيز واضح على هدف أكثر محدودية يتمثل في إبعاد الحزب عن الحدود بعمق يقارب أربعة كيلومترات. ويأتي هذا التعديل مقرونًا بإقرار صريح بأن الهدف السابق بات «غير ممكن في الظروف الحالية»، وأن ما طُرح في بداية الحرب كان أقرب إلى الطموح منه إلى التقدير الواقعي للمعطيات الميدانية.

تحول تدريجي في الخطاب الإسرائيلي

ومع مرور الوقت، بدأت ملامح هذا التحول تتبلور بشكل أوضح في وسائل الإعلام العبرية والتصريحات العسكرية. فقد نقلت القناة 12 عن مصادر عسكرية أن الهدف لم يعد نزع سلاح حزب الله، بل بات يقتصر على إبعاده عن الحدود وتقليص التهديد المباشر.

كما أقرت إذاعة الجيش الإسرائيلي بأن تحقيق نزع السلاح في الظروف الراهنة غير ممكن، في اعتراف يعكس حجم الفجوة بين الأهداف التي طُرحت في بداية المواجهة وما أصبح قابلًا للتحقيق فعليًا.

هذا التراجع لم يقتصر على الخطاب الرسمي، بل امتد إلى التحليلات العسكرية داخل الكيان الإسرائيلي. فقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن تقديرات داخل الجيش أن تفكيك حزب الله يتطلب احتلالًا كاملًا للبنان، وهو سيناريو يحمل كلفة هائلة على المستويين البشري والعملياتي. وفي السياق نفسه، أكد المحلل العسكري في الصحيفة عاموس هرئيل أن الحسم الكامل غير واقعي دون حرب واسعة ومكلفة للغاية، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لحدود القوة العسكرية.

وتتقاطع هذه التقديرات مع آراء عدد من المحللين المرتبطين بالمؤسسة الأمنية، حيث يرى رون بن يشاي أن الأولوية أصبحت تقليص التهديد بدل القضاء عليه، فيما يشير ألون بن دافيد إلى أن الجيش يعمل ضمن قيود سياسية وعسكرية تفرض تعديل الأهداف وفق تطورات الميدان.

أما إيهود يعاري، فيلفت إلى صعوبة إحداث تغيير جذري في ميزان القوى مع حزب الله، ما يفرض اللجوء إلى حلول مرحلية بدلاً من الأهداف القصوى.

ولا تقتصر هذه القراءة على المحللين، بل تمتد إلى شخصيات كانت في صلب صناعة القرار، إذ أقرّ الجنرال المتقاعد يعقوب عميدرور، مستشار الأمن القومي السابق، بأن تحقيق نصر كامل على حزب الله هدف صعب، داعيًا إلى التركيز على أهداف واقعية، وهو ما يعكس تحولًا داخل المؤسسة الأمنية نفسها بعد اختبار الميدان.

وعلى المستوى الدولي، تتقاطع هذه الخلاصات مع قراءات عدد من الخبراء الغربيين. فقد أشار مايكل نايتس إلى أن القضاء الكامل على القدرات الصاروخية لحزب الله بالغ التعقيد، فيما لفت ديفيد إغناتيوس إلى وجود ضغوط متزايدة لتفادي حرب شاملة قد تتوسع إقليميًا، ما يعزز فرضية أن الخيارات العسكرية أمام الكيان الإسرائيلي باتت محكومة بسقف منخفض.

الأداء الميداني يفرض إعادة تعريف الأهداف

في المقابل، يظهر من مجريات الميدان أن قدرات حزب الله لا تزال فاعلة، وأن كلفة أي حرب شاملة تبقى مرتفعة، مع استمرار احتمال توسع المواجهة. هذه المعطيات فرضت واقعًا جديدًا، لم يعد فيه العدو قادرًا على تحديد أهدافه بحرية كما في بداية العمليات، بل بات مضطرًا للتكيف مع معادلات فرضها الأداء الميداني للمقاومة.

وفي هذا السياق، أشار العميد حسن جوني، الرئيس السابق لكلية الأركان في الجيش اللبناني، إلى أن التحول في تصريحات الجيش الإسرائيلي يعكس تراجعًا واضحًا في سقف الأهداف. فبعد أن كان الهدف المعلن تجريد حزب الله من سلاحه وإنهاؤه، بدأت هذه الأهداف بالتراجع تحت تأثير الأداء الميداني واستمرار قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ، مقابل عجز الجيش الإسرائيلي عن وقف هذه العمليات.

وأضاف جوني أن الجيش الإسرائيلي أظهر افتقارًا واضحًا إلى تحديد أهداف عسكرية دقيقة، مع تركيزه على ما يُسمّى بالأهداف المزعومة مثل البنى التحتية والمباني والجسور، ما يعكس محدودية القدرة على تحقيق إصابات نوعية مؤثرة.

تعثر العملية البرية وخيار المنطقة العازلة

على صعيد العمليات البرية، أشار العميد جوني إلى تسجيل خسائر رغم بطء المناورة الإسرائيلية والحذر الشديد في إدارة العمليات، إلى جانب الاعتماد المكثف على القوة النارية. ومع ذلك، برز تردد واضح انعكس في التراجع عن الهدف الأساسي، والتحول نحو هدف أقل يتمثل في محاولة تجريد حزب الله من سلاحه عبر مسارين: عسكري وسياسي.

وأوضح أن المسار السياسي يتضمن الضغط على الحكومة اللبنانية، من خلال ملفات عدة أبرزها نزوح السكان من منطقة واسعة جنوب نهر الليطاني، إلى جانب محاولة فرض واقع ميداني قائم على السيطرة بالنيران عن بُعد عبر الطائرات الحربية والمسيّرة، وتدمير القرى، تمهيدًا لإنشاء منطقة عازلة يتراوح عمقها بين خمسة وسبعة كيلومترات وفق طبيعة الجغرافيا.

وأشار إلى أن فلسفة هذه المنطقة تقوم على التدمير الواسع لسلسلة من القرى بهدف إفراغها من السكان وقطع طرق الإمداد، دون التوغل العميق نحو الليطاني، في ظل إدراك العدو لطبيعة الأرض واستعداد المقاومة، ما يجعل أي تقدم واسع محفوفًا بالخسائر.

كما لفت العميد جوني إلى أن الجيش الإسرائيلي يحتفظ بذاكرة ميدانية سلبية في هذه المناطق، ما يعزز حذره ويدفعه إلى تفضيل السيطرة بالنيران بدل الاحتلال المباشر، بالتوازي مع استمرار الضغط السياسي.

ويظهر هذا التحول أيضًا في تقليص الطموحات الميدانية، إذ تراجع الحديث عن منطقة عازلة تصل إلى الليطاني، ليُستبدل بطرح أكثر محدودية يقتصر على بضعة كيلومترات، ما يعكس انتقالًا من محاولة فرض واقع جديد إلى سياسة احتواء.

دلالات السماح بنشر مشاهد الخسائر

في سياق متصل، برز تحول لافت في سلوك الجيش الإسرائيلي من خلال السماح بنشر مشاهد توثق عمليات إخلاء الإصابات وحجم الدمار، رغم الرقابة الصارمة المعتادة.

ويطرح العميد حسن جوني احتمالين لتفسير ذلك: الأول أن المؤسسة العسكرية تسعى إلى توجيه رسائل غير مباشرة إلى المستوى السياسي حول كلفة العمليات وخطر التورط في المستنقع اللبناني، بما يعكس عدم رضا ومحاولة للتأثير على القرار.

أما الاحتمال الثاني، فيرتبط بإمكانية تسرب هذه المشاهد عبر جهات غير رسمية، ما دفع الجيش إلى نشرها استباقيًا لتفادي تداعيات إعلامية أكثر حرجًا.

وفي السياق ذاته، قدّم الجيش الإسرائيلي، خلال عرض ميداني لصحفيين، معطيات تفيد بأن تجريد حزب الله من سلاحه يتطلب اجتياحًا كاملًا للبنان، وهو خيار ينطوي على مخاطر كبيرة وتعقيدات واسعة، ما يُفهم كرسالة إضافية حول حدود القدرة العسكرية وكلفة التصعيد.

خلاصة.. تحول الأهداف تحت ضغط معادلة الردع

بالمحصلة، يُظهر مسار العدوان تحولًا واضحًا في مراحله، حيث بدأ بأهداف قصوى تمثلت بالقضاء على حزب الله، ثم انتقل إلى هدف نزع سلاحه، ليصل اليوم إلى هدف أكثر محدودية يقتصر على إبعاده بضعة كيلومترات عن الحدود. وتؤكد المعطيات، كما تعكسها وسائل إعلام العدو وتصريحات مسؤوليه ومحلليه، أن هذا التحول لا يمكن فصله عن واقع ميداني فرض قيوده بشكل مباشر.

وعليه، فإن ما يجري لا يندرج في إطار تعديل خطابي تدريجي فحسب، بل يعكس تحولًا فعليًا في طبيعة الأهداف تحت تأثير معادلة ردع تشكّلت على الأرض، حيث بات الكيان الإسرائيلي مضطرًا للتخلي عن سقف طموحاته الأولية، والانتقال إلى أهداف أدنى تتناسب مع ما أصبح ممكنًا تحقيقه في ظل توازنات الميدان.

المصدر: موقع المنار