السبت   
   18 04 2026   
   29 شوال 1447   
   بيروت 23:22

التفاوض المباشر مع العدو الصهيوني.. من مخالفة الدستور إلى “شبهة الخيانة العظمى”

جاءت مبادرة رئيس الجمهورية اللبنانية جوزيف عون للتفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي، لتطرح الكثير من التساؤلات وعلامات الاستفهام ليس فقط من ناحية فقدانها للشرعية الوطنية والسياسية، بل أيضًا على مستوى فقدانها لأي أساس قانوني سليم يجعلها قادرة على الصمود أمام الحجج الدامغة التي يسوقها أصحاب الرأي الدستوري والقانوني السليم والوطني.

ومن الممكن تعداد العديد من النقاط التي تؤكد فقدان مشروعية المبادرة التفاوضية مع العدو، منها:

-التوقيت المريب الذي طُرحت فيه بظل عدوان صهيوني واسع على لبنان.
-الحجج السطحية التي حاول أصحاب المبادرة اعتمادها في تسويقها.
-محاولة الإيحاء أن التفاوض (وهو باب للوصول إلى ما هو أسوأ مع العدو التاريخي للبنان والأمة) هو الحل السحري للأزمة اللبنانية التاريخية خاصة الاعتداءات الإسرائيلية واحتلال الأرض والتهديد المستمر منذ عشرات السنوات.
-الترويج للثقة بوعود أميركية إسرائيلية بدون أي ضمانات حقيقية وبدون وجود ضامن موثوق يردع العدو من تفلته المعتاد من الموجبات المفروضة عليه ومن انتهاكه المتواصل للقوانين والمواثيق الدولية.
-اعتماد لغة توحي أن غالبية اللبنانيين تؤيد التفاوض المباشر مع العدو، علمًا أن الواقع مغاير تمامًا لما يروجون له، فغالبية اللبنانيين من كل المكونات والطوائف يرفضون التواصل المباشر مع العدو أو يرفضون التفاوض مع العدو تحت النار بما يشكل استسلامًا واضحًا أمام شروط العدو، مع التأكيد أن غالبية اللبنانيين يعتبرون “إسرائيل” عدوًا.

وبعد توضيح فقدان الشرعية السياسية الوطنية للمبادرة التفاوضية المباشرة مع العدو، يمكن الانتقال لتوضيح القيمة القانونية لهذه المبادرة، فهل يمكن اعتبار هذه الدعوة قانونية في ظل نصوص الدستور والقوانين المختلفة في لبنان أم أن الأمر يشكل انتهاكًا فاضحًا لهذه النصوص؟ وهل يحق لشخص رئيس الجمهورية اتخاذ قرار فردي والانطلاق بالتفاوض مع عدو يحتل أرضه ويقتل شعبه ويدمر القرى والبلدات ويستبيح العاصمة بيروت ومختلف المناطق؟ هل يحق لشخص، أيا كانت صفته، أن يقرر تغيير صفة جهة كعدو للبنان بقرار فردي منه؟ ألا يوجد موانع قانونية تقف بوجه هذا التفرد بالرأي من قبل السلطة؟ أليس من الواجب العودة للشعب أو مجلس النواب الذي يمثله في تقرير مسائل جوهرية وحساسة إلى هذه الدرجة؟

حول كل ذلك قال الخبير الدستوري الدكتور جهاد إسماعيل في حديث خاص لموقع “قناة المنار” الإلكتروني إن “المادة 52 من الدستور منحت رئيس الجمهورية حق التفاوض في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، إلا أن هذا الحق ليس مطلقًا، إنما مقيّدًا بحدود المادة 50 من الدستور التي أقسم رئيس الجمهورية بموجبها على احترام القوانين ومن بينها قانون مقاطعة إسرائيل”، وأضاف أن “هذا أمر لا ينتقص من نطاق السيادة، بل يأتي تطبيقًا له، بدليل أن المجلس الدستوري، في قرار رقم 2/2002، اعتبر أن السلطة المشترعة في سنّها للتشريعات إنما تمارس السيادة الوطنية، بحيث عندما أقر مجلس النواب قانون مقاطعة إسرائيل فهو مارس عملًا سياديًا في تحديد العدو”.

ولفت إسماعيل إلى أن “أي إرادة جديدة في مخالفة هذا التشريع تستوجب تعليقًا جديدًا للقانون، لأن الاحتجاج بدستورية هذا القانون لجهة أنه ينتقص من الحق الدستوري الممنوح لرئيس الجمهورية مثلًا يبقى خارجًا عن المنطق، لكونه لم يعد قابلًا للطعن أمام المجلس الدستوري، بدليل أن الفقرة (ط) من مقدمة الدستور اللبناني أكدت مبدأ سيادة القانون، أي في الخضوع للقوانين من قبل الحاكم والمحكومين، ولا يجوز للحاكم، وفق هذا المبدأ، التنصل من أحكامه إلا بموجب نص صريح يحدد فئة المنتمين للقانون وكذلك الخارجين عن أحكامه”.

وهنا قد يُطرح تساؤل حول المقصود بـ”الشخص المعنوي” الذي قصده قانون “مقاطعة إسرائيل”، خاصة مع وجود رأي قانوني يدّعي أن هذا القانون لا يشمل الدولة، بل يشمل الأفراد والشركات فقط بمقتضى الجملة الآتية من المادة الأولى من القانون المذكور: “يُحظر على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد اتفاقًا مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل..”، وبالتالي لا يجوز مطالبة الدولة اللبنانية بتطبيق قانون كهذا لأن الشخص المعنوي المقصود بهذه المادة هو الشركات والجمعيات وما شاكل.

وحول ذلك، قال الدكتور إسماعيل إن “هذا التفسير يحمل مغالطة صارخة في السياق التاريخي والقانوني للأشخاص المعنويين”، ولفت إلى أن “فكرة الشخصية المعنوية تبلورت مع التشريع الروماني حيث اقترنت بالدولة إبان تطور مفهوم الدولة الحديثة كأثر على تمييز الدولة كشخص معنوي مستقل عن شخص الملك الذي كان يُمسك على كل مقاليد السلطات، وبهدف إقامة الدعاوى للحفاظ على المال العام، إلى أن جرى استنساخها في مجال الجمعيات والتجمعات التجارية، أي في ميدان القانون الخاص”، وأضاف “ما يعني أن هذه الفكرة أصيلة في القانون العام لا الخاص، وبالتالي صار ممكنًا بعد هذا التطور أن يتوزع الشخص المعنوي إلى قسمين: شخص معنوي عام (الدولة والبلديات والمؤسسات العامة) وشخص معنوي خاص (الشركات والجمعيات والنقابات)”.

وأوضح إسماعيل أن “نظام مجلس شورى الدولة يميّز، وهو القانون المنفذ بمرسوم، بين الشخص المعنوي من القانون العام والشخص المعنوي من القانون الخاص، ويظهر هذا التمييز في المادة 93 من خلال عبارة: (على الشخص المعنوي من القانون العام أن ينفذ الأحكام القضائية…)، ليترجم مجلس شورى الدولة هذا التمييز في العديد من القرارات ومن بينها قرار رقم 576/2006 لجهة التمييز بين الشخص المعنوي في القانون العام وبين الشخص المعنوي في القانون الخاص في إطار المصلحة في الادعاء”، وأضاف “ما يعني أن المادة الأولى من قانون مقاطعة إسرائيل عندما ذكرت عبارة (شخص معنوي) فجاء ذلك على إطلاقه، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يتم التقييد بنص أو دلالة، بحيث إن هذا يشمل الأشخاص المعنويين في القانون العام والقانون الخاص، وإلا لو كان المشرّع أراد على خلاف ذلك فكان قد حصر ذلك ضمن دائرة الخاص أو العام”.

يُضاف إلى كل ذلك أن قانون العقوبات اللبناني في المواد من 273 إلى 300 منه يجرّم أي تواصل أو تعامل مع العدو، ويفرض عقوبات مختلفة، والجريمة تبقى جريمة أيا كان فاعلها ولا يغير وصفها الأسلوب الذي تُطرح به أو شكله أو الضخ الإعلامي الذي يرافقها أو الحجج التي تُساق لتبريرها، وبالتالي من يريد أن يغير الوصف الجرمي لأفعاله أن يذهب إلى مجلس النواب ويعدّل القوانين المعمول بها.

وبالسياق، نشر مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير(يوفيد) دراسة أعدها الدكتور عبد الله بدوي طرحت تساؤلات مشروعة حول “شبهة الخيانة العظمى في سلوك السلطة اللبنانية في التفاوض المباشر مع العدو”، وخلصت الدراسة إلى أنه بعد استعراض القانون والوقائع والظروف والنتائج، إلى جواب واضح بأن “الشبهة قائمة”، وأضافت “حين تتصل السلطة مباشرة بالعدو داخل إطار قانوني يجرّم ذلك في الأصل، وحين تستمر بعد أن يسقط شرطها الأول علنًا (وقف إطلاق النار)، وحين تعطل أوراق قوة كان يمكن أن تجعل التفاوض ندّيًا أو تمنعه حتى تتغير الشروط، وحين يخرج العدو نفسه ليقول إنك على نفس الجانب معه، فإن الحد الأدنى من الوصف لا يعود سوء تفاوض أو براغماتية فاشلة، الحد الأدنى يصبح: سلوك رسمي يضع نفسه داخل دائرة الاشتباه الأعلى”، وختمت “لهذا، فإن السؤال لم يعد: هل يجوز طرح شبهة خيانة عظمى؟ بل: كيف يمكن، أمام كل هذه الوقائع، ألا تُطرح؟”.

المصدر: موقع المنار