الخميس   
   23 04 2026   
   5 ذو القعدة 1447   
   بيروت 22:06

الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان تتحدى القانون الدولي.. كيف تتحول إلى قضية رأي عام عالمي؟

يواصل العدو الإسرائيلي خرق كل التعهدات والالتزامات المفروضة عليه، في انتهاكه للقوانين والمواثيق الدولية والتأكيد أن لا عهد لهذا الكيان، فالعدو لم يلتزم في نيسان/إبريل 2026 بوقف إطلاق النار في لبنان ويعمد إلى تدمير كل معالم الحياة في المنطقة الحدودية اللبنانية مع فلسطين المحتلة، كما انتهك اعلان وقف إطلاق النار الذي حصل في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وكما فعل قبلها في العدوان الصهيوني على غزة بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

فالعدو الإسرائيلي في القرى الحدودية اللبنانية الأمامية أو في ما يحاول ترسيخه في عقول الناس بما يسميه منطقة “الخط الأصفر”، يدمّر البُنى التحتية وكل المرافق الصحية والخدماتية والإدارية والتعليمية الرسمية والخاصة، كما يقوم العدو بنسف المنازل والأماكن السكنية وصولًا إلى إحراق الأحراش والإضرار بالمناطق الخضراء (وسابقًا قام العدو برش المبيدات على هذه المناطق في تعمّد للإضرار بالبيئة)، ويعمد العدو إلى تدمير ونسف دور العبادة والمساس بالرموز الدينية، كما حصل في تحطيم مجسّم للسيد المسيح (ع) في بلدة دبل وغيرها من الممارسات، ناهيك عن استهداف المدنيين العزّل ومنعهم من العودة إلى قراهم وقصف الفرق الإسعافية والإغاثية.

فكيف يتم تصنيف كل هذه الانتهاكات في ظل القانون الدولي؟ بمعنى آخر، ما هو الوصف القانوني لهذه الممارسات الإسرائيلية؟ وهل بالإمكان ملاحقة كيان العدو وقادته عن كل هذه الجرائم التي تُرتكب في جنوب لبنان؟ وما الذي يجب على الدولة اللبنانية أن تفعله في مواجهة هذه الجرائم لا سيما أمام المنظمات الدولية والحقوقية؟

حول ذلك، قال عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية سابقًا الدكتور كميل حبيب في حديث خاص لموقع “قناة المنار” الإلكتروني “بعد كل ما قام به العدو الإسرائيلي من غزة إلى لبنان، لا شيء اليوم اسمه القانون الدولي لأن العدو انتهك كل شيء في هذا القانون، حيث تم انتهاك القانون الدولي الإنساني وقانون الحرب وكل المواثيق الدولية وارتُكبت جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بدون أن نرى أي تحرّك دولي فعلي لردع العدو”، ولفت إلى أن “المحكمة الجنائية الدولية سبق أن أصدرت مذكرة توقيف بحق نتانياهو ووزير حربه، فمن الذي طبّقها؟ لا يوجد أي تطبيق..”.

وأضاف حبيب “كل ما تقوم به إسرائيل يُعدّ مخالفًا لقواعد القانون الدولي من التهجير إلى التدمير ونسف المنازل واستهداف الصحافيين وفرق الإسعاف…”، وتابع “لكن الآن يُطرح سؤال مع ارتفاع الأصوات: هل نبقى ضمن إطار القانون الدولي ونتمسّك بالحقوق التي يضمنها أم نقول إن القانون قد انهار بالكامل؟”، وأضاف “نحن حاليًا نوثّق انتهاكات القانون الدولي، وهذا صحيح، فما يجري اليوم ستكون له آثار مستقبلية، وقد يؤثر في المزاج والرأي العام الدولي، الذي بدأ يتغيّر في بعض الجوانب، حتى داخل الولايات المتحدة”.

أما من حيث تصنيف الجرائم المرتكبة من قبل العدو الإسرائيلي، قال حبيب “هي أولًا جرائم حرب، وثانيًا جرائم ضد الإنسانية، وهناك أيضًا جرائم عدوان”، وأضاف “فيما يتعلق بالإبادة، فإن ما حدث في غزة يمكن اعتباره إبادة بحق الشعب الفلسطيني وفق القانون الدولي، أما في لبنان، لا يمكن استبعاد ذلك، خاصة في ظل غياب الضوابط باستهداف المدنيين، بما في ذلك الطواقم الصحافية والإسعافية، إضافة إلى استهداف الأطفال والمناطق السكنية، كما في الضربات التي طالت بيروت”، وأكد “ما يجري قاسٍ ومؤلم، لكنه يكشف في المقابل عن صمود كبير، وعن عمل إنساني وتضحيات كبيرة تُسجّل في هذا السياق، ورغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا، مع الإقرار بحجم التحديات والضغوط”.

من جهته، قال الباحث في العلاقات الدولية الدكتور علي مطر إن “ما نشهده يمكن توصيفه قانونيًا ضمن إطار القانون الدولي الإنساني بوصفه انتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب، وفي بعض الحالات تصل إلى جرائم ضد الإنسانية إذا ثبت أنها تُرتكب بشكل واسع النطاق أو منهجي”، وأضاف “وفق اتفاقيات جنيف، هناك مبدأ أساسي يُعرف بـ(مبدأ التمييز)، والذي يفرض على أطراف النزاع التمييز بين المدنيين والمقاتلين، وبين الأهداف المدنية والعسكرية”، ولفت إلى أن “استهداف المدنيين أو قصف البنى التحتية كالمستشفيات والمدارس أو استهداف فرق الإسعاف أو تدمير المنازل والقرى، كلها تُعد خروقات صريحة لهذا المبدأ”، وأضاف “كذلك، فإن التدمير الواسع للممتلكات دون ضرورة عسكرية، ومنع السكان من العودة إلى مناطقهم، يدخل ضمن الأفعال المحظورة، وهذه الأفعال مصنّفة بشكل واضح في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية كجرائم حرب”.

وقال مطر في حديث خاص لموقعنا “من الواضح أن هذه الأفعال من قبل العدو الإسرائيلي تُنفّذ ضمن سياسة عامة أو بشكل منهجي ضد السكان المدنيين، لذا فإننا أمام توصيف أخطر، وهو جرائم ضد الإنسانية، مثل التهجير القسري أو الاضطهاد، إضافة إلى ذلك، فإن استهداف البيئة، كإحراق الأحراش أو استخدام مواد مضرّة، يُعد خرقًا لقواعد حماية البيئة أثناء النزاعات المسلحة المنصوص عليها في البروتوكول الإضافي الأول”.

وحول إمكانية ملاحقة “إسرائيل” أو قادتها قانونيًا عن هذه الجرائم، قال الدكتور مطر “نظريًا، نعم، هناك عدة مسارات قانونية، لكن عمليًا الأمر معقّد بسبب العوامل السياسية، للأسف هناك المعايير المزدوجة والمنع الأميركي لذلك بالسيطرة على الوكالات الدولية لحماية جنوده وحماية الكيان الإسرائيلي”، وأوضح “قانونيًا المسار الأول هو عبر المحكمة الجنائية الدولية، التي تختص بمحاكمة الأفراد المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، لكن الإشكالية تكمن في أن إسرائيل ليست طرفًا في نظام روما، ما يقيّد الاختصاص القضائي”، ولفت إلى أنه “مع ذلك، يبقى هناك احتمالان: إما أن يقبل لبنان اختصاص المحكمة بشكل خاص، أو أن يُحال الملف من قبل مجلس الأمن، وهذا الخيار يصطدم عادةً بالعوائق السياسية، خصوصًا استخدام حق النقض (الفيتو)”.

وأشار مطر إلى أن “المسار الثاني هو الاختصاص القضائي العالمي، حيث يمكن لبعض الدول محاكمة مرتكبي جرائم الحرب بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة، وقد استُخدم هذا المسار فعليًا في قضايا دولية عدة”.

وتابع الدكتور مطر “أما على مستوى الدول، فيمكن للبنان التوجّه إلى محكمة العدل الدولية، لمقاضاة إسرائيل أو عبر رفع دعاوى من دول أخرى ضدها إذا كانت تشكّل جريمة إبادة، والمطالبة بإثبات الانتهاكات والحصول على تعويضات”.

وعن الدور الذي يجب على الدولة اللبنانية أن تقوم به في مواجهة هذه الجرائم، قال مطر “الدولة اللبنانية أمام مسار مركّب يجب أن يجمع بين القانون والسياسة والدبلوماسية”، ورأى أن “أولًا، الأولوية المطلقة يجب أن تكون للتوثيق المنهجي للانتهاكات، وفق معايير دولية معتمدة، بالتعاون مع جهات مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة لأن أي تحرّك قانوني لاحق يعتمد بشكل أساسي على قوة الأدلة”، وتابع “ثانيًا، يجب تفعيل الحضور اللبناني في مجلس الأمن الدولي عبر تقديم شكاوى رسمية متكررة، حتى لو لم تؤدِّ إلى قرارات ملزمة، لأنها تساهم في بناء سجل قانوني دولي موثّق”، ولفت إلى أنه “ثالثًا، يمكن اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، واستخدام آليات مثل (الاتحاد من أجل السلام)، لتجاوز الجمود في مجلس الأمن، واستصدار قرارات ذات وزن سياسي وأخلاقي”، وأضاف “رابعًا، ينبغي فتح مسارات قانونية دولية، سواء عبر المحكمة الجنائية الدولية، أو دعم دعاوى أمام محكمة العدل الدولية”، وأوضح “خامسًا، لا يقل أهمية عن ذلك تدويل القضية إعلاميًا وحقوقيًا، عبر التعاون مع منظمات دولية، لتحويل هذه الانتهاكات إلى قضية رأي عام عالمي، وليس مجرد نزاع محلي”.

واعتبر الدكتور مطر “لكن مع كل ذلك للأسف فإن التحدي الحقيقي ليس في توصيف الجريمة، بل في إرادة المجتمع الدولي في المحاسبة، وهو أمر يرتبط بتوازنات القوى أكثر مما يرتبط بالنصوص القانونية، وبالتالي لا شيء ينفع حاليًا مع العدو الإسرائيلي إلا القوة والثبات والمقاومة”.

المصدر: موقع المنار