السبت   
   02 05 2026   
   14 ذو القعدة 1447   
   بيروت 11:01

قرارات ترامب تتحول إلى عبء اقتصادي وغضب شعبي داخل الولايات المتحدة

لم تعد الحرب التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران مسألة جيوسياسية بعيدة عن المواطن الأميركي، بل تحوّلت تدريجيًا إلى أزمة معيشية يومية تتسلل إلى محطات الوقود وفواتير الغذاء وتفاصيل الحياة البسيطة. ومع كل يوم تستمر فيه هذه الحرب، تتكشّف كلفة اقتصادية أعمق، وتتزايد معها حالة غضب شعبي لم تعد تخفى على أحد.

تشير تقارير وكالة «رويترز» إلى أن الشرارة الأولى لهذه النقمة انطلقت من مضخات البنزين، حيث ارتفعت الأسعار إلى نحو أربعة دولارات للغالون، بعدما أدّت الحرب إلى تعطّل جزء كبير من تجارة النفط العالمية، خصوصًا مع التوتر في طرق الإمداد الحيوية.

ولم يُقرأ هذا الارتفاع كرقم اقتصادي عابر، بل كضربة مباشرة لجيوب المواطنين، وهو ما انعكس بوضوح في استطلاع أجرته «رويترز» بالتعاون مع «إبسوس»، حيث حمّل نحو 77% من الأميركيين ترامب مسؤولية ارتفاع الأسعار.

هذا الغضب لم يكن محصورًا بفئة سياسية معينة، بل امتد ليشمل حتى جزءًا من القاعدة الجمهورية نفسها، في مؤشر نادر على أن الأزمة الاقتصادية تجاوزت الانقسام الحزبي وأصبحت قضية معيشية ضاغطة. ومع استمرار الحرب، لم يعد السؤال لدى المواطنين متعلقًا بأهدافها أو نتائجها، بل بكلفتها اليومية: كم سيدفعون أكثر؟ وإلى متى؟

ولم تتوقف التداعيات عند أسعار الوقود، بل سرعان ما امتدت كسلسلة مترابطة إلى مجمل الاقتصاد. فبحسب تقارير «رويترز»، أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى زيادة تكاليف النقل والإنتاج، ما انعكس بدوره على أسعار السلع الأساسية والخدمات، ضمن دورة تضخمية تطال مختلف المنازل. ومع تجاوز أسعار الديزل مستويات مرتفعة، ارتفعت كلفة نقل الغذاء والمواد الأساسية، ما يعني أن الحرب لا تُخاض فقط في الخارج، بل تُدفع فاتورتها في كل متجر وكل منزل.

في موازاة ذلك، بدأت مؤشرات الثقة الاقتصادية تتراجع بشكل لافت. فعلى الرغم من الخطاب الرسمي الذي يروّج لاقتصاد «مزدهر»، أظهرت بيانات «رويترز» أن غالبية الأميركيين لا تشارك هذا التفاؤل، إذ يرى نحو 70% أن الاقتصاد ليس في حالة جيدة، فيما يعتبر 82% أن التضخم يمثل مصدر قلق أساسي. والأكثر دلالة أن ثقة المستهلكين سجّلت تراجعًا ملحوظًا، مع توقعات بارتفاع الأسعار خلال الفترة المقبلة، ما يعكس حالة قلق جماعي من المستقبل الاقتصادي.

ومع استمرار الحرب، تتعمّق هذه الأزمة لتأخذ بعدًا عالميًا ينعكس مجددًا على الداخل الأميركي. فقد تجاوزت أسعار النفط العالمية مستويات مرتفعة، وسط مخاوف من استمرار الاضطراب في الإمدادات، وهو ما يهدد بمزيد من الضغوط على الاقتصاد. ويؤكد هذا الترابط بين الخارج والداخل صعوبة فصل القرار العسكري عن نتائجه الاقتصادية، حيث إن أي تصعيد إضافي يترجم سريعًا إلى أعباء جديدة على المواطن.

وإذا كانت الكلفة الاقتصادية قد بدأت تثقل كاهل الأميركيين، فإن انعكاسها السياسي يبدو أكثر وضوحًا في تحوّل المزاج العام تجاه الحرب. فبحسب استطلاع أجرته «رويترز» بالتعاون مع «إبسوس»، لم يعد الغضب الشعبي مقتصرًا على الأسعار، بل امتد ليطال جوهر القرار السياسي نفسه، إذ أظهر الاستطلاع أن نحو 58% من الناخبين باتوا أقل ميلًا لدعم المرشحين الذين يؤيدون نهج دونالد ترامب في الحرب، في إشارة واضحة إلى تراجع القبول الشعبي لهذا المسار.

ولا يقتصر هذا التحوّل على المعارضين التقليديين، بل يمتد أيضًا إلى داخل القاعدة التي شكّلت سابقًا ركيزة الدعم لترامب، حيث أظهرت البيانات أن شريحة من الناخبين الجمهوريين أنفسهم بدأت تعبّر عن قلقها من تداعيات الحرب الاقتصادية. ويعكس هذا التراجع في الدعم حالة استياء متنامية ترتبط مباشرة بتكاليف المعيشة والضغوط اليومية.

في المحصلة، تكشف هذه المعطيات أن الحرب التي انطلقت بقرار سياسي وعسكري عادت لتضغط على الداخل الأميركي بصورة قاسية. فارتفاع الأسعار، وتراجع الثقة، واتساع دائرة القلق، كلها مؤشرات على أن الكلفة الحقيقية للحرب لا تُقاس فقط بما يحدث في ساحات القتال، بل بما تتركه من أثر مباشر في حياة المواطنين اليومية. وبينما تستمر العمليات، يبدو أن الفاتورة الأكبر لا تُدفع في الخارج، بل تُسدد بصمت داخل كل بيت أميركي.

المصدر: موقع المنار