الأربعاء   
   13 05 2026   
   25 ذو القعدة 1447   
   بيروت 17:54

مفاوضات لبنان 2026: حين تصبح الشورى ضرورة سيادية

يقول الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام: “من استبدَّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها”

لا تبدو هذه الحكمة مجرد موعظة أخلاقية عابرة، بل تكاد تختصر جوهر اللحظة اللبنانية الدقيقة في عام 2026، حيث يقف لبنان أمام مفاوضات شديدة التعقيد تتداخل فيها الحسابات الأمنية بالضغوط الدولية، وتتشابك فيها الاعتبارات السيادية مع الأزمات الاقتصادية والسياسية الداخلية.

ففي القضايا المصيرية،يجب امتلاك أوراق القوة الميدانية مع توفر القرار الوطني الموحد، ولا تنفع كثرة الوسطاء إذا بقي الداخل اللبناني أسير الانقسام والتجاذب. هنا تحديدًا تستعيد مقولة الإمام عليّ معناها السياسي العميق: فالرأي المنفرد، مهما بدا واثقًا، قد يقود إلى الهلاك، بينما تصنع الشراكة الوطنية قدرةً أكبر على حماية الحقوق وانتزاع المكاسب.

إن أبرز ما يحتاجه لبنان اليوم هو تجسيد عملي لفكرة “مشاركة العقول”، عبر بناء موقف تفاوضي موحد يجمع الرئاسات والقوى السياسية حول ثوابت سيادية واضحة، تبدأ بالتمسك بكل شبر من ارض لبنان والحقوق القانونية، ولا تنتهي برفض أي تفاوض يُفرض تحت ضغط النار أو الحاجة الاقتصادية. فالتفاوض الناجح لا يقوم على ردود الفعل، بل على رؤية وطنية جامعة تمنع تحويل الانقسام الداخلي إلى نقطة ضعف على الطاولة الدولية.

كما أن الحكمة التي اطلقها الامام علي لكل زمان، تكتسب بعدًا إضافيًا في ظل محاولات استغلال الأزمة الاقتصادية اللبنانية لفرض معادلة “الاستقرار مقابل التنازل”. فالدول التي تُدار بعقلٍ واحد أو بإرادةٍ خاضعة للضغوط الخارجية تصبح أكثر عرضة للتفريط التدريجي بحقوقها. أما حين تتسع دائرة القرار، وتتقاطع الرؤى الوطنية حول الأولويات الكبرى، يصبح من الصعب تمرير حلول تنتقص من السيادة أو تفرض وقائع دائمة تضرّ بالمصلحة الوطنيّة وتفرّط بإنجازات الميدان.

وفي المقابل، فإن “الشورى” بالمعنى السياسي الحديث نص عليها اتفاق الذائع بصيغته التوافقية ولا تعني إغراق القرار بالتعطيل، بل تعني إنتاج توافق يحصّن المفاوض اللبناني ويمنحه شرعية داخلية أوسع. فالميدان، مهما حقق من توازن وردع، يحتاج في النهاية إلى غطاء سياسي وقانوني يحول الإنجاز العسكري إلى مكسب دبلوماسي دائم.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى مقاربة لبنانية تُحسن الجمع بين عناصر القوة الواقعية والانفتاح على تعددية الحلفاء والوسطاء، بعيدًا عن الارتهان لمسار دولي واحد. فالتوازن في العلاقات الدولية، كما التوازن في الداخل، يشكلان عنصر حماية لأي دولة صغيرة تواجه ضغوطًا كبرى.

إن حكمة الإمام عليّ لا تتحدث فقط عن فضيلة الاستشارة، بل عن فلسفة حكم كاملة: فالدول لا تُبنى بالعناد السياسي، ولا تُحمى بالقرارات المنفردة، بل بقدرتها على جمع العقول حول المصلحة الوطنية العليا. وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، قد يكون أخطر ما يواجه لبنان ليس قوة خصومه فحسب، بل احتمال أن يدخل مفاوضاته منقسمًا، فيخسر بالتشتت ما لم يخسره في الميدان.

وللأسف نسمع في لبنان من يقول بأن، ليس هناك من فائدة من مشورة الثنائي المقاوم في لبنان لأنّ حزب الله يقدم الطّرح الذي يناسبة فقط بعيدا عن مراعاة ما يريده اللبنانيون المعارضون لنهجه ومساره. وهذه مغالطة كبرى، لا تهدف إلا إلى التفرقة وتعزيز النزعة الإنعزاليّة مدفوعة بمنطق الانهزام أمام العدو. في حين إنّ حقيقة الأمر هي في العودة إلى منطق الشراكة والفاعليّة. فالمقاومة والتي يمثّلها الثنائي الشيعي وقوى وطنية اخرى، شريك أساسيّ في هذا الوطن، وفاعل مهم ولا يمكن تجاوزه في الأحداث المصيريّة. فهي التي ترسم معادلات الميدان، وهي التي ترسم أطر التفاوض الذي يجب أن تأتي الدبلوماسيّة وتستثمر ” الاقتدار الميداني” لخلق معادلة الاستقرار المتبادل وتحصين الجبهة الداخلية بدلا من التفرّد وقراءة مصلحة لبنان من زاوية ضيقة.

أخيرا، إن قوّة لبنان التفاوضيّة تكمن في الإفادة الكبرى من طرح ايران لملف لبنان كبند أساسي على طاولة المفاوضات الأمريكيّة – الايرانية، وفي منع العدو من تحقيق ما عجز عنه في الميدان من مكاسب، وفي الحفاظ على صورة لبنان الممانع، الرافض للاحتلال والتوحّش الصهيوني.

المصدر: موقع المنار