الأربعاء   
   27 05 2026   
   10 ذو الحجة 1447   
   بيروت 09:48

عقلانية خيار مواجهة الهيمنة الأميركية.. الاستقلال الاستراتيجي في عالم ما بعد الأحادية القطبية

احمد نصار

يُطرح في لبنان خطابٌ في بعض الأوساط السياسية أن أي محاولةٍ لمواجهة النفوذ والهيمنة الأميركية ليست سوى مغامرة غير عقلانية. طبعًا هذا الطرح ليس جديدًا أو الأول من نوعه، إذ دائمًا ما كان يُطرح هذا الخطاب بالحد الأدنى منذ الثمانينات مرورًا بحرب تموز 2006 إلى اليوم.

ويُصوِّر هذا الخطاب أن ما تقوم به قوى المقاومة في لبنان والمنطقة في مواجهة النفوذ الأميركي والإسرائيلي في المنطقة، وكذلك في محاولة فرض إرادة لبنانية على الساحة الإقليمية التي تملؤها المطامع بالثروات والنفوذ والاستيطان، ليس سوى عملية انتحارٍ مجنونة. ويطرح أصحاب هذا الخطاب بديلًا آخر عن المقاومة، ألّا وهو الدبلوماسية القائمة على علاقات لبنان مع دول أخرى، وانسجام الدولة بالكامل مع ما تريده الولايات المتحدة، وهذا ما يُقال صراحةً من بعض المسؤولين والإعلاميين في لبنان، وهي ما سُمِّيت بسياسة “البكاء عند الأميركيين” باعتبارها “دولةً صديقةً للبنان” كوننا لا نملك أي عنصر قوة.

ويُروِّج معارضو فكرة المقاومة أن خيار المواجهة هو أمرٌ خارج عن الطبيعة، مستدلين بالكلفة التي يدفعها لبنان حين يحاول الخروج عن ارادة الولايات المتحدة

إلّا أن الواقع هو على نقيض ما يطرحه هؤلاء تمامًا. فإذا نظرنا إلى التاريخ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وافترضنا أن الولايات المتحدة هي الجهة الوحيدة التي تسعى إلى فرض الهيمنة على العالم سواء بالحرب العسكرية أو بالحرب الناعمة والعقوبات والحصار الاقتصادي، سوف نرى بوضوح أن حركة الممانعة ورفض التبعية والصمود السيادي في وجه الولايات المتحدة، من أجل الاستقلال الاستراتيجي-السياسي والسيادة القرارية أو بالحد الأدنى من أجل الحصول على هامش قرار، كان أمرًا طبيعيًا وعقلانيًا بالكامل انخرطت فيه معظم دول العالم ولو بأشكال مختلفة ومتفاوتة، الأمر الذي ساهم في تسريع تآكل الأحادية القطبية.

فقد كانت الولايات المتحدة تمتلك بالكامل التفوق العسكري، المالي والتكنولوجي؛ وتؤثر بشكل كبير على القوانين والمؤسسات الدولية وتحدد قواعد اللعبة المالية والاقتصادية. أما اليوم فالعالم يتغير، إذ لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الأول والوحيد في العالم الجيوسياسي، بل أصبحت قوى النفوذ موزعة على عدة مراكز أبرزها الصين، روسيا، واتحاد البريكس. ويعود ذلك إلى التقدم في التكنولوجيا والطاقة في دول العالم، وفي شرق آسيا تحديدًا، وتراجع قدرة الولايات المتحدة على السيطرة المطلقة، إذ لم تعد قادرة على فرض إرادتها بالشكل الذي كانت عليه في تسعينات القرن الماضي.

وبعيدًا عن إيران وقوى المقاومة في المنطقة، فإن الدول والجهات التي لم تأخذ خيار الرضوخ للإرادة الأميركية كثيرة. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

فيتنام التي هزمت التدخل العسكري الأميركي المباشر في حرب استنزاف طويلة استمرت 8 سنوات، قدمت فيها فيتنام ملايين الشهداء، لكنها نجحت في توحيد شطري البلاد وفرض سيادتها عام 1975، لتصبح اليوم قوةً اقتصاديةً صاعدة تدير علاقات متوازنة مع القوى الكبرى دون ارتهان.

ماليزيا، رفضت شروط صندوق النقد الدولي خلال الأزمة الآسيوية عام 1997، ووضعت بقيادة مهاتير محمد خطة إنقاذ وطنية، وقد نجحت ماليزيا بالفعل بأن تكون دولةً مستقلةً ذات سيادة.

الصين التي تحولت إلى قطب عالمي يفرض نفسه على الولايات المتحدة في مختلف الملفات الأمنية، التكنولوجية، التجارية والسيادية؛ من خلال قوة اقتصادية وتجارية منافسة للولايات المتحدة تقود تحالفات دولية وازنة في العالم.

باكستان، تمسكت بقرارها السيادي في امتلاك السلاح النووي كضرورةٍ للأمن القومي، ورفضت التهديدات والعقوبات الأميركية المتكررة.

تركيا، رغم انضمامها لحلف الناتو، إلّا أنها انتزعت قرارها السيادي بشراء منظومة الدفاع الروسية S-400 متحديةً العقوبات الأميركية والتهديدات بإقصائها من برنامج مقاتلات F-35.

وحتى ماكرون مؤخرًا دعا المفوضية الأوروبية إلى تفعيل سلاح الردع التجاري ضد واشنطن، رافضًا الإكراه الاقتصادي والتهديدات الأميركية بالعقوبات وضغوط مرتبطة بملف غرينلاند والتنظيم الرقمي.

لذلك لا يمكن اختزال السياسة الخارجية لدولة ما بخيار واحد يقوم على الانصياع الكامل لإرادة دولة عظمى تحت ذريعة “الواقعية”. فالواقع نفسه يُظهر أن دولًا كثيرة خاضت بدرجات مختلفة معارك سياسية واقتصادية وعسكرية من أجل حماية مصالحها أو توسيع هامش قرارها السيادي، ونجحت في فرض نفسها كلاعب مستقل في النظام الدولي.

لا يعني ذلك أن مواجهة الهيمنة الأميركية طريقٌ سهل أو خالٍ من الأكلاف. لكن تحويل التبعية إلى قدر، وتصوير أي محاولة لامتلاك عناصر قوة أو استقلال قرار على أنها “جنون سياسي”، يتناقض مع التجربة التاريخية نفسها، ومع التحولات الجارية اليوم في بنية النظام الدولي.

المصدر: موقع المنار