أربعون عاما للنصر…”ان مع الصبر نصرا” – موقع قناة المنار – لبنان
المجموعة اللبنانية للإعلام
قناة المنار

أربعون عاما للنصر…”ان مع الصبر نصرا”

سلام بدير

 

كتاب “ان مع الصبر نصرا”، للامام السيد علي الخامنئي، هو أول كتاب رسمي من مذكرات السيد القائد أمليت باللغة العربية، وكانت دليلا على مكانة لغة القرآن في نفس سماحته. صدرت عن مكتب حفظ آثار ونشر آثار الامام.  واقترن نشر الكتاب بالذكرى السنوية الاربعين لانتصار الثورة الاسلامية.

صاحب هذه المذكرات هو الامام السيد علي الخامنئي  شخصية بارزة في مسيرة الثورة الاسلامية في ايران. ولد سماحته عام (1939م) في مدينة مشهد المقدَّسة في عائلة عُلمائيَّة محترمة. والده هو آية الله الحاج السيّد جواد من المجتهدين وعلماء مشهد المحترمين. قضى فترة طفولته برعاية والده، والتحق ولم يتجاوز عمره خمس سنوات- مع أخيه الأكبر السيّد محمّد بالكتاتيب لتعلّم القرآن. إشتغل بالتأليف منذ عام 1963م وله العديد من المؤَّلفات بعضها غير طبوع..

“ان مع الصبر صبرا ” تناول ابرز المحطات من سيرة حياة  الامام الخامنئي  منذ ولادته حتى انتصار الثورة في ايران 1979. فكانت مزيجا من تجارب شخصية وتجارب اجتماعية خاصة الجزء المتعلق  بالسجون والمعتقلات وما رافقها من ظلم وقهر من قبل سلطة الشاه. يقع الكتاب في 400 صفحة، طبع في طهران عام 2019 م . تولى الدكتور محمد علي آذرشب تنقيح النصوص -المروية شفوياً- وتنسيقها لتناسب القالب المطبوع ، مستهلاً بإهداء خطي من سماحة الإمام الخامنئي إلى شباب العرب. راجعه الاستاذ محمد مهدي شريعتمدار وطبعه مركز الحضارة لتنمية الفكر.

أريد من نشر هذه المذكرات ان تكون جولة ممتعة مفيدة ذات معطيات فردية واجتماعية لكل قارئ بأسلوب بسيط وممنهج لتسلط الضوء على أبعاد الثورة الاسلامية كحدث فريد في التارخ العالم الاسلامي والتاريخ العالمي. استطاع هذا الرجل أن يكون في قلب الحدث وشاهدا في الاحداث، انها (مذكرات السيد الخامنئي) منهاج حياة لرجل من رجالات الثورة.

تجدر الاشارة اولا الى ان الكتاب جاء ثمرةً لحوارات عفوية تم تسجيلها أثناء جلسات كان يقيمها القائد –قبل عقدين من الزمن- على نحو أسبوعي، يتناول فيها مواضيع مختلفة باللغة العربية، كان يعود خلالها في بعض كلامه إلى مشاهد من فترة النهضة وذكريات السجون والمنفى. يوثق جانباً من مذكراته الجهادية، ويضم في فصوله الخمسة عشر محطات من حياته الاجتماعية والعلمية والثورية خلال الأربعين عاماً الممتدة من ولادته وحتى انبلاج فجر الثورة. بالتالي، القارئ أمام  سيرة غير تقليدية، فكان يسرد  تفنن السافاك بتعذيبه على درجة من القوة والامساك بزمام الامور، انه رحّالة ثائر قائد سعى خلف الجهاد والتضحية حتى النصر.

من “تلك الايام” حتى نهاية الفصل الثالث انطلق السيد من دار ولادته وترعرعه في كنف والده السيد جواد الخامنئي،  وتعلمه اللغة العربية من والدته النجفية المولد، الى فترات دراسته وتتلمذه مع اخيه على يد مراجع وفقهاء عظام، حيث كان لالمامه بالعربية اثر كبير في شغفة بشعراء وكتاب عرب عكف منذ شبابه وخاصة خلال فترات اعتقاله على مطالعة كتبهم وترجمة العديد منها الى الفارسية، وفي هذا السياق يستحضر بعض من فترات الاعتقال وسفره بين العراق ومشهد وقم.

بعدها انطلق السيد بسرد شغفه للقاء الشهيد نواب صفوي والذي كان الشرارة الاولى التي اضاءت امامه طريق الاسلام بمعناه الحركي الشامل. وتصويره المناخ الخانق  في البلد مع ما اثاره هذا الرجل من هزة أيقظت النفوس من سباتها وطافت من ايران الى بعض أرجاء العالم العربي. ومع اندلاع هذه الشرارة نسج السيد منها أفكار التغيير الاجتماعي في ذهنه، وكانت نقطة الالتقاء له مع نهضة الامام الخميني(قدس) لينضم تحت لوائه مع ما وجد فيها كل ما يبتغه.

وعلى طول نصّه، يستحضر السيد نشاطاته الجهادية التعبوية السياسية والاجتماعية، والمهام التي كان يضطلع بها من بيوت العلماء الى المساجد، شارحا كيف أنشأ مع بعض الرفالق المتميزين أول تنظيم في قم بين العلماء_ ” أنا أؤمن أن العمل الفكري الديني الواعي اذا انفك عن الحركة والمعارضة يصبح جافا، وروح المعارضة الدينية اذا انسلخت عن الوعي الفكري تبتلى بالرجعية والتحجّر، وتركيب المقاومة والتوعية الفكرية يشكل خط ثورة الامام”. بهذه الكلمات خط الامام منهاج حياته الثوري الحوزوي، واستطاع مواصلة الطريق على الرغم من الاعتقالات والتهديدات وألوان الحرب النفسية والتعذيب الجسدي.

وتظهر لنا قدرة الامام على المحاكاة، فلا يشعر القارئ أبداً انه أمام نص مجرد من الحياة، بل استطاع من خلال وصفه للتفاصيل ان ينقل القارئ معه الى قلب الحدث يعيش ساحة الثورة، فمن تنقلاته بين السجون الست وتأثيره على من حوله وحتى سجانية في بعض الاحيان، مرورا بفترات المنفى التي قضاها متنقلا بين القرى ممارسا نشاطات دينية وشعبوية والتفاف الاهالي حوله الى طلائع النصر، تتجسد الاحداث في شخصيات حقيقية ما جعلها قريبة من عقل القارئ وجعل من هذا الكتاب سيرة ذاتية وليس اسطورة.

 

وفي الفصول اللاحقة، يروي عدداً لا يحصى من التجارب. يبدأها  بشرح تفاصيل سجنه للمرة الاولى  ووصفها بـ “الرهيبة” على الرغم من قلة أيامها، نستشفّ منها تأمّلاً عميقاً في “ملحمة الاعتقال”. فهل “أن مع الصبر نصرا مجرّد كتاب مذكّرات؟ لا شك في الامام القائد يستعيد فيه لحظات من حياته وقصص حقيقية اختبرها شخصياً. لكن هذه القصص – وهنا تكمن قيمة هذا العمل –  كانت مدرسة للصبر والتضحية بشكل لافت، ويمكن القول ان كل حياة هذا الرجل كانت للاسلام واعلاء شانه منذ كان شابا، حتى ان العناوين الثانوية لم تؤثر على تصميمه لبلوغ اهدافه حيث وضع بين عينيه الشهادة على ان لا يتراجع مع مواقفه الرافضة لقمع وسلطة الشاه.

 

المصدر: موقع المنار