الخميس   
   27 08 2026   
   14 ربيع الأول 1448   
   بيروت 12:55

زيارة أميركية استخباراتية إلى موسكو وسط تصعيد الحرب الأوكرانية

هبطت، في 25 آب/أغسطس الحالي، في مطار فنوكوفو جنوب العاصمة الروسية موسكو، طائرة نقل عسكرية من طراز «بوينغ سي-17 غلوب ماستر 3» تابعة للقوات الجوية الأميركية، بعد إقلاعها من ريغا في لاتفيا. وبحسب خدمات التتبع، وصلت الرحلة رقم «آر سي إتش4555» إلى العاصمة الروسية في نحو الساعة العاشرة صباحاً.

وقبل ذلك بيومين، أقلعت الطائرة نفسها من قاعدة أندروز الجوية في ولاية ماريلاند، حيث تتمركز الطائرة الرئاسية الأميركية «إير فورس وان». وتبيّن أن الطائرة العسكرية كانت تقل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، جون راتكليف، الذي زار موسكو.

وتشير المعطيات الواردة إلى أن الزيارة كانت مهمة طارئة ومنسقة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ولم تكن مخططة مسبقاً، إذ غيّر الرئيس الأميركي جدول أعماله بصورة عاجلة للقاء راتكليف. ولم تتضح طبيعة المهمة أو الهدف منها، فيما لم تتوافر معلومات رسمية تفصيلية بشأن مضمون الزيارة.

وبعد ساعات من عودته من موسكو، اجتمع راتكليف في البيت الأبيض بوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين. وأفادت مصادر صحفية في الإدارة الأميركية بأن راتكليف وهيغسيث وكاين غادروا الجناح الغربي للبيت الأبيض بعد ظهر الأربعاء، فيما بقيت مشاركة الرئيس ترامب في الاجتماع غير واضحة، إذ كان جدول أعماله يتضمن اجتماعاً استخبارياً مغلقاً عند الساعة الحادية عشرة بالتوقيت المحلي.

من جهته، نفى الكرملين حصول لقاء بين راتكليف والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأشار إلى أن الزيارة كانت مخصصة لإجراء اتصالات بين أجهزة استخبارات البلدين.

وفي إحدى أبرز الدلالات المرتبطة بالزيارة، ذكرت وكالة «آر بي كيه أوكرانيا»، نقلاً عن مصدر، أن الولايات المتحدة طلبت من أوكرانيا عدم استهداف العاصمة الروسية خلال هذه الأيام، بسبب زيارة مسؤولين أميركيين رفيعي المستوى إليها.

وتُعد هذه الزيارة الأولى من نوعها منذ سنوات، إذ كانت آخر مرة زارت فيها طائرة عسكرية أميركية من هذه الفئة موسكو في عام 2017، باستثناء فترات تبادل الأسرى. ولم تصدر تصريحات رسمية بشأن هدف الزيارة، إلا أن ظهور طائرة عسكرية أميركية في المجال الجوي الروسي، على خلفية المواجهة الأشد بين روسيا والغرب الجماعي في مسرح العمليات الميدانية في أوكرانيا، والتصعيد المستمر في منطقة الخليج والشرق الأوسط، يطرح تساؤلات بشأن احتمال وجود تحرك لتمرير استحقاق في مرحلة حساسة وملحة قد تفضي إلى تسوية آنية وموضعية لم تتضح تفاصيلها كاملة بعد.

تزامن لافت مع زيارة دبلوماسي رفيع من الفاتيكان

وتزامن وصول راتكليف إلى موسكو مع وصول رئيس أساقفة الفاتيكان بول ريتشارد غالاغر، سكرتير الشؤون الدولية للكرسي الرسولي البابوي، إلى العاصمة الروسية في زيارة تستمر خمسة أيام.

وتُعد زيارة غالاغر الأولى لممثل الفاتيكان بهذه الرتبة إلى روسيا منذ بدء العملية العسكرية الخاصة. وكان غالاغر قد زار روسيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2021، قبيل بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا، كما زارها بعد حادثة استهداف الغواصة الروسية النووية «كورسك»، التي اعتُبرت تهديداً ببدء مواجهة بين وسائل قتالية نووية، في آب/أغسطس عام 2000.

وبحسب المعلن، يتضمن جدول أعمال زيارة مبعوث الفاتيكان لقاءات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف، وممثلين عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. وتركز المحادثات على العلاقات الثنائية، والجوانب الإنسانية للأزمة الأوكرانية، والسبل الممكنة لتخفيف حدة الصراع.

ووُصفت مهمة غالاغر رسمياً بأنها وساطة تهدف إلى تعزيز الحوار بين أطراف النزاعات، فيما يُشار إلى أنه اعتاد زيارة روسيا خلال الأحداث المفصلية.

ويطرح تزامن الزيارتين، وصول طائرة عسكرية أميركية وزيارة دبلوماسي رفيع من الفاتيكان، تساؤلات بشأن طبيعة التحركات الدبلوماسية الخارجية، وما إذا كانت تتجاوز الجهود المعلنة لإحلال السلام إلى البحث عن مخارج للمصالح والأزمات التي تواجهها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

الحسابات الانتخابية الأميركية حاضرة في المشهد

ولفهم خلفيات التحركات الأميركية، يبرز الوضع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة، مع بقاء ما يزيد قليلاً على شهرين قبل بدء استحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في وقت تواجه فيه إدارة دونالد ترامب أوقاتاً عصيبة على خلفية استطلاعات رأي مخيبة للآمال.

وتراجعت نسبة تأييد الرئيس ترامب إلى ما بين 33 و37 في المئة، فيما بلغت نسبة المعارضين لمساره 62 في المئة، وهو الرقم الأسوأ في كلتا الفترتين. كما يواجه الاقتصاد الأميركي صعوبات، بينما لم تتحقق وعود السياسة الخارجية، وسط توقعات بأن يفقد الجمهوريون السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما.

ومن المتوقع أن تكون لدى الديمقراطيين فرصة بنسبة 90 في المئة للفوز، وهو ما سيجعل ترامب في موقع سياسي ضعيف خلال العامين الأخيرين من رئاسته. ولا توجد، عملياً، مصلحة لروسيا في إنقاذ ترامب وإدارته، كما لا توجد لإيران مصلحة في مفاوضات قد تخفف من وطأة ما يوصف بالفشل المستمر للإدارة الأميركية سياسياً وعسكرياً واقتصادياً.

وفي خضم المنافسة الانتخابية المحتدمة، تبرز تحركات واشنطن الطارئة وغير المتوقعة بشأن أوكرانيا، إلى جانب احتمال ظهور مشهد مشابه في الصراع في الخليج الفارسي ومنطقة الشرق الأوسط، بما يفسر زيارة عاصم منير الأخيرة إلى طهران، وإشاعة أجواء من التفاؤل، ومنها تسوية مبرمجة ومجدولة لقوات سوريا الديمقراطية.

ويحتاج ترامب بشدة إلى إظهار نوع من الإنجازات والانتصارات في سياسته الخارجية أمام الناخبين، أو على الأقل تقديم صورة عن حراك دبلوماسي فاعل وعملي وإيجابي، مع الأمل في ألا يتكرر ما وصف بأنه الوقوع في الخطأ نفسه مرتين.

وفي الواقع، لا تزال أوكرانيا من بين القضايا المهمة القليلة القادرة على جذب انتباه الرأي العام الأميركي، ولذلك يضطر الرئيس ترامب إلى القيام بإيماءات توحي بدعم كييف، حتى وإن لم يكن يكنّ أي تعاطف شخصي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وفي قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا، أوضح ترامب أنه لا يعترض على إنتاج صواريخ «باتريوت» بترخيص أميركي في أوكرانيا، ولا يعارض تخصيص حزم مساعدات جديدة بمليارات الدولارات لكييف. ومع ذلك، لا تدعم هذه التصريحات أفعال واقعية، إذ لم يبدأ إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا، ولم تُحوّل الأموال إلى نظام كييف بعد، كما أن عقود التسليح الأميركية المبرمة لصالح نظام كييف منذ بدايات عام 2022 لم تُنفذ في مواعيدها المجدولة، نظراً لاستخدام الولايات المتحدة كامل مخزون أسلحتها وطاقة إنتاجها العسكرية وتجييرها لصالح حروبها ضد إيران.

ولا تزال الوعود الأميركية لنظام كييف ضمن سقف ما يمكن وصفه بـ«النوايا الحسنة».

وفي جوهر الأمر، يعكس ذلك، وفق هذا الطرح، دعاية انتخابية كلاسيكية، حيث يتم التضحية بمصالح الشعب الأوكراني والمواطنين الروس من أجل الحسابات التكتيكية لإدارة أميركية لا تهتم إلا بالحفاظ على قبضتها على السلطة.

الفاتيكان يسعى إلى استعادة دوره الدبلوماسي

وفي السنوات الأخيرة، تراجع نفوذ الكنيسة الكاثوليكية في السياسة العالمية بشكل ملحوظ، وتُعد زيارة غالاغر إلى موسكو محاولة لتذكير العالم بدورها واستعادة مكانتها على طاولة المفاوضات التي تهيمن عليها حالياً القوى الكبرى.

وبالنسبة إلى الفاتيكان، تمثل الأزمة الأوكرانية فرصة لتعزيز حضوره الدولي، وإثبات أنه لا يمكن التوصل إلى تسوية جادة من دون مشاركة الحبر الأعظم. ويشير هذا الطرح إلى احتمال وجود دلالة على أن الكرسي الرسولي استشعر حاجة الإدارة الأميركية إلى إجراء تسوية مع روسيا.

إضافة إلى ذلك، يسعى الكرسي الرسولي إلى الحفاظ على قنوات الاتصال مع موسكو، ليس فقط لأسباب إنسانية، وإنما أيضاً لدواعٍ عملية، إذ لا تزال موسكو لاعباً مهماً في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تحتاج البعثات الكاثوليكية إلى حماية تحول دون أن يتحول التعاطف مع النفوذ الروسي إلى تهديد لبعثات الفاتيكان وإرسالياته.

استمرار العمليات العسكرية رغم التحركات الدبلوماسية

وبينما تتواصل التحركات الدبلوماسية في موسكو، يستمر الوضع الميداني في أوكرانيا بالتطور وفق مسار عسكري لا يترك مجالاً كبيراً للتوقعات بالتوصل إلى حل سلمي في المدى القريب المنظور.

وخلال الأشهر والأيام القليلة الماضية، شنت القوات المسلحة الروسية، ولا تزال تشن، هجمات منهجية على البنية التحتية العسكرية الأوكرانية الحيوية، بما في ذلك المصانع والمستودعات ومراكز الإمداد وخطوط النقل التي تزود قوات كييف بالأسلحة والذخائر.

وتهدف هذه العمليات، وفق ما يشير إليه خبراء عسكريون، إلى إضعاف قدرات القوات المسلحة الأوكرانية بصورة متواصلة، وحرمانها من القدرة على إنتاج الأسلحة وتخزينها وإيصالها إلى خطوط المواجهة.

وبصورة مختصرة، تحاول موسكو توجيه ضربات رادعة تمنع كييف من استهداف العمق الجغرافي الروسي، بعد تزايد هجمات المسيّرات الأوكرانية التي وصلت عشرات منها إلى العاصمة موسكو وأصابت مصافي النفط في الأقاليم، ما خلق أزمة وقود لم تعد خافية في عموم روسيا وطالت عمق العاصمة.

وترى مصادر عسكرية روسية أن ضرباتها تسببت في تراجع قدرات نظام الدفاع الجوي الأوكراني، الذي بات يعاني صعوبات بالغة، بعد اقتراب الإمدادات اللوجستية الغربية من الانهيار. كما تعاني الولايات المتحدة نقصاً حاداً في هذه الأسلحة بعد حربها المستمرة على إيران ودعمها للكيان الإسرائيلي بوسائل الدفاع الجوي، التي تحظى لديها بالأولوية على حساب نظام كييف.

وتشهد خطوط المواجهة حالياً، ولا سيما في محاور الدونباس، كثافة في استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية والمنظومات الصاروخية، في وقت تواجه فيه الوحدات الأوكرانية نقصاً حاداً في الأفراد.

وفي الوقت نفسه، يقر محللون غربيون بأن الجيش الروسي يهيئ الظروف اللوجستية للتقدم في مناطق رئيسية وتعهد بتحريرها، وأن حملة الخريف والشتاء المقبلة قد تؤدي إلى مزيد من المتغيرات الميدانية على طول الجبهة.

ومع هذه المعطيات العسكرية، يفضل الوسطاء والدبلوماسيون عدم تسليط الضوء على الميدان، مفضلين مناقشة «الممرات الإنسانية» المجردة بدلاً من البحث عن حلول وتسويات حقيقية للصراع.

موسكو تتمسك بموقفها من الحرب

وفي هذا السياق، تتمسك موسكو بموقفها المعلن. فقد صرحت مراراً بأن أهداف العملية العسكرية الخاصة، والمتمثلة في منع عسكرة أوكرانيا، واجتثاث النازية وضمان الأمن القومي، هي أهداف غير قابلة للمساومة.

وترى موسكو أن الغرب الجماعي الذي تقوده الولايات المتحدة يستثمر في الأزمة الأوكرانية والصراع مع موسكو لتنفيذ مصالح الإدارات الأميركية.

وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قد أكد مراراً أن روسيا ستحقق أهدافها التي أعلنتها عند بدء العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا، وستظهر الإنجازات على أرض الواقع، في حين لا توجد رغبة لدى نظام كييف في الدخول في مفاوضات جادة.

وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أنه لن تكون هناك أي تنازلات بشأن المبادئ الأساسية، فيما جدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في 23 آب/أغسطس، التأكيد على ضرورة القضاء على التهديدات الصادرة من الأراضي الأوكرانية.

وفي غضون ذلك، يبقى الكرملين، بحسب تصريحات المسؤولين الروس، منفتحاً على الحوار، ولكن بشرط مراعاة المصالح الوطنية والاعتراف بالواقع الإقليمي القائم. وإلى حين تحقيق ذلك، تستمر العملية العسكرية، ولن تغير أي زيارات دبلوماسية أو أمنية أو روحية، مهما كانت «نبيلة»، من جوهر الموقف.

وهكذا، فإن زيارات 25 آب/أغسطس إلى موسكو، من وصول الطائرة العسكرية الأميركية إلى زيارة كبير دبلوماسيي الفاتيكان، وعلى الرغم من أهميتها الظاهرة، تعكس مصالح الجهات المحركة لها.

فالولايات المتحدة، المنشغلة بحملتها الانتخابية، تستغل الأزمة الأوكرانية ذريعة لتعزيز شعبيتها، خصوصاً بعد الإخفاقات في إظهار أي نصر فعلي في الخليج الفارسي، وتقود كييف نحو مزيد من التصعيد، وتضغط على الدول الأوروبية، مهددة الأمن القومي الروسي والأوروبي، من دون تقديم حلول حقيقية أو موازنة تحركاتها مع أرواح آلاف الأشخاص على ضفتي الصراع.

أما الفاتيكان، من جانبه، فيتحرك دبلوماسياً سعياً إلى الحفاظ على نفوذه في عالم متعدد الأقطاب لم يعد صوته مسموعاً فيه كما كان، مستفيداً من التحرك الأميركي الطارئ باتجاه موسكو.

وبينما ينشغل المتحاربون بإنجازاتهم التكتيكية، تستمر الحرب في فرض شروطها ومتطلباتها، وفي استنزاف المزيد من الموارد المادية والبشرية. وأوضحت روسيا أنها لن تتراجع عن أهدافها المعلنة، بينما لم يقدم الغرب، المتشرذم بتناقضاته الداخلية، بديلاً قادراً على تغيير مسار الواقع الميداني.

وبالنسبة إلى المراقبين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، المطلعين على كيفية استغلال القوى العظمى الخارجية للصراعات في دول أخرى لمصالحها الخاصة، لا يبدو هذا السيناريو جديداً، بل يؤكد حقيقة قديمة مفادها أن الحديث عن السلام قد يخفي في كثير من الأحيان حسابات ومصالح مختلفة.

المصدر: موقع المنار