الخميس   
   27 08 2026   
   14 ربيع الأول 1448   
   بيروت 13:47

العميد بصبوص يطرح رؤية تطويرية لمستقبل النقل البري والبحري: نحو قطاع آمن وحديث ورقمي ومستدام

عرض المدير العام للنقل البري والبحري، العميد الركن البحري مازن بصبوص، رؤيته التطويرية لمستقبل قطاع النقل البري والبحري في لبنان، واضعاً في صلب أولوياته بناء منظومة نقل حديثة وآمنة ومتكاملة ورقمية ومستدامة، بما يعزز حركة الأشخاص والبضائع، ويدعم الاقتصاد الوطني، ويساهم في ترسيخ موقع لبنان كمركز للنقل والخدمات اللوجستية في شرق البحر المتوسط.

وتنطلق رؤية بصبوص من اعتبار قطاع النقل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني، يتجاوز دوره تأمين انتقال الأشخاص والبضائع ليشكّل منظومة متكاملة ترتبط بالنمو الاقتصادي والسلامة العامة والأمن والحوكمة والبيئة والقدرة التنافسية للدولة، فضلاً عن دوره في ربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض، وربط لبنان بمحيطه العربي والإقليمي والدولي.

وفي هذا الإطار، شدد بصبوص على أن دور المديرية العامة للنقل البري والبحري لا يقتصر على إدارة المعاملات ومنح التراخيص، بل يشمل قيادة مسار إصلاحي وتطويري يهدف إلى بناء إدارة حديثة قادرة على مواكبة التحولات المتسارعة في قطاع النقل، وتطبيق الالتزامات والمعايير الوطنية والدولية بكفاءة وفعالية.

تحديث التشريعات وتعزيز الحوكمة

وتضع الرؤية تحديث الأطر التشريعية والتنظيمية في مقدمة الأولويات، من خلال تطوير القوانين والمراسيم والأنظمة ذات الصلة، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات بصورة واضحة، ومعالجة التداخلات والثغرات، وتبسيط الإجراءات، ومواءمة التشريعات اللبنانية مع المتطلبات والمعايير الدولية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في القطاع البحري، في ضوء الاتفاقيات والالتزامات الدولية التي يرتبط بها لبنان، ولا سيما تلك الصادرة عن المنظمة البحرية الدولية (IMO). وفي هذا الإطار، تؤكد الرؤية ضرورة استكمال الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية ذات الأولوية، وضمان التنفيذ الفعلي للاتفاقيات التي أصبح لبنان طرفاً فيها عبر إدخال متطلباتها في التشريعات والأنظمة الوطنية، وتحديد الجهات المسؤولة عن تطبيقها، ووضع الآليات الكفيلة بتنفيذها بصورة فعالة ومستدامة.

السلامة والأمن وحماية البيئة

وتولي المديرية أولوية أساسية لسلامة الإنسان وحماية الأرواح والممتلكات والبيئة، من خلال تعزيز قدرات الدولة في القطاع البحري في مجالات دولة العلم ودولة الميناء والدولة الساحلية، وتطوير الرقابة والتفتيش على السفن، ورفع مستوى تطبيق معايير السلامة والأمن البحري، وتعزيز أمن السفن والمرافق المينائية، وتكريس سيادة الدولة وحقوقها السيادية وفقاً للقانون الدولي والاتفاقيات ذات الصلة.

كما تشمل الأولويات العمل على تطوير منظومة وطنية متكاملة للبحث والإنقاذ البحري، بما يعزز التنسيق بين المؤسسات الوطنية المعنية ويسمح للبنان بالوفاء بالتزاماته الدولية في مجال حماية الأرواح في البحر.

وفي قطاع النقل البري، ترتكز الرؤية على تطوير تنظيم النقل العام ونقل البضائع، ورفع المعايير الفنية والتشغيلية، وتعزيز الرقابة، وتنظيم الخطوط والمشغلين ومرافق النقل بما يرفع مستويات السلامة والكفاءة.

التحول الرقمي وإعادة هندسة الخدمات

ويشكّل التحول الرقمي محوراً أساسياً في المسار الإصلاحي، عبر الانتقال التدريجي من الإدارة الورقية والمعاملات التقليدية إلى الخدمات الإلكترونية وقواعد البيانات المترابطة وتبادل المعلومات بين الجهات الحكومية.

وفي القطاع البحري، يشكل تطبيق النافذة البحرية الموحدة (Maritime Single Window) خطوة رئيسية في تحديث إجراءات وصول السفن ومغادرتها، وتقليص المعاملات الورقية، وتسريع تبادل المعلومات بين المرافئ والإدارات والأجهزة المعنية.

أما في النقل البري، فتتجه المديرية نحو تطوير منظومة رقمية متكاملة لتنظيم البيانات المتعلقة بالمشغلين والخطوط والتراخيص والمركبات والخدمات، بما يوفر قاعدة معلومات دقيقة ومحدثة تدعم التخطيط واتخاذ القرار.

وفي هذا السياق، تقوم الرؤية على أن الرقمنة لا تقتصر على تحويل المعاملة الورقية إلى معاملة إلكترونية، بل تستوجب إعادة هندسة الإجراءات نفسها لتصبح أبسط وأسرع وأكثر شفافية وكفاءة.

لبنان دولة بحرية: تثبيت الحقوق السيادية وتعزيز موقعه اللوجستي

وتنطلق الرؤية البحرية للمديرية من المقومات التي يتمتع بها لبنان كدولة بحرية ذات موقع استراتيجي على شرق البحر المتوسط، بما يملكه من مرافئ وخبرات بشرية وعلاقات تجارية تاريخية، وبما تختزنه مساحاته البحرية من موارد وفرص اقتصادية وتنموية واسعة.
وفي هذا السياق، قطع لبنان خطوات أساسية في تثبيت حدوده البحرية، إذ حدّد حدوده البحرية جنوباً بموجب اتفاق عام 2022، وأنجز غرباً ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع جمهورية قبرص بموجب اتفاق دخل حيز التنفيذ في شباط 2026، على أن يستكمل هذا المسار شمالاً بالاتفاق مع الجانب السوري. ويكتسب استكمال هذا الترسيم أهمية سيادية واقتصادية، لما يتيحه من تثبيت حقوق الدولة وولايتها وحقوقها السيادية في مياهها البحرية، وتوفير بيئة قانونية وجيوسياسية أكثر وضوحاً وأماناً لاستكشاف واستثمار الموارد النفطية والغازية، ولا سيما أن شركات الطاقة الدولية تتجنب عادة الاستثمار في المناطق البحرية المتنازع عليها أو غير المحسومة الحدود لما يرتبط بذلك من مخاطر قانونية واستثمارية.
وتبلغ مساحة المياه البحرية اللبنانية، بما فيها المنطقة الاقتصادية الخالصة، نحو 22,700 كيلومتر مربع، أي أكثر من ضعفي مساحة لبنان البرية، ما يجعلها رصيداً استراتيجياً للتنمية الوطنية. ولا تقتصر أهمية هذا المجال على النفط والغاز، بل تمتد إلى النقل البحري والمرافئ والخدمات اللوجستية، والثروة السمكية والاستزراع المائي، والسياحة الساحلية والبحرية، والطاقة البحرية المتجددة، والصناعات والخدمات البحرية المتخصصة، والبحث العلمي والابتكار، بما يفتح المجال أمام بناء اقتصاد أزرق منتج ومستدام.

وتهدف المديرية إلى المساهمة في تطوير سياسة بحرية وطنية متكاملة تحسن إدارة الأنشطة البحرية، وترفع مستويات السلامة والأمن، وتطور الخدمات المينائية واللوجستية، وتحمي الأملاك العامة البحرية والبيئة البحرية، وتوفر إطاراً تنظيمياً واضحاً ومحفزاً للاستثمار ضمن مفهوم متكامل للاقتصاد الأزرق.

وتسعى هذه المقاربة إلى الانتقال من إدارة الأنشطة البحرية بصورة متفرقة إلى إدارة متكاملة للمجال البحري، بما يعزز سيادة الدولة وحقوقها السيادية، ويحسن استثمار مواردها، ويعيد ترسيخ موقع لبنان على خارطة النقل والخدمات البحرية واللوجستية في المنطقة.

تكامل النقل البري والبحري

وتولي الرؤية أهمية خاصة للانتقال من إدارة أنماط النقل بصورة منفصلة إلى بناء منظومة نقل مترابطة ومتكاملة، انطلاقاً من أن المرفأ لا ينتهي عند بوابته، بل يتصل بشبكة الطرق والنقل العام ونقل البضائع والمراكز اللوجستية والمعابر الحدودية وسلاسل التوريد.

ومن هذا المنطلق، ترى المديرية أن تطوير المرافئ يجب أن يترافق مع تطوير الربط البري واللوجستي، وأن يكون تنظيم النقل البري جزءاً من رؤية أوسع لحركة الأشخاص والبضائع على المستويين الوطني والإقليمي، بما يرفع القدرة التنافسية للبنان ويسهّل حركة التجارة ويعزز تكامل سلاسل الإمداد.

الاستثمار في العنصر البشري

وتعتبر الرؤية أن نجاح الإصلاح يرتبط بصورة أساسية بتطوير الكفاءات البشرية داخل الإدارة، من خلال التدريب وبناء القدرات وتعزيز التخصص الفني.

وتشمل المجالات ذات الأولوية السلامة البحرية، والتفتيش، وأمن السفن والمرافئ، والتحقيق في الحوادث البحرية، والبحث والإنقاذ، والرقمنة وتحليل البيانات، إضافة إلى تنظيم النقل البري.

وترى المديرية أن الاستثمار في الموظف العام وفي القدرات الفنية المتخصصة هو استثمار في الدولة واستدامة الإصلاح، بما ينعكس على إنتاجية القطاع وأدائه وقدرته على المساهمة في رفد الاقتصاد وخزينة الدولة.

شراكة وطنية ودولية

وتؤكد رؤية العميد بصبوص أن إصلاح قطاع النقل لا يمكن أن تنجزه جهة واحدة، بل يتطلب شراكة بين الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والأجهزة الأمنية والمرافئ والبلديات والقطاع الخاص والنقابات والجامعات، إلى جانب الشركاء الدوليين والمنظمات المتخصصة.

وتتعامل المديرية مع التعاون الدولي باعتباره أداة لنقل المعرفة والخبرة وبناء القدرات، بما يعزز المؤسسات الوطنية ولا يحل محلها، فيما تنظر إلى القطاع الخاص كشريك أساسي في الاستثمار وتشغيل الخدمات، ضمن إطار تنظيمي واضح يضمن المنافسة العادلة وجودة الخدمة وحماية المصلحة العامة.

خارطة طريق على مراحل

وتقوم خارطة الطريق التطويرية على مراحل مترابطة تبدأ بتحديث الأطر التشريعية والتنظيمية، واستكمال تنفيذ الاتفاقيات الدولية التي انضم إليها لبنان عبر إصدار القوانين والمراسيم والقرارات التطبيقية اللازمة، وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات والأولويات، وتبسيط الإجراءات، والمساهمة في بناء قواعد بيانات حديثة وموثوقة.

وفي مرحلة لاحقة، تتركز الجهود على تعزيز الرقابة والإشراف، وتطوير الأنظمة الرقمية، وتطبيق متطلبات السلامة والأمن في قطاعي النقل البري والبحري.

أما على المديين المتوسط والبعيد، فتسعى المديرية إلى الوصول إلى إدارة مترابطة رقمياً، تعتمد على البيانات ومؤشرات الأداء في التخطيط واتخاذ القرار، وتوفر خدمات أكثر سرعة وكفاءة للمواطنين والقطاع الخاص، وتساهم في بناء منظومة نقل وطنية متكاملة وآمنة ومستدامة.

وأكد بصبوص أن حجم التحديات والإمكانات المتاحة يفرضان اعتماد مقاربة واقعية وتدريجية، تقوم على رؤية واضحة وإرادة مؤسساتية وخارطة طريق قابلة للتنفيذ، مشدداً على أن الهدف هو بناء مديرية حديثة وفعالة تجمع بين دورها التنظيمي والرقابي ودورها في تسهيل الخدمات ودعم الاقتصاد.

وختم العميد بصبوص بتلخيص الرؤية التطويرية للمديرية بأربعة عناوين رئيسية: «سلامة أعلى، حوكمة أفضل، خدمات رقمية، ونقل آمن ومستدام»، مؤكداً أن العمل المشترك من شأنه أن يعزز مكانة لبنان كدولة بحرية ومركز للنقل والتواصل في شرق المتوسط، بالتوازي مع تطوير منظومة نقل بري حديثة وآمنة ومنظمة، تربط المناطق اللبنانية بعضها ببعض، وتعزز الربط مع دول الجوار، وتسهّل حركة الأشخاص والبضائع، بما يدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة ويحسن الخدمات المقدمة للمواطنين.

المصدر: المديرية العامة للنقل البري و البحري