الإثنين   
   31 08 2026   
   18 ربيع الأول 1448   
   بيروت 01:17

خاص| مرحلة اللاحرب واللاسلم بين امريكا وايران …الى متى؟ وماذا عن الاحتمالات ؟

لا ريب أننا دخلنا مرحلة جديدة من الحرب بين امريكا وايران بوسائل قتالية جديدة وأدوات ضغط مختلفة . فحرب النفس الطويل وتكتيك المناورات ، تتجلى بين ايران وامريكا بعد انتهاء مدة ال60 يوما في ظل سيطرة حالٍ جديدة تتموضع بين اللاحرب واللاسلم . فمعركة “عض الاصابع ومن يصرخ أولاً ” بدأت تأخذ حيزًا أكثر فأكثر، ومن المشهود للإيرانيين تميزهم بالنفس الطويل والقدرات البارعة في المناروة وكسب الوقت لإجهاد الخصم ، وهذا ما تظهر مؤشراته حتى الان .

فقد نجحت ايران بتوقيف الحرب وتفادي خسائر كبيرة وانتزاع مذكرة تفاهم تاريخية بتأييد دولي وهي التي وصفها خبراء السياسة والعارفين بالاستراتيجيات الدولية بأنها شكلت انتصارا -ولجْمًا لعدو إيران اللدود المُتَفلّت- من دون اتاحة فرصة له لتحقيق إنجازٍ يذكر؛ لا بل عملت طهران على انتزاع شهية شن العدوان منه مجددا وما يفهم من سلوكه الفعلي لجهة تجنب الحرب الواسعة وما ستؤدي اليه من انعكاسات سلبية كبيرة على واقع الرئيس الامريكي ترمب ومستقبل سلطته وادارته داخليا ربطا بما سيكون عليه واقع الناخب الامريكي من مطالب وما سينعكس داخل اروقة الكونغرس من تصويت.

وغالبا ما يعمد الرئيس الامريكي الى اطلاق حملة “أكاذيب مضللة” اعلامية عسكرية وسياسية يستعيض بها عن الضربات والعمليات العسكرية ليجسد مشهدا منبعه مخيلته ويحاول إقناع العالم به ؛ كيف لا اذا كان الأمر بواقع ضيق من الخيارات مع ضيق في الوقت كلما اقترب موعد الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر القادم.

ففي حين يدعي ترمب السيطرة على مضيق هرمز يسعى جاهدا للتفاوض مع ايران بهدف اعادة فتحه ويحرك الوسطاء على مساحة الجغرافيا الآسيوية والشبكة العنكبوتية للتواصل وهذا ما ينافي ابسط قواعد المنطق السياسي والجيوسياسي.

وفي هذا الإطار نشط قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في زيارة وساطة وتنسيق مع طهران محاولاً تقريب وجهات النظر وايجاد مخرج قائلاً : “إنه سيواصل جهوده الرامية إلى استعادة الاستقرار في المنطقة”، وهذه الزيارة جاءت بعد اتصال بينه وبين ترمب.

الا ان الموقف الايراني كان واضحا على لسان رئيس الوفد المفاوض رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف الذي أكد أن “طهران لن تغيِّر موقفها تحت الضغوط.. وأنها تتمسك بتنفيذ بنود وشروط مذكرة التفاهم”.

والسياق نفسه أكده أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي والذي قال بعد المباحثات مع منير “إن طهران لا تثق بالولايات المتحدة، وإن على واشنطن تغيير سلوكها واتخاذ خطوات عملية لتنفيذ شروط المذكرة وبنودها”.

الصحافي المتخصص بالشؤون الايرانية د. محمد شمص أكد للمنار أن ايران تتصرف على ان الحرب لازالت قائمة من دون توقف، وهي تتحضر لأي مواجهة، وقد انتقلت من استراتيجية الدفاع الى الهجوم بشكل معلن على لسان كبار المسؤولين وذلك بالتزامن مع المسار الدبلوماسي لإلزام امريكا بتنفيذ إلتزاماتها بمذكرة التفاهم وأنها لا تثق بالتصريحات الامريكية، تعليقا على كلام وزير الخارجية روبيو فيما خص استبعاد الضربات العسكرية وحرب الخنق الاقتصادي.

هذا ما يؤكد امتلاك ايران عناصر قوة اولها مضيق هرمز مرورا بالامكانات العسكرية والاكتفاء الذاتي الذي يحصن المجتمع والدولة بوجه اشتداد الحرب الاقتصادية-المالية وهي لا تعول كثيرا على موعد الانتخابات النصفية.

وفي خطوة إيرانية متقدمة بوجه امريكا وحصارها، عقد لقاء ايراني عماني في طهران بتاريخ 26 آب/أغسطس كان بنتيجته وضع حجر الاساس فعلًا لمستقبل ادارة مضيق هرمز بين الدولتين حصرا وقد تم الاتفاق على تقاسم الشواطئ والحصص والتوافق على الاهداف والمحاذير المشتركة ما سيرسي قواعد راسخة في التعامل تحولت من الاقوال الى الافعال ذات النتائج الدولية وهذا يأتي تأكيدا لحق ايران وردًا على ترمب.

هل من وجود لهدنة تحتاج إلى تمديد

المراقب لواقع الاحداث يتثبت من أن الهدنة اهتزت بالخروقات والاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية وفقدت معناها واهدافها التي من أهمها وقف اطلاق نار شامل وكامل وتنفيذ البنود تمهيدا لتوقيع اتفاق نهائي . وهذا ما كان بعيدا عن الواقع في ايران ولبنان .

ووفق الرؤية الايرانية والتي عكسها الصحافي والباحث في الشؤون الايرانية من طهران د.حكم أمهز لموقع المنار “لم نشهد هدنة متواصلة ل60 يوما ولا لعشرين يوما إذ لم يتم رفع الحصار البحري، ولم يتم الإفراج عن الأموال والأصول الايرانية المجمدة، واستمرت الهجمات الإسرائيلية على لبنان والامريكية على ايران وان بوتيرة أخف، وتلك أمور أفرغت المذكرة من مضمونها الاساس وأوقفت الانتقال إلى مفاوضات الاتفاق النهائي ما دفع بإيران الى اعادة اغلاق مضيق هرمز بشكل مدروس وكذلك الرد على الاعتداءات”.

أما المناخ الذي ساد في ايران خلال ال60 يومًا لدى المسؤولين والمواطنين فيتلخص في أنه “لا توجد هدنة في الوقت الراهن، فالحرب مستمرة لكن بكيفية ومستوى شدة مختلف وأدوات مختلفة “، ولذلك لم يحمل انقضاء مهلة الستين يوما تحولاً مفاجئًا من حال هدنة السلم إلى حال تصعيد الحرب.

كل ذلك جعل طهران تتصلب في مواقفها أكثر من ذي قبل، وأن لا تبحث في أي مقترح تمديد أو تجديد للهدنة، بل تطالب بإعادة تفعيل مذكرة عطّل الخصم تنفيذها، كما تتمسك طهران بأن تكون عودة واشنطن إلى التزاماتها السابقة مقدمة لأي جولة تفاوضية جديدة .

سباق الضغط المتبادل وعض الأصابع :

تفصل طهران بين التوصل إلى تفاهم قانوني وتقني مع مسقط، وبين إعادة فتح كامل للمضيق ، إذ تربط فتحه برفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن الأموال المجمدة، ووقف الاعتداءات العسكرية الامريكية والاسرائيلية .

ووفق ما أكده الباحث والدبلوماسي الايراني السابق د.هادي أفقهي لموقع المنار أن إيران ستحتفظ بورقة المضيق حتى لو توصلت إلى تفاهم مع عمان بشأن مسارات العبور والرسوم والخدمات البحرية، لأن ذلك لا يعني إعادة فتح المضيق قبل معالجة الحصار البحري والأموال المجمّدة.

ويصف أفقهي الوضع بأنه اختبار لقدرة كل طرف على تحمل الضغط وانعكاساته ؛ فالولايات المتحدة تستخدم أسلحة الحصار والضغط الاقتصادي والعقوبات، فيما تستخدم إيران سلاحاً إستراتيجيًا يتمثل بإحكام السيطرة على مضيق هرمز لجهة إغلاقه أو فتحه الجزئي أو الاستنسابي وفق الاجراءات الايرانية وفي ذلك كله انعكاسات سلبية على أمريكا وحلفائها لجهة الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة لديهم وزيادة التكاليف على الاقتصاد الأمريكي والغربي والعالمي.

ويعتقد أن فاعلية ورقة القوة الإيرانية قد تزداد أكثر مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، بسبب انعكاس أسعار الطاقة والتضخم على الداخل الأمريكي.

استعدادات عسكرية بالتوازي مع الدبلوماسية

حال استعداد عسكرية وأمنية متزايد تشهدها ايران نتيجة احتمال عودة المواجهة العسكرية في ظل السلوك الامريكي الترمبي المتناقض والمتهور . ولعل المؤشرات تلاحظ بالتعيينات العسكرية والأمنية في هياكل القيادة التي شهدتها البلاد مؤخرا ، وبالتوجيهات المتعلقة برفع الجاهزية وتطوير القدرة على تنفيذ عمليات هجومية، لا الاكتفاء بالدفاع والرد على الاعتداءات.
يأتي ذلك في ظل نظرة طهران الى السلوك الأمريكي على انه قد يكون محاولة لكسب الوقت والاستعداد لجولة جديدة من الحرب، معلنة على لسان عدد من قيادات الحرس الثوري وبعض السياسيين أن ردها على أي هجوم جديد سيفوق ردودها السابقة وبأشكال مختلفة وأن الوقت يعمل لصالحها ما دام إغلاق المضيق ساريا بفاعلية .

ويشير الدبلوماسي الايراني السابق د.هادي أفقهي إلى أن إيران استخلصت دروسا من جولتَيْ الحرب السابقتين، وأجرت تغييرات في تشكيلاتها وبنيتها العسكرية والأمنية استعدادا لصراع طويل لا يقتصر على تبادل الضربات، بل يشمل الاقتصاد والملاحة والداخل السياسي والحرب النفسية.

ثلاثة سيناريوهات محتملة

ترتكز الرؤية الايرانية على ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة البرزخية من اللاحرب واللاسلم . الاول يقوم على استمرار المواجهة تحت سقف الحرب الشاملة، عبر تشديد الحصار والعقوبات والمناورات والتهديدات العسكرية، في مقابل إبقاء إيران مضيق هرمز ورقة ضغط ورفع جاهزيتها للرد . وهذا يعدّ الأقرب للواقع على المدى القصير.

أما السيناريو الثاني فهو احتمال حدوث هجوم أمريكي إسرائيلي مفاجئ، استنادا إلى تجربة طهران مع الهدنات السابقة التي أعقب انتهاءَها اندلاعُ القتال. لكن الباحث د.هادي أفقهي يرى أن هذا الاحتمال أقل ترجيحا بسبب كلفة الحرب السابقة وعدم تحقيق واشنطن أهدافها الاساسية والتراجع الكبير في مستوى ترجيح تحقق اي منها .

والسيناريو الثالث يتمثل بالعودة إلى تفاوض غير مباشر، بوساطة باكستانية و عمانية. وقد يقود هذا المسار إلى اتفاق مرحلي يعالج الحصار والملاحة الدولية.

خلاصة القول، أن إيران لن تغلق باب التفاوض، لكنها لن تعود إليه بالشروط السابقة وهي تعتبره -على لسان قيادييها- شكلا من اشكال الصراع مع العدو .

على أنه يبقى الانتقال إلى اتفاق جديد مرهونا – وفق النظرة الايرانية- بمدى إستعداد واشنطن لتقديم إجراءات فعلية قابلة للقياس بشأن الحصار والأموال المجمدة، لا مجرد تمديد مهلة تقول طهران إن شروطها لم تُنفّذ أصلا.

انتقال ترمب من “الغضب الملحمي” الى “الغضب الاقتصادي”.. لماذا؟

يجمع غالبية الخبراء في السياسة الامريكية والباحثين أن الذي جعل ترمب ينتقل من عملية “الغضب الملحمي” العسكرية الى “الغضب الاقتصادي” واعطائه الاوامر بتوجيه ضربة اقتصادية تاريخية قوية لايران، هو فشل العملية العسكرية في تحقيق الاهداف .

وفي هذا السياق تحدث الباحث في السياسة الدولية والأكاديمي عارف نصر من لندن فاعتبر أن “ترمب فشل عسكريا في تركيع ايران او تحقيق اهداف ذات شأن، وأنه بعد تيقنه من عدم تحقيق اهدافه ومن الصعوبة البالغة في تحقيقها، انتقل الى تصعيد الحرب الاقتصادية لإحداث زعزعة وانهيارات اقتصادية مالية، يَتوقعُ هو ان تؤدي الى انقسام وحال من التوتر الداخلي ما يسمح له باستغلال المطالب الشعبية لإحداث تصدع في النظام الايراني “.

الا ان في ذلك قصور كبير في فهم بنية المجتمع والدولة في ايران والتي يؤكد الباحثون المتخصصون على أنهما أعقد واقوى من ذلك بكثير نتيجة تفوق التعصب القومي والوطني على كل القضايا حتى المعيشية منها .

تحول “الغضب الملحمي” الى حرب استنزاف لأمريكا

الحرب الأمريكية على إيران دخلت مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تحولت من عملية عسكرية سريعة الانجاز الحاسم ، كبيرة النتائج بحسب الرئيس دونالد ترمب ، إلى حرب طويلة ستكون كبيرة الاستنزاف لمخزونات الأسلحة الأمريكية الدفاعية والهجومية. هذا ما يضعف قدرة واشنطن على الردع، ويثير قلق الحلفاء، بينما تفرض على الإدارة الأمريكية البحث عن مخرج تفاوضي من صراع لم تحقق فيه أيا من أهدافها المعلنة. هذا التقدير تقاطعت عليه تقارير نشرتها صحف الغارديان البريطانية وواشنطن بوست ونيويورك تايمز ومجلة أتلانتيك الامريكية.

ووفق ما ورد في صحيفة الغارديان، ضمن تقرير للكاتب روبرت تايت من الولايات المتحدة ، “إن الحرب باتت بالنسبة إلى ترمب أشبه بفيلم يكرر مشهدين فيبدأ بتهديد عسكري كبير، ثم تراجع في اللحظة الأخيرة بذريعة وجود فرصة للتفاوض”.

وتشير الصحيفة إلى أن ترمب كرر هذا الأمر 7 مرات على الأقل منذ بدء الحرب، كان أحدثها إعلانه إلغاء ضربة، قال عنها أنها ستكون الأكبر في التاريخ ، مبررا ذلك بوجود فرصة لإبرام صفقة مع إيران.

غياب إستراتيجية واضحة تفاقم أزمة أمريكا

إن الأهداف الاستراتيجية التي افتعلت إدارة ترمب الحرب لأجلها لم تعد موجودة، وحل محلها أهداف تكتيكية بسيطة. فبدلاً من الحديث عن تغيير النظام الإيراني أو دفع الشعب الإيراني إلى إسقاط حكومته ونظام الدولة، أصبح ترمب يركز بصورة متزايدة على إعادة فتح مضيق هرمز، الذي كان مفتوحا أصلاً قبل الحرب، والذي أصبح إغلاقه أحد أبرز نتائج الصراع.
وبحسب ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية عن قسم الابحاث في جامعة ميزوري “أن ترمب وأعضاء إدارته إرتكبوا خطأً جوهريًا في فهم طبيعة النظام الإيراني، عندما ظنوا أن بإمكانهم إخضاعه تحت ضغط القصف والتهديد، ولم يفهما ماذا يعني أن تكون الغالبية الساحقة من قادة النظام الايراني الحاليين يرتبطون به ارتباطا عضويا ثورياً ووجوديا عميقا به.

خطورة تبدل الأزمة من سياسية الى أزمة قدرات عسكرية:

لعل العامل المستجد وهو الأكثر خطورة في الحرب، هو انتقال الأزمة من مستوى القرار السياسي إلى مستوى القدرة العسكرية الفعلية، هذا ما نقلته صحيفة واشنطن بوست عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية والدولة العميقة التي ترسم السياسات الحقيقية.

وكشف تقرير للكاتب برانشو فيرما نشر في الواشنطن بوست أن وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تضغط على شركات الصناعات الدفاعية لتسريع عجلة إنتاج الأسلحة والذخائر، بعدما وصلت بعض المخزونات نتيجة الحرب إلى مستويات مقلقة.

وقد وجه نائب وزير الحرب ستيفن فاينبرغ مذكرة إلى قادة شركات الصناعات الدفاعية، منحهم فيها 21 يوما لتقديم خطط تؤدي إلى زيادة الإنتاج وتسريع عمليات التسليم، مؤكدا أن دورات تطوير الأسلحة التي تستغرق سنوات لم تعد مقبولة، وأن المطلوب هو توسيع الطاقة الإنتاجية “الآن” قبل الغد، وفق ما نشرته الصحيفة نفسها.

كما أن البنتاغون عقد في أواخر تموز/ يوليو 2026 اجتماعا مع كبار شركات الدفاع، بينها “لوكهيد مارتن” و “نورثروب غرومان” و”بوينغ”، إلى جانب شركات تكنولوجية وعسكرية ناشئة مثل “أندوريل” و”بالانتير”،وطالب المسؤولون الأمريكيون الشركات بالضغط على أعضاء الكونغرس للموافقة على تمويل خطط زيادة الإنفاق الدفاعي.

كما أبرمت الوزارة ما وصفته بـ”اتفاقات إطارية” لزيادة إنتاج الذخائر منخفضة التكلفة وأنظمة الدفاع الجوي، بما فيها باتريوت وثاد.

استنزاف تفاقمه عقبة التمويل

غير أن هذه الخطط تصطدم بعقبة التمويل، فالاتفاقات الإطارية ليست عقودا ملزمة، ولا يمكن تحويلها إلى مشتريات فعلية ما لم يوافق الكونغرس على التمويل اللازم.

وبحسب واشنطن بوست وفق مدير مشروع الدفاع الصاروخي في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، توم كاراكو، فإن المشكلة تكمن في أنه “لم يتم التعاقد على شيء من الخطط والمشاريع التي تمت الموافقة عليها سابقا “، لأن الأموال المطلوبة لم يوافق الكونغرس على اعتماداتها بعد.

وتكشف أرقام الصحيفة نفسها حجم الاستنزاف الكبير للمخزون التسليحي. ففي الشهر الأول فقط من الحرب أطلقت الولايات المتحدة أكثر من 850 صاروخ توماهوك، وأكثر من ألف صاروخ اعتراضي من طرازي باتريوت وثاد، بالإضافة إلى أكثر من 1300 صاروخ باليستي تكتيكي. وانخفض مخزون صواريخ باتريوت من نحو 2200 قبل الحرب إلى أقل من 827، بينما تراجع مخزون ثاد من 452 إلى أقل من 278، وفقا لمعلومات وتقدير مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن.

هذا ما سينعكس حكمًا على الخيارات العسكرية الأمريكية التي بدأت تضيق كلما اقتربنا من 3 نوفمبر القادم ،يأتي ذلك في وقت عززت فيه إيران موقعها التفاوضي مستندة بقوة إلى السيطرة على مضيق هرمز.

وتشير مجلة أتلانتيك الأمريكية إلى أن إعادة بناء هذه المخزونات ستحتاج إلى سنوات، حتى في حال توفير التمويل. في حين تؤكد نيويورك تايمز، أن آثار الإستنزاف تجاوزت حدود الشرق الأوسط الى ساحة أوروبا وآسيا ، إذ اضطرت الولايات المتحدة إلى سحب صواريخ ومنظومات دفاع جوي وسفن وطائرات ووحدات عسكرية من أوروبا وآسيا (منطقة المحيطين الهادي والهندي ) وإرسالها إلى منطقة النزاع في غرب آسيا والخليج ما يثير تساؤلات حول قدرة الولايات المتحدة على حماية اليابان وكوريا الجنوبية وحلفائها الآخرين إذا اندلعت أزمة مع الصين أو كوريا الشمالية.

وعند السؤال عن المستفيد مما يجري، تتصدر الصين وروسيا اللائحة الجوابية اللتان تراقبان باهتمام بالغ هذا الواقع المستجد، وهو ما قد يمنحهما فرصة لإعادة تقييم نقاط القوة والضعف في الترسانة الأمريكية والتصرف على هذا الاساس. وفي هذا السياق تعتبر أوكرانيا من أولى ضحايا هذا النقص وفق ما أكده رئيسها فولوديمير زيلينسكي.

سياسة التصعيد من أجل خفض التصعيد … هل من قابلية

إن احتمال حدوث تصعيد كبير “لا يزال قائماً كخيار بالرغم من تراجع فرص تنفيذه أو نجاحه في تحقيقه أهدافه “. هذا الكلام لم يأت على لسان مسؤول ايراني أو حليف لإيران ، إنما جاء من داخل واشنطن وهو تقدير مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، مايكل حنّا، الذي اعتبر أن “الرئيس ترامب غير مرتاح للوضع الراهن الذي أفرزه الصراع العسكري”، لكن حنا شدد على أن “استراتيجية التصعيد من أجل خفض التصعيد” من غير المرجح أن تُحدث تحولاً جوهرياً في مسار الأحداث، بل تنطوي على خطر دفع الولايات المتحدة مجدداً نحو حرب شاملة.

وأضاف أنه “رغم العمليات العسكرية الأميركية الكبيرة التي نفذت على ايران الا ان النظام الإيراني بقي صامداً وصلبًا بمواجهة التحركات الأميركية”.

وأضاف أن هذه الخطوة إن حصلت، ستكون محفوفة بالمخاطر بالنسبة لواشنطن وفق مصادر في الإدارة الحاكمة في امريكا ، مبيناً أن المشكلة هي ما يدور في ذهن الرئيس دونالد ترامب، من أن الولايات المتحدة لاتزال هي القوة المتفوقة والمهيمنة عالمياً، وهو يرى نفسه مدفوعا الى إثبات ذلك بعد كل جولة لا تؤتي بأهدافها، وإلا فإنه سيبدو فاقدا لهيبته ومكانته”.

وعن امكانات رد الفعل الإيراني، قال المسؤول السابق بالناتو، إن “طهران تمتلك ما يكفي من الطائرات المسيّرة والألغام البحرية للتحكم بالملاحة البحرية العالمية وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما قد يدفع المؤسسة العسكرية الأميركية إلى نصح الرئيس ترامب بعدم الإقدام على توجيه ضربة عقابية كبيرة “.

أخيرا نحن نقف أمام سباق محموم بين مسارين : تسارع التحضيرات لتصعيد واسع محتمل وبين تغليب شروط هدنة ملزمة لتطبيق التفاهمات ترسي اتفاقا نهائيا يشكل الضمانة لتسوية النزاع والتصعيد المتكرر والذي لا بد من أن يأتي بخسائر على الولايات المتحدة في حال اندلاع مواجهة جديدة تتجاوز كلفتها مليارات الدولارات يومياً أو أسبوعياً، وزيادة العجز الفيدرالي والدين العام. بالاضافة الى ضغوط تضخمية داخل السوق الأمريكية وارتفاع أسعار الوقود (البنزين) على المستهلك المحلي وتحركات داخلية محتملة.

والأهم في الأمر هو، تضرر مصداقية الردع الأمريكي وتراجعها عبر سلوك ترمب والنتائج التي حصدها على هذا الصعيد لجهة تكرار التهديد بالتصعيد ثم التراجع عنه لمرات كثيرة .وهذا ما لفتت اليه مجلة أتلانتيك وشبكة “إيه بي سي نيوز”، بالقول “إن تكرار هذا السلوك 7 مرات يجعل خصوم الولايات المتحدة أقل تصديقا لتهديدات الرئيس الأمريكي المقبلة ويجعل الحلفاء أقل ثقة بقرارات أمريكا وادارتها” .


المصادر : مواقع اخبارية متعددة عربية ايرانية واجنبية – واشنطن بوست – نيويورك تايمز – مجلة اتلانتيك – الغارديان البريطانية – مراكز دراسات امريكية – مقابلات مع باحثين وصحافيين متخصصين .

المصدر: موقع المنار