الثلاثاء   
   01 09 2026   
   19 ربيع الأول 1448   
   بيروت 15:53

ندوة في جران البترونية تؤكد أن الوحدة الإسلامية والشراكة المسيحية صمام أمان للبنان

في أجواء المولد النبوي الشريف وأسبوع الوحدة الإسلامية، نظمت القوى والشخصيات الوطنية والإسلامية في الشمال ندوة فكرية في بلدة جران البترونية، تحت عنوان «الوحدة الإسلامية والشراكة المسيحية صمام أمان لبنان».

وأكد المحاضرون أن الشراكة الإسلامية والمسيحية هي السبيل الوحيد لوحدة لبنان ومواجهة المحتلين، مشددين على ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة كخيار ينقذ البلاد ويدحر الاحتلال الإسرائيلي ويحرر الأرض ويعيد الأسرى.

وأشار المتحدثون إلى أن مقتضيات الوحدة الإسلامية والشراكة المسيحية تتمثل في مواجهة المشروع الصهيو-أميركي، والتشدد في مواجهة أعداء الإنسانية، وفي المقابل الرحمة بالشعوب على اختلاف مذاهبها وأديانها ومللها، داعين إلى التكامل والتضامن ووحدة الصف ورفع الظلم والتعارف والتآلف، لا الاختلاف والتضاد، معتبرين أن ذلك كله في صلب ما دعا إليه الرسل والأنبياء من مكارم الأخلاق وإقامة العدل واستعادة الحق.

وحضر الندوة نخبة من العلماء والمفكرين والإعلاميين والشخصيات البترونية والشمالية والبيروتية.

وبعد كلمة ترحيب للدكتور جاك رستم باسم القوى والشخصيات الوطنية والإسلامية في الشمال، قدّم للندوة المحامي الأستاذ منير سالم، وتحدث فيها كل من المستشار الثقافي في سفارة الجمهورية الإسلامية في لبنان الدكتور محمد رضا مرتضوي، والأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي الشيخ الدكتور بلال سعيد شعبان، وكاهن رعية القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في طرابلس الأب إبراهيم سروج.

منير سالم

استهل المحامي الأستاذ منير سالم الندوة بكلمة شدد فيها على أن «هذا الوطن فريد بتنوعه، ولا تكتمل هذه الوحدة إلا بالشراكة الحقيقية بين المسلمين والمسيحيين الذين شكلوا على الدوام نسيج هذا البلد منذ تأسيسه»، مشيراً إلى أن «لبنان لم يكن يوماً وطناً لطائفة، بل كان دائماً رسالة عيش مشترك كما وصفه الحبر الأعظم الراحل يوحنا بولس الثاني».

وقال إن التاريخ علّم أن «كل محاولة لتفتيت هذا النسيج قد جرّت على البلاد ويلات الحروب والفتن، بينما كل لحظة توافق بين المسلمين والمسيحيين كانت لحظة إنقاذ واستقرار».

وأضاف: «اليوم نحن نواجه أعداء وحرباً واحتلالاً وأزمات اقتصادية وسياسية وأمنية تهدد مصير الجميع، مسلمين ومسيحيين، وعليه تصبح الوحدة الإسلامية والشراكة الإسلامية المسيحية السبيل الوحيد للدفاع عن لبنان ووجوده. فلنجعل من هذه الندوة محطة نستلهم منها روح المولد النبوي في المحبة والتسامح، ونجدد فيها العهد على أن صمام الأمان الحقيقي للبنان هو وحدتنا وتلاحمنا في الاختلاف ونبذنا لكل صيغ التفرقة التي تظهر كمسميات براقة مثل الفدرالية والكونفدرالية، ولنقف في وجه كل دعوات إلى التقسيم والتفتيت كي نصبح لقمة سائغة في فم الأعداء».

محمد رضا مرتضوي

وأشار المستشار الثقافي في سفارة الجمهورية الإسلامية في لبنان الدكتور محمد رضا مرتضوي إلى أن «نا لا نحتفي بذكرى ولادة شخصية عظيمة فقط، بل نستحضر ولادة رسالة غيّرت مسار التاريخ، وأقامت مجتمعاً، وبنت أمة، وحوّلت الإيمان من عقيدة في القلوب إلى مسؤولية في الحياة من خلال النموذج القدوة النبي الأكرم».

ولفت إلى أن الله دعا إلى الشراكة في فعل الخير وإلى المسؤولية المشتركة من خلال الأمر بالتعاون الجمعي لا الفردي، معتبراً أن «هذا هو مفهوم الوحدة الذي يؤكد أننا شركاء في حفظ المجتمع، في خدمة الناس، في حماية القيم، في مواجهة الفتن، في بناء المستقبل».

واعتبر مرتضوي أن «الوحدة الإسلامية لا تعني إلغاء الاختلاف والإقصاء والإلغاء»، موضحاً أن «الإسلاميين قد يختلفون في بعض المسائل العقائدية والفقهية والتاريخية، ولكن الحكمة ليست في إنكار الاختلاف، بل في أن نمنع الاختلاف من أن يتحول إلى عداوة وتفرقة».

وأضاف أن «الدعوة إلى الوحدة الإسلامية تعني أيضاً المطالبة بالوحدة بين المجتمع مسلمين ومسيحيين، فهذه اللحمة الإسلامية المسيحية ليست أمراً ثانوياً، بل هي جزء من حفظ النسيج الاجتماعي».

وأشار إلى أن «القرآن الكريم يقدّم صورة راقية عن أهل الكتاب، ويذكر السيد المسيح والسيدة مريم بكل إجلال وتكريم، وهذا منطلق من الحوار والاحترام، ومن قيم العدل والكرامة والإنسانية»، مؤكداً أن «رسالة الإسلام تبني الجسور بين أبناء الوطن ولا تبني الحواجز والجدران».

وختم قائلاً: «إن الوحدة الإسلامية هي صمام أمان للمجتمع الإسلامي، واللحمة الإسلامية المسيحية هي صمام أمان للمجتمع الوطني… وكلاهما ينطلقان من مبدأ واحد: أن نجعل ما يجمعنا أقوى مما يفرّقنا».

وأضاف: «الوحدة لا تعني أن نكون نسخة واحدة، بل أن نكون قلوباً متعددة تلتقي على مصير واحد، مع التأكيد أن الشراكة لا تعني أن نترك هوياتنا، بل أن نستخدم تنوعنا في خدمة الإنسان وحماية الوطن».

الشيخ بلال شعبان

وشدد الأمين العام لحركة التوحيد الإسلامي الشيخ الدكتور بلال سعيد شعبان على أن «الله سبحانه أمر أصحاب الرسالات أن يعيدوا الحق إلى نصابه وأن يقيموا العدل بين الناس، والرسل والأنبياء هم سلسلة متكاملة مترابطة تنتمي إلى المشروع الإنساني الرباني ولا تنتمي إلى جهة من الجهات».

وقال إن «الكثير من الناس على الطريقة اللبنانية يقسم الرسل والأنبياء والأئمة والآل والصحابة، فلدى هؤلاء بكل بساطة آل البيت للشيعة والصحابة للسنة وسيدنا عيسى عليه السلام للمسيحيين وموسى عليه السلام لليهود ومحمد صلى الله عليه وسلم للمسلمين، وهذا التقسيم هو ستة في ستة مكرر على الطريقة اللبنانية ولا علاقة له بالرسالات».

وأضاف أن «الرسل والأنبياء شجرة طيبة أوجدها الله عز وجل في هذه الدنيا من أجل إقامة العدل فيما بين الناس وليس من أجل التقاتل والتضاد فيما بين الناس، فعندما يحتمي المسلم خلف محمد عليه الصلاة والسلام ليقتل من هو خلف عيسى عليه السلام فقد خالف دينه وخالف كل الشرائع».

وأضاف الشيخ شعبان: «من هنا يجب علينا أن نتنبه لكل ذلك، الله سبحانه خاطب أهل الإيمان وخاطب الناس، وقد أخبر سبحانه الناس باختلافهم اختلاف رحمة، فحدد فروقاً بين البشر للتعارف وليست للتعارك، اختلاف في الجنس وفي اللغات والأعراق والألوان. هذا الاختلاف ليس اختلاف تضاد وإنما اختلاف تكامل، والناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق، لذلك كلكم لآدم وآدم من تراب».

وتابع: «وبناء عليه جاءت الرسالات السماوية مكملة لبعضها بعضاً من أجل أن تصل إلى العدل والقسط، فكل رسالة لا تقوم على محاربة الظلم وعلى إقامة العدل تكون رسالة ناقصة، ليست في حال من الأحوال ذلك الدين السماوي الذي أرسله الله عز وجل للناس كي يتكاملوا».

وأكد: «إن مشروع المقاومة الذي انطلق ضد المشروع الصهيوني المحتل الغاصب للبنان لم تكن في يوم من الأيام وكالة حصرية، وإنما كانت شراكة بين الجميع. نقول ذلك لأننا اليوم نجد من يحاول أن يركز على تطييف المقاومة من أجل أن يعزلها عن بيئتها الوطنية اللبنانية».

وأضاف: «فالمقاومة في العام 1948 كانت مقاومة شعبية، ثم بعد ذلك مقاومة فلسطينية في جنوب لبنان، وقد أسّس المقاومة في داخل القدس وأرسل مجموعة مسلحة هناك هو المطران هيلاريون كبوتشي من أجل أن ينشئ مقاومة، ثم كانت مقاومة جنوب لبنان، مقاومة وطنية، مقاومة جمول، مقاومة سناء محيدله، سهى بشارة، رولا عبود، كل أولئك. المقاومة مشروع إنساني عابر للأديان وللتجزئة السياسية التي وضعت في بلادنا، لأنها مشروع كرامة إنساني، لتنطلق بعد ذلك المقاومة الإسلامية في العام 1982».

وقال: «وليس صحيحاً أن ما يجري اليوم هو حالة من حالات الضعف أبداً، ما يجري اليوم هو مخاض كبير لولادة مشروع شرق أوسط جديد لن يكون فيه لأميركا والكيان الصهيوني الغاصب وجود في المنطقة».

الأب سروج

وأشار كاهن رعية القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس في طرابلس الأب إبراهيم سروج إلى أن «القرآن الكريم قال إن النبي محمد هو رحمة للعالمين، وهو الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق»، مضيفاً: «ونحن إذ نجتمع حول عنوان الوحدة الإسلامية يبقى هذا الشعار في باب التمنيات لأننا لا زلنا بعيدين جداً عن الوصول إلى كوننا صمام أمان للبنان بمسلميه ومسيحييه، فالمسلمون ليسوا واحداً وكذلك المسيحيون».

وأضاف: «إن هذا الهدف الأسمى يحتمل مشقة كبيرة وربما بعد ألف سنة، ولكنه حال المؤمن. يقول داود النبي: إن ألف سنة في عينيك يا رب هي مثل أمس الذي عبر، ويقول أيضاً: إني لن أدخل خباء بيتي، ولن أصعد على فراش سريري، ولن أعطي لعيني نومًا ولا لأجفاني نعاساً، إلى أن أجد مقاماً للرب، مسكناً للقدير إله يعقوب».

وتساءل: «فهل في الدنيا مقام لله تقوم فيه الحياة الكريمة من مأكل ومشرب وملبس ويسود فيه العدل والرحمة والصحة والعافية إلى أن يرث الله الأرض ومن فيها؟ هل أمكنة العبادة مسيحية وإسلامية يحكم فيها الله ولا أحد غيره؟ هل يسود العدل وتنتشر الرحمة في المحاكم الروحية؟ أم أن هناك الفساد والرشوة وسائر الموبقات؟».

وأضاف: «قد تجيبون بأنه لا مكان لله في أرضه، ولكن المؤمن الحقيقي لا ييأس من رحمة ربه، إذ إنه مقتنع بأنه شريك عمل مع الله، وكل أعماله يعملها بلياقة وترتيب ليكون العدل سائداً والرحمة جارية كمياه الأنهار، فلا ظلم عنده ولا محاباة للوجوه».

واقترح الأب سروج إنشاء منظمة تقوم على دراسة الكتب السماوية وتعمل بوحيها، فتبتعد عن كل بيروقراطية، مضيفاً: «الحرية يجب أن تكون متاحة لجميع الأعضاء في التفكير والعمل، فلا ظلم ولا طغيان، بل سلام ومحبة بين الجميع، الجميع الذي يعمل يقدم قدر طاقته ويأخذ حسب حاجته، على أن تكون القوانين والشرائع محل طاعة بفرح دون إكراه في الدين أو عنف».

وتابع: «وتلك المنظمة التي يحب كل واحد نفسه وأخاه كنفسه، تجتمع دورياً للدرس والعمل، وتنظر بدءاً بالمشروعات الصغيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: دراسة وضع المدارس الأرثوذكسية في الشمال، فيتم دراسة حالتها وتقترح الحلول بلطف وحرية».

وأضاف: «وهنا نوجه دعوة إلى أهل العلم والمعرفة في كل اختصاص، ونعمل معهم ومع كل المخلصين لتقديم الحلول والعمل على تطبيقها، وإن كل عمل صغير يكتب له النجاح يقود إلى نجاح آخر».

جاك رستم

وألقى الدكتور جاك رستم كلمة باسم القوى والشخصيات الوطنية والإسلامية في الشمال، رحّب فيها بالحضور، سيما بالضيوف المتحدثين وبالشخصيات البترونية والشمالية، مهنئاً الأستاذ عبد الناصر المصري بانتخابه رئيساً لحزب المؤتمر الشعبي اللبناني.

وأكد رستم «وقوفنا موحدين مع أهلنا الصامدين في الجنوب الذين يقاسون الاحتلال والعدوان»، موجهاً التحية إلى «المقاومين الأبطال وعظيم تضحياتهم وشهدائهم الأبرار».

من جهة أخرى، اعتبر رستم أن «هذا اللقاء الجامع يفتح الآفاق لعمل ثقافي وفكري رائد يحمل تطلعات سياسية وطنية على مستوى الشمال كله»، مؤكداً «أننا على يقين بأن خطنا الوطني بات اليوم أحوج ما يكون إلى مزيد من التحصين وإلى إعادة قراءة استراتيجيات الماضي بما يتلاءم مع تحديات المرحلة الراهنة ومقتضياتها».

المصدر: موقع المنار