“صنع نفسه بنفسه” عبارة سمعناها كثيرًا منذ الصغر، وقرأنا حولها قصصًا لا تُحصى عن أشخاص عاديين قيل إنهم «صنعوا أنفسهم من لا شيء»، وتحدّوا المستحيل حتى بلغوا قمم التفوق والمجد.
لكن هل توقفنا يومًا أمام هذه العبارة لنسأل عن مدى دقتها؟ فالإنسان لا يختار البيئة التي نشأ داخلها، ولا نوعية التعليم والفرص المتاحة له. في الواقع، تبدو سردية النجاح الفردي واضحة في قصص التفوق التي تعرضها منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ نرى أشخاصًا يسكنون القصور، ويقودون السيارات الفارهة، ويعيشون حياة مثالية. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تعبّر هذه الصورة فعلًا عن حياتهم كاملة، أم أنها مجرد مشهد منتقى بعناية؟
نعيش اليوم في عالم يتزايد فيه التطلع إلى الثراء السريع، وامتلاك كل شيء دفعة واحدة، والعيش وفق صورة مثالية ترسمها الشاشات ومنصات التواصل أمام الأجيال الجديدة. ويُسوَّق هذا النموذج أحيانًا بقدر كبير من التبسيط، وكأن كل إنسان قادر على بلوغ هذه الحياة بمجرد أن «يصنع نفسه بنفسه»، من دون الالتفات إلى ظروفه أو بيئته أو الفرص التي انطلق منها.
ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه الفكرة من خلال أربعة أبعاد رئيسية:
1. إنكار أثر الظروف
قد يصنع الإنسان جزءًا كبيرًا من مستقبله، لكنه لا يصنع نقطة انطلاقه. فهو لا يختار الأسرة التي وُلد فيها، ولا البيئة الاجتماعية والاقتصادية التي نشأ داخلها، ولا جميع الفرص والعوائق التي قد تعترض طريقه.
لذلك، فإن الفصل الكامل بين البيئة المحيطة بالإنسان وبين الإنجاز الذي يحققه ينطوي على قدر كبير من التبسيط؛ إذ لا يمكن تجاهل أثر عوامل مثل الاستقرار الأمني والاقتصادي والسياسي عند الحديث عن النجاح أو الفشل.
فالطفل الذي يولد اليوم في كابول لا يمتلك بالضرورة فرص التطور والتقدم نفسها التي يمتلكها طفل يولد في زيورخ، إلا في حالات استثنائية لا يمكن تحويلها إلى قاعدة عامة.
ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الجهد أو المثابرة، بل التأكيد على أن النجاح غالبًا ما يكون نتيجة تفاعل بين الجهد الفردي والظروف والفرص المتاحة.
وعندما أسس جيف بيزوس شركة أمازون عام 1994، استفاد في مرحلة الانطلاق من دعم عائلي مهم؛ ففي عام 1995 استثمر والداه نحو 245 ألف دولار في الشركة الناشئة. وهذا لا ينتقص من نبوغه أو أهمية فكرته، لكنه يوضح أن البيئة المحيطة قد تؤدي دورًا أساسيًا في توفير نقطة البداية
لا يعني الاعتراف بأثر الظروف أن الإنسان عاجز عن تغيير حياته، أو أن الجهد لا قيمة له. فالمبادرة والمثابرة واستثمار الفرص عناصر حقيقية في النجاح، لكنها تعمل داخل سياق لا يختاره الفرد بالكامل. ومن ثم، فإن الإنصاف يقتضي أن نحمّل الإنسان مسؤولية قراراته، من دون أن نحمّله مسؤولية كل ما يحيط به.
2. الوهم البصري واستعراض المنصات
ما نراه على منصات التواصل الاجتماعي من حياة مترفة، وفلل فاخرة، وسيارات باهظة الثمن، وساعات وثياب ثمينة، قد يكون حقيقيًا في جانب منه، لكنه غالبًا ما يُعرض بعد تنقيته من كل ما يمكن أن يشوش الصورة المثالية.
المشكلة أن هذه المنصات لا تُظهر لنا الطريق الذي أدى إلى النتيجة، بل تكتفي بعرض النتيجة نفسها. فهي لا تشرح كيف بُنيت الثروة، ولا حجم المخاطر أو الإخفاقات التي رافقت الرحلة، ولا ما إذا كانت التجربة قابلة للتكرار أصلًا.
كل ما يصل إلى المشاهد هو المشهد النهائي: الثراء، والرفاهية، والتفوق الظاهر. وهنا يتحول الأمر من عرض تجربة كاملة إلى صناعة انطباع هدفه جذب الانتباه وإثارة الإعجاب.
ومن تجربة شخصية، كنت كلما فتحت منصة «إنستغرام» أرى مقاطع قصيرة عن رجل أعمال هندي يعيش في دبي يُعرف باسم بالويندر سينغ ساهني «أبو صباح»، وكان يظهر في حياة شديدة البذخ، إلى حد عرض سيارة “بوغاتي” تساوي 2 مليون دولار في صالون منزله وشراء لوحة سيارة دبي -5- بقيمة 9 ملايين دولار في مزاد علني .
لكن القصة لم تنتهِ عند هذه الصورة اللامعة. فقد ارتبط اسمه لاحقًا بقضية عُدّت من أبرز قضايا غسل الأموال في المنطقة، وصودرت ممتلكات بقيمة 150 مليون درهم، وحُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات، وفق ما أورده موقع «العربي الجديد» بتاريخ 5 مايو/أيار 2025.
وهنا تكمن المشكلة: ما يُعرض أمامنا قد يكون جزءًا حقيقيًا من الصورة، لكنه ليس بالضرورة الحقيقة كاملة. وقد يتحول المشهد المصقول إلى غطاء بصري يصنع أسطورة لا تعكس الواقع بكل تعقيداته.
3. تسويق الثراء السريع والتسطيح الفكري
في السنوات الأخيرة، ازداد التركيز على نموذج أحادي للنجاح، يُقاس أساسًا بالمظاهر الاستهلاكية: منزل فاخر، وسيارة غالية، وساعة ثمينة، وسفر دائم. وفي المقابل، تتراجع في هذه الصورة قيمة التراكم المعرفي، والخبرة العملية، والإنجاز المهني، والتأثير الإيجابي في المجتمع.
فقد يكون شخص ما طبيبًا ناجحًا جدًا، قضى نحو خمسة عشر عامًا من حياته في الدراسة والتدريب، لكنه لا يمتلك ثروة كبيرة. ومع ذلك، قد يُنظر إليه، من زاوية الثقافة الاستهلاكية السائدة، على أنه أقل نجاحًا من شخص يمتلك المال ويجيد استعراضه، مع أن الطبيب يؤدي إسهامًا مهمًا في المجتمع، حتى لو لم يمتلك ثروة كبيرة.
وهنا يحدث الخلل.
فعندما يصبح المال هو المقياس الوحيد للنجاح، يُختزل الإنجاز الإنساني كله في المظهر، ويُهمَّش العلم والخبرة والمهنية والقيمة التي يضيفها الإنسان إلى مجتمعه.
كما يزرع هذا الخطاب في أذهان الأجيال الناشئة تصورًا غير واقعي عن النجاح، فيتحول الثراء السريع إلى هدف بحد ذاته، بعيدًا عن الصبر والتراكم والعمل طويل المدى.
وعندما تصطدم هذه التوقعات بالواقع، تكون النتيجة في كثير من الأحيان الإحباط والشعور بالفشل، حتى لدى أشخاص يحققون تقدمًا حقيقيًا في حياتهم، لكنه لا يشبه الصورة البراقة التي يرونها على الشاشات.
4. تحويل العبء إلى الفرد وإدانة من لم ينجح
ينطوي منطق «صنع نفسه بنفسه» على جانب أكثر خطورة. فإذا افترضنا أن كل ناجح قد صنع نجاحه وحده، فقد نصل تلقائيًا إلى استنتاج ظالم: أن من لم يحقق نجاحًا استثنائيًا هو شخص لم يجتهد بما يكفي، أو يفتقر إلى الكفاءة والإرادة.
ويتقاطع هذا التصور مع ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ«الاعتقاد بعدالة العالم» (Belief in a Just World)، أي الميل إلى النظر إلى نتائج الناس على أنها انعكاس لما يستحقونه، بما قد يؤدي إلى التقليل من أثر الظروف الخارجية وتحميل الفرد مسؤولية ما آل إليه وضعه.
وتظهر المشكلة بوضوح عند تقديم قصص النجاح بوصفها نماذج قابلة للتكرار. فجيف بيزوس، مثلًا، تخرّج عام 1986 من جامعة برينستون في دفعة من 1052 طالب. وللمعلومة فان موقع BUSINESS INSIDER وفي تقرير له بتاريخ 05/08/2015 أورد فيه ان هناك 29 شخصية فقط من الانجح بتاريخ جامعة برينستون والتي تخرجت اول دفعة منها عام 1748 وما زالت تخرج ما يقارب 2000 طالب سنوياً الى الان.
وهنا تكمن المفارقة: قصص النجاح قد تكون مصدرًا حقيقيًا للإلهام، لكنها تصبح مضللة عندما تُقدَّم كدليل على أن الجميع يملكون الفرصة نفسها، وأن الفارق بين من وصل ومن لم يصل هو مقدار الجهد وحده.
لذلك، فإن الاعتراف بالمسؤولية الفردية لا يعني تجاهل الظروف المحيطة. فمن العدل أن نحمّل الإنسان مسؤولية قراراته وما يستطيع التحكم فيه، لكن من غير العدل أن نحمله مسؤولية كل الظروف التي وُلد أو عاش داخلها. فالإنسان يملك مساحة حقيقية للاختيار والعمل والمبادرة، لكن هذه المساحة ليست متساوية لدى الجميع.
خاتمة القول
النجاح الحقيقي ليس نتيجة جهد فردي مطلق، كما أنه ليس نتاج الظروف وحدها. إنه نتيجة تفاعل معقد بين سعي الإنسان وموهبته وتعليمه، وبين البيئة والفرص والتوقيت والظروف المحيطة به. لذلك، لا ينبغي أن نستخدم قصص الناجحين لإدانة من لم يصل إلى المكان نفسه، ولا أن نختزل قيمة الإنسان في ثروته أو مظهره. فقد يكون النجاح في بناء مسيرة مهنية متينة، أو تطوير المعرفة والخبرة، أو أداء دور نافع في المجتمع بنزاهة وإتقان.
الإنسان لا يصنع نفسه من لا شيء، لكنه يستطيع أن يصنع الكثير مما هو ممكن ومتاح.
