السبت   
   05 09 2026   
   23 ربيع الأول 1448   
   بيروت 18:14

خاص | الصراع على ممرات النفط والغاز: ومحاولة إعادة رسم طرق الطاقة في الشرق الأوسط

القسم الثاني : البدائل

شكّلت الطاقة أحد أبرز محاور الصراع في الشرق الأوسط، إلا أن التحولات الجيوسياسية الراهنة أعادت صياغة طبيعة هذا الصراع وأدواته. في القسم الأول من هذا البحث، تناولنا أبرز نقاط الاختناق التي تمر عبرها شحنات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق العالمية، بدءًا من مضيق هرمز وباب المندب، مرورًا بالبحر الأحمر، وصولًا إلى قناة السويس ومنها إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، وبيّنا كيف يمكن أن يؤدي إغلاق هذه الممرات أو تعطيلها إلى انعكاسات مباشرة على أسعار الطاقة وحركة التجارة العالمية.

لقراء المقال خاص | الصراع على ممرات النفط والغاز ومحاولة إعادة رسم طرق الطاقة في الشرق الأوسط – قناة المنار

أما القسم الثاني، فيتناول الطرق والمسارات البديلة التي تسعى الدول المتضررة إلى استخدامها لتجاوز نقاط الاختناق، إلى جانب محاولات استحداث مسارات جديدة لنقل الطاقة، بما يعيد رسم خريطة تدفقات النفط والغاز وموازين النفوذ في المنطقة.

السعودية والإمارات والبحث عن طرق تتجاوز هرمز

لم يكن توجه السعودية والإمارات نحو البحث عن طرق بديلة لمضيق هرمز مجرد خيار اقتصادي أو رغبة في تنويع مسارات تصدير النفط، بل جاء في ظل العدوان المستمر على إيران من قبل الولايات المتحدة حول المضيق، وما رافقه من تهديدات متكررة لأمن الملاحة وتدفقات الطاقة، الأمر الذي دفع الدولتين إلى تقليل اعتمادهما على هذا الممر الحيوي والبحث عن مسارات أكثر أمانًا واستقلالية.

وتكشف محاولات السعودية والإمارات تجاوز مضيق هرمز أن دول الخليج بدأت منذ سنوات في بناء مسارات بديلة تقلل من اعتمادها على هذا الممر الحيوي. فالسعودية تمتلك خط الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ولم يسلم هذا المسار البديل من تداعيات العدوان الأميركي على ايران؛ ففي 8 نيسان/أبريل 2026، تعرّضت محطة ضخ على خط أنابيب الشرق–الغرب السعودي لهجوم ، وفق مصدر في قطاع النفط نقلت عنه وكالة رويترز، ما أدى إلى تراجع قدرة الضخ عبر الخط بنحو 700 ألف برميل يوميًا. وجاءت الضربة في وقت كانت فيه السعودية تعتمد بصورة أكبر على الخط لنقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بعد تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.

فيما تعتمد الإمارات على خط حبشان–الفجيرة الذي يتيح تصدير النفط عبر خليج عُمان دون المرور بالمضيق. إلا أن هذا المسار البديل لم يكن بمنأى عن تداعيات العدوان الاميركي على ايران، إذ تعرضت منشآت التخزين والتحميل النفطية في ميناء الفجيرة، المرتبطة بنهاية الخط، لهجمات أدت إلى تعطيل عمليات التحميل مؤقتًا، من دون أن يعني ذلك استهداف خط الأنابيب نفسه مباشرة.

وفي ما يتعلق بالبدائل، يوضح الدكتور عماد عكوش الخبير في الاقتصاد والاسواق المالية لموقع المنار الإلكتروني، أن السعودية والإمارات طوّرتا مسارات بديلة لتصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز، أبرزها خط الشرق–الغرب السعودي إلى ميناء ينبع، وخط حبشان–الفجيرة الإماراتي إلى خليج عُمان. إلا أن هذه البدائل، رغم أهميتها في تخفيف الاعتماد على المضيق، تبقى محدودة القدرة مقارنة بحجم التدفقات التي تمر عبره، كما أن نقل الصادرات إلى مسارات بديلة ينقل جزءاً من المخاطر إلى ممرات أخرى، ولا سيما البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل تنويع طرق التصدير عاملاً لتقليل المخاطر وليس بديلاً كاملاً عن مضيق هرمز.

وبحسب ما أورده موقع «The Middle East Insider»، تبلغ القدرة الإجمالية للمسارين نحو 6.5 ملايين برميل يوميًا، وهي كمية لا تغطي سوى جزء من التدفقات المعتادة عبر هرمز، ما يعني أن هذه البدائل توفر هامشًا من المناورة، لكنها لا تستطيع إلغاء الاعتماد على المضيق. ومن هنا، فإن استراتيجية السعودية والإمارات لا تقوم على الاستغناء الكامل عن هرمز، بل على تقليص مستوى الاعتماد عليه وامتلاك طرق بديلة يمكن استخدامها عند تعرض الملاحة فيه للخطر.

الممر العراقي–السوري–التركي… الصراع على البوابة البرية

يمتلك العراق نحو 145 مليار برميل من الاحتياطي النفطي المؤكد، وهو ثاني أكبر منتج للنفط الخام في منظمة أوبك بعد السعودية. وفي 2024 بلغ إنتاجه من السوائل النفطية نحو 4.5 ملايين برميل يوميًا، فيما بلغ إنتاج الخام نحو 4.4 ملايين برميل يوميًا. معظم الحقول الكبرى تقع في البصرة، وكركوك، وديالى.

وهنا تكمن المفارقة العراقية: العراق من أكبر المنتجين، لكنه ظل يعتمد بدرجة كبيرة على منفذ تصدير بحري واحد في الخليج الفارسي، وهذا يجعل الإنتاج النفطي العراقي مرتبطًا بأمن الخليج ومضيق هرمز. وقد كشفت العدوان الأميركي على ايران اواخر شباط 2026 هذه المشكلة بوضوح؛ إذ أدت اضطرابات الملاحة إلى تعطيل جزء كبير من صادرات العراق الجنوبية، الأمر الذي دفع بغداد إلى تسريع البحث عن منافذ بديلة باتجاه تركيا وسوريا والأردن.

العلاقة النفطية بين العراق وتركيا ليست جديدة. فخط العراق–تركيا النفطي أُنشئ لنقل نفط كركوك والحقول العراقية الأخرى إلى ميناء جيهان التركي على المتوسط.

الخط الأول بدأ تشغيله عام 1976 بطول 986 كلم، ثم أُنشئ خط ثانٍ رفع القدرة السنوية إلى نحو 70.9 مليون طن.

وهذا يعني أن العراق يمتلك أصلًا نافذة استراتيجية على البحر المتوسط من خلال تركيا. والتطور الأهم حاليًا أن بغداد وأنقرة وقعتا في الأول من آب/أغسطس 2026 اتفاقًا لمدة سنة لاستمرار تشغيل خط العراق–تركيا. الاتفاق يحافظ على قدرة تشغيلية تبلغ 750 ألف برميل يوميًا، في حين أن القدرة التصميمية للخط تصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، بينما التدفقات الحالية تقارب 170 ألف برميل يوميًا.

والأهم أن تركيا تريد توسيع استخدام هذا الخط، حتى إن وزير الطاقة التركي أشار إلى إمكانية تمديده جنوبًا وصولًا إلى الحقول العراقية الجنوبية، بما يسمح بنقل جزء كبير من النفط العراقي إلى المتوسط بدل مروره عبر الخليج.

وهنا تتحول تركيا من مجرد دولة عبور إلى شريك يتحكم بجزء من بوابة العراق إلى الأسواق الأوروبية والمتوسطية.

وفي هذا السياق، يرى الدكتور عكوش، أن الممر العراقي–السوري–التركي يمثل خياراً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية ونقاط الاختناق، من خلال ربط الخليج بالعراق وسوريا وتركيا وصولاً إلى الأسواق الأوروبية. ويقوم هذا التصور على تطوير شبكة متكاملة من الطرق والسكك الحديدية وأنابيب النفط والغاز، بما يمكن أن يحول العراق إلى عقدة إقليمية للطاقة والنقل، ويمنح تركيا دور البوابة الشمالية نحو أوروبا، ولا سيما عبر مشروع «طريق التنمية» وإمكانية إعادة تفعيل خطوط الأنابيب، ومنها خط كركوك–بانياس.

إلا أن عكوش يشير إلى أن تحقيق هذا الدور يبقى مرتبطاً بتجاوز مجموعة من التحديات السياسية والأمنية والمالية والتقنية، وفي مقدمتها عدم الاستقرار في سوريا، وضعف البنية التحتية، والتنافس الإقليمي والدولي، إضافة إلى الكلفة المرتفعة لتأمين وصيانة شبكات تمتد لآلاف الكيلومترات. وبالتالي، فإن الممر يمتلك إمكانات كبيرة لإعادة تشكيل خريطة نقل الطاقة بين الخليج وأوروبا، لكنه يحتاج إلى استثمارات ضخمة واستقرار سياسي وأمني طويل الأمد حتى يتحول من مشروع جيوسياسي إلى ممر طاقة قابل للتشغيل والمنافسة.

وفي الإطار ذاته يبرز مشروع البصرة–حديثة–بانياس الذي يتيح نظريًا نقل النفط العراقي من الجنوب عبر الأراضي العراقية والسورية وصولًا إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط، بالتوازي مع مشاريع تربط البصرة بحديثة وكركوك ثم بميناء جيهان التركي.

وقد بدأت بغداد خلال عام 2026 خطوات عملية لاختبار هذه المسارات، بالتزامن مع استخدام الأراضي السورية لتصدير بعض المنتجات النفطية ودراسة إعادة تأهيل خطوط الأنابيب، الأمر الذي يعيد الساحل السوري إلى حسابات أمن الطاقة العراقي. ولا تتوقف أهمية هذا التحول عند النفط، إذ إن إعادة تنشيط المعابر والطرق والسكك الحديدية بين العراق وسوريا وتركيا تفتح إمكانية نشوء ممر بري أوسع يمتد من الخليج عبر العراق وسوريا إلى تركيا ثم أوروبا. وفي المقابل، يطرح طريق التنمية العراقي مسارًا آخر ينطلق من ميناء الفاو عبر الأراضي العراقية باتجاه تركيا وأوروبا، بما يجعل العراق نقطة التقاء بين مسارات متعددة: البصرة–سوريا–بانياس، كركوك–جيهان، والفاو–تركيا–أوروبا، إضافة إلى المسار العراقي–الأردني باتجاه العقبة.

ومن هنا لا يبدو الصراع على الممر العراقي–السوري–التركي مجرد تنافس على طريق للنقل أو خط لتصدير النفط، بل هو صراع على وظيفة البوابة نفسها: من يمتلك الطريق الذي يربط الخليج بالمتوسط وأوروبا؟

فتركيا تسعى إلى ترسيخ موقعها بوابةً شمالية للعراق نحو المتوسط والأسواق الأوروبية، بينما تستعيد سوريا موقعها المحتمل كمنفذ عراقي إلى الساحل المتوسطي، في حين يحاول العراق التحول من دولة منتجة للطاقة إلى عقدة إقليمية للعبور والطاقة والتجارة. وبذلك لا يبحث العراق عن بديل واحد لمضيق هرمز، وإنما عن شبكة متعددة المخارج تمنحه هامشًا أكبر من المناورة والأمان في مواجهة اضطرابات الممرات البحرية، وتحول موقعه الجغرافي من مصدر هشاشة إلى مصدر قوة استراتيجية.

لبنان في قلب تقاطع الممرات

تتجلى أهمية موقع لبنان على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط في امتلاكه منفذًا بحريًا يمكن أن يؤهله للاضطلاع بدور مركز إقليمي للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية، مستفيدًا من موقعه الذي يربط حوض المتوسط بالداخل المشرقي والأسواق العربية. وتزداد أهمية هذه الميزة بالنظر إلى محدودية المنافذ البحرية لبعض دول المنطقة، ولا سيما العراق، الأمر الذي يتيح للبنان إمكانية أداء دور بوابة بحرية باتجاه هذه الأسواق، وربطها بالأسواق الأوروبية والمتوسطية، وصولًا إلى إيران ودول مجلس التعاون الخليجي.

ويرى العميد المتقاعد إلياس فرحات، الخبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، أن إنتاج الغاز في شرق المتوسط يتركز بصورة أساسية في الحقول الواقعة قبالة ساحل فلسطين المحتلة، ولا سيما حقول ليفياثان وتمار وكاريش، إلى جانب عدد من الحقول الأصغر. ويشير إلى أن كيان العدو لا يمتلك حتى الآن منشأة لتسييل الغاز، لذلك يُنقل جزء من الغاز المنتج عبر خطوط أنابيب إلى محطات التسييل في مصر، ومنها محطة دمياط، ليُعاد تصديره بحراً إلى الأسواق الأوروبية.

وبحسب فرحات، لا يمتلك لبنان في المرحلة الراهنة دوراً مؤثراً في منظومة الغاز الإقليمية، سواء تحقق توافق سياسي داخلي أم لم يتحقق، إذ لم يثبت حتى الآن وجود إنتاج تجاري من الغاز اللبناني. وحتى في حال اكتشاف كميات قابلة للاستخراج، فإن تطويرها سيواجه تحديات تقنية واقتصادية، وقد يكون الاستخدام المحلي هو الخيار الأكثر ترجيحاً في المراحل الأولى. كما أن غياب منشأة لتسييل الغاز في لبنان، والتي تتطلب استثمارات كبيرة، وعدم وجود خط أنابيب مباشر يربط الساحل اللبناني بمصر، يحدّان من قدرة لبنان على الانخراط في مشاريع تصدير الغاز الإقليمية. وبالتالي، يرى فرحات أن لبنان لا يمتلك في وضعه الحالي الأدوات التي تمكنه من التأثير الفعلي في مشاريع الطاقة أو إعادة رسم ممرات الطاقة في شرق المتوسط.

وفي هذا السياق، تشير خطة الاستثمار الرأسمالي للبنان إلى أن الاستثمار في الممرات الاقتصادية وشبكات النقل، بما يشمل تطوير الموانئ والطرق السريعة والسكك الحديدية والمطارات، من شأنه أن يعزز القدرة التنافسية للاقتصاد اللبناني، ويخفض كلفة النقل، ويدعم حركة التجارة والاستثمار. كما يمكن لتطوير هذه البنية التحتية أن يعزز قدرة لبنان على استقطاب الشركات الدولية للاستفادة من موقعه كمركز لوجستي إقليمي، ولا سيما في عمليات النقل وإعادة التصدير والخدمات المرتبطة بإعادة إعمار سوريا والأسواق المجاورة.

ولا تقتصر الآثار الاقتصادية لتحسين الترابط على التجارة والنقل، بل تمتد إلى قطاعات أخرى، وفي مقدمتها السياحة، إذ إن تحسين شبكات النقل وخفض تكاليف الوصول إلى لبنان يسهمان في تعزيز قدرته على استقطاب السياح وربط المناطق الساحلية بالمناطق الداخلية. ومن ثم، فإن تطوير الممرات الاقتصادية يمكن أن يعيد للبنان جزءًا من الدور التجاري والعبوري الذي اضطلع به تاريخيًا بحكم موقعه الجغرافي.

وعليه، فإن الاستثمارات في الموانئ وشبكات الطرق والسكك الحديدية والمطارات لا ينبغي النظر إليها بوصفها مشاريع بنية تحتية منفصلة، بل باعتبارها جزءًا من رؤية متكاملة لتحويل الموقع الجغرافي للبنان إلى ميزة اقتصادية إقليمية. فلبنان يمثل بوابة مهمة إلى البحر الأبيض المتوسط وأوروبا وما وراءهما، ويمكن أن يشكل حلقة وصل بين المشرق العربي والفضاء المتوسطي، إلا أن تحقيق هذا الدور يبقى مشروطًا بتطوير البنية التحتية، وتحسين كفاءة الموانئ وشبكات النقل، وتوفير الاستقرار السياسي والأمني اللازم لاستقطاب الاستثمارات وحركة التجارة الإقليمية. هذا ما ورد ضمن دراسة “التقييم الاستراتيجي: خطة استثمار رأسمالي للبنان – فرص الاستثمار والإصلاحات-تقرير رقم 124819).

وتكتسب المياه البحرية اللبنانية أهمية اقتصادية واستراتيجية إضافية نتيجة الإمكانات المحتملة للغاز الطبيعي، مستفيدة من موقع لبنان ضمن شرق البحر الأبيض المتوسط، والقريب من أسواق الطاقة الأوروبية وشبكات وممرات الطاقة الإقليمية. إلا أن الحديث عن هذه الثروة يجب أن يبقى ضمن إطار الموارد المحتملة وغير المثبتة تجاريًا (Speculative/Unproven)، إذ لم يثبت لبنان حتى الآن امتلاكه احتياطيات غاز تجارية مؤكدة. وقد أظهرت أول بئر استكشافية في المياه اللبنانية، التي حُفرت عام 2020 في البلوك رقم 4 بقيادة تحالف TotalEnergies وEni وNovatek، مؤشرات وآثارًا للغاز، لكنها لم تؤدِّ إلى اكتشاف تجاري مجدٍ.

كما تأخرت عمليات الاستكشاف وجولات التراخيص لسنوات بفعل التعقيدات السياسية الداخلية والنزاع الحدودي البحري مع كيان العدو، ولا سيما ما ارتبط بالبلوكات البحرية 8 و9 و10. ورغم أن اتفاق ترسيم الحدود البحرية اللبنانية–مع الكيان الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2022 أزال جزءًا من العقبات المرتبطة بالنزاع الحدودي وأتاح استئناف النشاط الاستكشافي، فإن الوصول إلى مرحلة الإنتاج يحتاج إلى سنوات من الحفر والتقييم والتطوير، فضلًا عن ضرورة إثبات وجود مكامن ذات جدوى تجارية أصلًا.

وعليه، فإن أهمية الغاز اللبناني لا تكمن في كونه ثروة مثبتة حاليًا، وإنما في الإمكانات التي قد يوفرها الموقع البحري للبنان إذا أثبتت عمليات الاستكشاف وجود مكامن تجارية، بما يمكن أن يتيح له مستقبلًا الاندماج في منظومة الطاقة في شرق المتوسط، والمشاركة في شبكات وممرات نقل الغاز، وتعزيز أمن الطاقة وجذب الاستثمارات. ومن هنا، يرتبط البعد الاقتصادي للمياه اللبنانية بتداخل الموقع الجغرافي، والإمكانات الغازية المحتملة، والقرب من أسواق الطاقة الإقليمية والدولية . هذا ما ورد ضمن دراسة أولية استندت إلى المسوحات الزلزالية التي أجرتها شركة Spectrum Geo بتكليف من الحكومة اللبنانية.

الكيان الإسرائيلي ومشروع التحول إلى مركز إقليمي للطاقة

شهد كيان العدو خلال العقد الأخير تحولًا استراتيجيًا من دولة تعتمد على استيراد الطاقة إلى قوة غازية إقليمية، بفضل اكتشافات حقول تمار وليفيتان وكاريش، التي منحت الكيان احتياطيات كبيرة وقدرة على التصدير. ولم تقتصر أهمية هذه الثروة على الجانب الاقتصادي، بل تحولت إلى أداة لتعزيز النفوذ الجيوسياسي وبناء تحالفات مع مصر واليونان وقبرص، ضمن ترتيبات أوسع مثل منتدى غاز شرق المتوسط، في مقابل توتر متزايد مع تركيا.

كما أدى موضوع الغاز إلى تعقيد العلاقات مع لبنان بسبب النزاع على الحدود البحرية، وإلى تعزيز اعتماد الأردن على الغاز الذي ينتجه الكيان الإسرائيلي، بينما بقي الفلسطينيون الطرف الأكثر تضررًا نتيجة عدم قدرتهم على استثمار مواردهم البحرية، ولا سيما غاز غزة مارين. أما مصر، فاستطاعت الفصل بين مصالحها الاقتصادية في مجال الغاز ودورها السياسي في دعم القضية الفلسطينية والوساطة في الصراع.

وعلى المستوى الدولي، اكتسب الغاز الذي ينتجه الكيان الإسرائيلي أهمية إضافية مع سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الغاز الروسي. وبذلك أصبح قطاع الطاقة جزءًا من إعادة تشكيل توازنات القوى في شرق المتوسط والشرق الأوسط.

لم يعد الغاز الذي ينتجه الكيان الاسرائيلي مجرد ثروة اقتصادية، بل تحول إلى أداة نفوذ وتحالفات وضغط سياسي وأمني؛ وقد يساهم في تعزيز مكانة العدو الإسرائيلي كقطب طاقوي إقليمي، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر زيادة النزاعات البحرية والتنافس الإقليمي، ما يجعل مستقبل الغاز في شرق المتوسط مرتبطًا بالسؤال: هل يكون عامل تعاون وتكامل إقليمي أم مصدرًا جديدًا للصراع؟

وفي السياق نفسه، يرى العميد إلياس فرحات،أن توسع العدو الإسرائيليي في لبنان، وصولاً إلى جبل الشيخ ودرعا والقنيطرة، لا يرتبط بصورة مباشرة بمشاريع ممرات الطاقة، معتبراً أن إسرائيل تعتمد في تصدير غازها على البنية التحتية المصرية، ولا سيما محطات التسييل، وبالتالي فإن السيطرة على هذه المناطق لا تشكل بحد ذاتها ضرورة لتمكين العدو الإسرائيلي من تصدير الغاز. ويشير فرحات إلى أن كيان العدو يواصل استغلال حقل غاز غزة، في ظل غياب اعتراض فلسطيني أو عربي فاعل، معتبراً أن دوافع التوسع للكيان الإسرائيلي ينبغي قراءتها في إطار أمني واستراتيجي أوسع من مسألة ممرات الطاقة وحدها.

ممرات الطاقة ونقاط الاختناق أوراق القوة في الصراع الجيوسياسي: من يملك الممر يملك القرار

يتضح أن الصراع على الطاقة في الشرق الأوسط لم يعد يقتصر على امتلاك مصادر النفط والغاز، بل تحوّل إلى صراع على طرق نقلها وتأمين وصولها إلى الأسواق العالمية.وقد أظهرت نقاط الاختناق، ولا سيما مضيقا هرمز وباب المندب وقناة السويس، مدى هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام أي اضطراب أمني أو عسكري.
وفي المقابل، تدفع هذه المخاطر الدول المنتجة والمتضررة إلى تطوير مسارات بديلة برية وبحرية، بهدف تقليل اعتمادها على الممرات الأكثر عرضة للتهديد. غير أن هذه البدائل لا تلغي المخاطر بصورة كاملة، بل قد تنقلها إلى ممرات جديدة، وتعيد في الوقت نفسه توزيع النفوذ بين الدول الواقعة على طرق العبور.

وبذلك، أصبحت إعادة رسم خريطة طرق الطاقة جزءًا أساسيًا من الصراع الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وأصبح امتلاك الممرات والقدرة على توفير البدائل عاملًا حاسمًا في تحديد موازين القوة والنفوذ مستقبلًا.

في هذا الإطار يرى العميد المتقاعد إلياس فرحات،أن معظم الطاقة النفطية في الخليج تعتمد في تصديرها على مضيق هرمز، باستثناء مسارات محدودة، إذ تصدّر السعودية نحو 4 ملايين برميل يومياً عبر خط ينبع، فيما تنقل الإمارات نحو 500 ألف برميل يومياً عبر خط الفجيرة. ويشير إلى أن التطور الجيوسياسي الأبرز يتمحور حول مضيق هرمز، باعتبار أن الطرف الذي يمتلك القدرة على التحكم بهذا الممر يمتلك ورقة تأثير أساسية في حركة النفط والغاز.

ويضيف فرحات أن ممرات الطاقة تتحول إلى عناصر أساسية في الصراع العسكري والجيوسياسي لأنها تمثل شرايين حيوية للدول، ولا سيما الدول الصناعية التي تعتمد على النفط والغاز لتشغيل اقتصاداتها ومصانعها. لذلك، فإن السيطرة على ممرات الطاقة، وخصوصاً الممرات الإلزامية كالمضائق، ترتبط مباشرة بأمن الطاقة والأمن الاقتصادي، وتمنح الدولة أو القوة القادرة على التأثير فيها وزناً جيوسياسياً يتجاوز أهمية الممر بوصفه مجرد طريق للنقل.

المصدر: موقع المنار