الأحد   
   06 09 2026   
   24 ربيع الأول 1448   
   بيروت 09:44

التعليم في غزة يدخل عامه الرابع تحت الإبادة.. مطالبة حقوقية بتدخل دولي عاجل لوقف تدمير المعرفة

حذّر مركز غزة لحقوق الإنسان من استمرار انهيار المنظومة التعليمية في قطاع غزة للعام الرابع على التوالي، مؤكدًا أن التدمير الواسع الذي طال المدارس والطلبة والمعلمين والتجهيزات التعليمية حوّل الحق في التعليم إلى واحد من أبرز ضحايا الإبادة الجماعية المستمرة في القطاع.

وقال المركز في بيان له، الأحد: إن اقتراب موعد بدء العام الدراسي الجديد يأتي في ظل غياب مقومات التعليم الآمن والمنتظم لمئات الآلاف من الأطفال، بعد سنوات من الاستهداف والدمار والنزوح، معتبرًا أن ما يجري يتجاوز تعطيل الدراسة المؤقت إلى تدمير ممنهج لقدرة المجتمع على إنتاج المعرفة ونقلها إلى الأجيال الجديدة.

وأوضح المركز، استنادًا إلى البيانات الرسمية والميدانية التي يوثقها، أن أكثر من 20,051 طالبًا وطالبة في سن التعليم المدرسي استشهدوا منذ بداية الحرب، فيما خرج أكثر من 19,886 طالبًا وطالبة من منظومة التعليم بسبب النزوح أو السفر أو الاعتقال أو الإصابة.

كما استشهد أكثر من 532 معلمًا ومعلمة من العاملين في القطاعين الحكومي والأهلي ووكالة الغوث، إلى جانب أكثر من 769 موظفًا وموظفة من العاملين في وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي والكوادر الإدارية والخدمية.

وأشار المركز إلى أن هذه الخسائر البشرية تضرب أساس العملية التعليمية، إذ لا يمكن تعويض فقدان الطلبة والمعلمين بمجرد إعادة فتح المدارس، في وقت تتراجع فيه القدرة المؤسسية والبشرية على استعادة التعليم إلى مستواه الطبيعي.

فاقد ديموغرافي وتعليمي متراكم

وبحسب تقديرات المركز، كان عدد الأطفال في سن التعليم المدرسي في قطاع غزة قبل الحرب يبلغ 609,751 طفلًا وطفلة، وكان من المتوقع أن يصل العدد إلى 665,769 طالبًا وطالبة في العام الدراسي 2026/2027 وفق مسار النمو الطبيعي.

إلا أن التقديرات الحالية تشير إلى أن العدد الفعلي المتوقع لن يتجاوز 625,832 طالبًا وطالبة بعد احتساب آثار الاستشهاد والاعتقال والسفر والإصابة.

ويعني ذلك فاقدًا تراكميًا يقدّر بنحو 39,937 طالبًا وطالبة مقارنة بالمسار الديموغرافي المتوقع قبل الحرب.

ويؤكد المركز أن هذا المؤشر يكشف أثرًا يتجاوز الانقطاع عن الدراسة، إذ أصبحت الحرب تؤثر في حجم الجيل نفسه الذي كان يفترض أن يشكل قاعدة النظام التعليمي في السنوات المقبلة.

وفي الوقت ذاته، تراجع عدد أيام الدوام المدرسي من 200 يوم إلى 60 يومًا سنويًا، وانخفض عدد الحصص الأسبوعية من 30 إلى 12 حصة، مع تقليص المباحث الدراسية وتراجع الأنشطة العملية والتطبيقية بما يصل إلى 60% في بعض المجالات.

ويرى المركز أن استمرار هذا الوضع يؤدي إلى تراكم فاقد تعليمي يصعب تعويضه، خصوصًا بالنسبة للأطفال الذين حُرموا من التعليم النظامي لسنوات متتالية.

تدمير واسع للمدارس وتجهيزاتها

كان قطاع غزة يضم قبل الحرب 584 مبنى مدرسيًا. وبحسب أحدث بيانات الإدارة العامة للأبنية لعام 2026، دُمّر 96 مبنى بالكامل و44 مبنى جزئيًا، فيما تعرضت عشرات المباني الأخرى لأضرار بليغة ومتوسطة وخفيفة.

كما فُقد ما لا يقل عن 9,308 سبورة و142,242 طاولة و440,000 مقعد دراسي، فيما تعطّل 26,776 من العاملين في الكادر التعليمي عن أداء أدوارهم الطبيعية، بينهم 22,030 معلمًا ومعلمة.

وأكد المركز أن الضرر لم يقتصر على المباني، بل طال البيئة التعليمية بكامل مكوناتها، بما في ذلك التجهيزات والكوادر والقدرة الإدارية على إدارة المدارس وحفظ السجلات ومتابعة شؤون الطلبة والعاملين.

تدمير التعليم يحتاج إلى تحقيق دولي

وقال مركز غزة لحقوق الإنسان إن المدارس والمنشآت التعليمية تتمتع بالحماية المقررة للأعيان المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني، وإن استهدافها يخضع لمبادئ التمييز والتناسب والاحتياطات الواجبة في الهجوم.

كما أن الحق في التعليم مكفول بموجب المادة 13 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمادتين 28 و29 من اتفاقية حقوق الطفل.

وشدد المركز على أن تحديد المسؤولية الجنائية عن استهداف المدارس أو العاملين والطلبة يتطلب فحص كل واقعة في ضوء ظروفها، بما في ذلك طبيعة المنشأة أو الشخص المستهدف ووجود أي استخدام عسكري لها ومدى احترام قواعد التمييز والتناسب والاحتياطات.

وفي الوقت ذاته، فإن اتساع نطاق التدمير واستمراره وتكراره يفرض، بحسب المركز، النظر إلى الوقائع باعتبارها نمطًا متصلًا لا حوادث منفردة.

وأوضح أن مصطلح «إبادة التعليم» يستخدم لوصف التدمير المنهجي لمنظومة التعليم والمعرفة ومؤسساتها، إلا أن هذا المصطلح لا يشكل في ذاته وصفًا مستقلًا لجريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي.

وأكد المركز أن تدمير التعليم يمكن أن تكون له أهمية قانونية عند تقييم السياق العام للأفعال المرتكبة ضد السكان الفلسطينيين، بما في ذلك عند بحث ما إذا كانت الأفعال الواقعة تدخل ضمن الجرائم الدولية التي تستوجب المساءلة.

مطالب عاجلة

وطالب مركز غزة لحقوق الإنسان المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتحرك العاجل لوقف الإبادة الجماعية والانتهاكات المستمرة في قطاع غزة وضمان حماية السكان المدنيين والمنشآت التعليمية.

كما دعا لجنة التحقيق الدولية المستقلة والجهات المختصة في المحكمة الجنائية الدولية إلى إيلاء استهداف الطلبة والمعلمين والمدارس وتدمير المنظومة التعليمية ما يستحقه من تحقيق ضمن ملفات الجرائم الدولية المرتكبة في القطاع.

وطالب اليونسكو واليونيسف والأونروا بالتدخل لضمان استمرار التعليم وإدخال المستلزمات التعليمية وإعادة تأهيل المدارس القابلة للإصلاح، داعيًا الدول والجهات المانحة إلى توفير تمويل عاجل لإعادة بناء المنشآت التعليمية وتعويض التجهيزات المدمرة.

كما شدد على ضرورة توفير برامج واسعة للدعم النفسي والاجتماعي والتعليم التعويضي للأطفال والمعلمين، وضمان العودة الآمنة والفعلية لجميع الأطفال إلى التعليم النظامي.

وحذر المركز من أن استمرار تدمير التعليم للعام الرابع لا يعني ضياع أعوام دراسية فحسب، وإنما يهدد بترك آثار طويلة الأمد على جيل كامل وعلى قدرة المجتمع الفلسطيني في غزة على التعافي وإعادة بناء مؤسساته.

المصدر: المركز الفلسطيني للإعلام