الثلاثاء   
   15 09 2026   
   3 ربيع الأول 1448   
   بيروت 17:43

خاص | السنتكوم حين لم تعد القواعد آمنة: مستقبل القوة الأميركية في الخليج وغرب آسيا

شكّلت القواعد العسكرية الأميركية في الخليج وغرب آسيا لعقود ركيزةً أساسية لعمليات “السنتكوم” والردع الأميركي في المنطقة. لكن العدوان على إيران في 28 شباط 2026 وضع هذه الشبكة أمام اختبار غير مسبوق، بعدما نقلت إيران المواجهة إلى القواعد ومراكز القيادة والإنذار والدفاع نفسها، ما فرض تحديات متزايدة في حماية المنشآت، واستنزاف منظومات الدفاع، وإعادة الانتشار والتكيّف العملياتي.

ومن هنا، يطرح هذا العدوان سؤالًا استراتيجيًا أساسيًا: هل ما زالت القواعد الأميركية في المنطقة عنصر قوة وردع، أم أن تطور القدرات الصاروخية والمسيّرة لإيران جعل بعضها أكثر عرضة للاستهداف وفرض مراجعةً لطبيعة الانتشار العسكري الأميركي؟

السنتكوم في قلب المواجهة: من الردع الإقليمي إلى المواجهة المباشرة مع إيران

أعاد العدوان على إيران فتح النقاش حول الأسس التي يقوم عليها الانتشار العسكري الأميركي في الخليج وغرب آسيا، ولا سيما بعد أن باتت القواعد والمنشآت القريبة من إيران أكثر انكشافًا أمام الصواريخ والمسيّرات.

وفي هذا السياق يرى إليوت أبرامز (Elliott Abrams)، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR) ، أن العدوان على إيران كشف خللًا جوهريًا في استراتيجية الانتشار العسكري الأميركي في الشرق الأوسط، إذ تقع القواعد الكبرى في قطر والبحرين والكويت والإمارات ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. ويشير إلى أن قاعدة العديد في قطر تضم المقر الأمامي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) ومركز العمليات الجوية المشتركة، فيما تستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس. وبرأيه، فإن هذا الانتشار، الذي كان مناسبًا خلال حربي أفغانستان والعراق، أصبح اليوم مصدر ضعف أمام القدرات الإيرانية.

ويستشهد بالقائد السابق للسنتكوم الجنرال فرانك ماكنزي الذي دعا إلى نقل جزء من الانتشار غربًا، معتبرًا أن واشنطن باتت أمام ضرورة إعادة توزيع قواتها وقواعدها لتقليل تعرضها للنيران الإيرانية وخفض كلفة الخسائر والجاهزية.

وفي السياق نفسه، يبيّن مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، في دراسته الصادرة في 8 أيلول 2026 بعنوان «التقويض الممنهج: استهداف بنية الجيش الأمريكي في غرب آسيا – (سنتكوم)»، أن وظيفة القيادة المركزية الأميركية شهدت خلال السنوات التي سبقت العدوان تحولًا تدريجيًا في أولوياتها الاستراتيجية. فبعد مرحلة هيمنت فيها مكافحة ما يسمى الإرهاب وإدارة حربي العراق وأفغانستان على جانب أساسي من نشاط «السنتكوم»، انتقلت القيادة بصورة متزايدة نحو الردع والمنافسة الاستراتيجية، وأصبحت إيران في صلب تصورها للتهديدات الإقليمية.

وتشير الدراسة إلى أن قائد السنتكوم السابق، الجنرال كينيث ماكنزي، وضع في شهادته أمام الكونغرس عام 2021 ردع إيران وحماية القوات والمصالح الأميركية وتعزيز قدرات الشركاء في مواجهة التهديدات الإيرانية في مقدمة خطوط عمل القيادة. كما تعزز هذا الاتجاه من خلال دمج قدرات الشركاء في مجالات الدفاع الجوي والإنذار المبكر، وتوسيع التعاون العسكري الإقليمي في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. وبذلك، دخلت «السنتكوم» حرب عام 2026 بعدما كانت قد أعادت تشكيل جانب مهم من أولوياتها ووظائفها حول ردع إيران والاستعداد لمواجهتها؛ غير أن المفارقة التي كشفها العدوان تمثلت، وفق تحليل مركز الاتحاد، في انتقال القيادة من موقع من يبني منظومة الردع حول إيران إلى طرف أصبحت قواعده ومراكز قيادته وقواته نفسها في قلب المواجهة المباشرة.

في هذا الإطار، اعتبر العميد المتقاعد بهاء حلال، الخبير العسكري، في مقابلة مع موقع المنار الإلكتروني، أنّ التحول حصل على مراحل، وكل مرحلة أسقطت جزءًا من المسافة بين «الردع» و«الاشتباك المباشر»، إلى أن أصبحت القيادة المركزية عمليًا أحد أطراف الحرب. واللافت أن هذا التحول أصبح واضحًا جدًا في الأيام الأخيرة.

في البداية، كان المنطق الأميركي يقوم على وجود القوة الأميركية لمنع إيران من مهاجمة المصالح الأميركية أو إغلاق مضيق هرمز. وكانت حاملات الطائرات، والمدمرات، والغواصات، والقواعد الجوية، والدفاعات الصاروخية، والقوات المنتشرة في المنطقة تعمل أساسًا كـقوة ردع.

وإذا كان هذا التحول يكشف تغيرًا في طبيعة الدور العملياتي لـ«السنتكوم» خلال العدوان، فإنه أعاد في الوقت نفسه طرح إشكالية أوسع تتعلق بجدوى انتشار القواعد الأميركية بالقرب من إيران وقدرتها على أداء وظيفة الردع بعدما أصبحت هي نفسها أهدافًا مباشرة.

شبكة القواعد الأميركية في الخليج وغرب آسيا : كيف بُنيت منظومة القيادة والقتال؟

لم تُبنَ شبكة القواعد الأميركية في الخليج وغرب آسيا بوصفها مجموعة منشآت عسكرية منفصلة، بل وفق تقسيم وظيفي متكامل يتيح للقيادة المركزية الأميركية إدارة العمليات على مستوى المسرح الإقليمي. وبحسب دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED)، تشكّل قاعدة العديد في قطر العقدة الجوية الأبرز في هذه الشبكة، إذ تستضيف مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC)، وترتبط بوظائف القيادة والإنذار المبكر والدفاع الجوي المشترك، ما يجعلها مركزًا لإدارة العمليات الجوية وليس مجرد قاعدة لتمركز الطائرات.

قاعدة علي السالم في الكويت: القاعدة قبل وبعد الاستهداف، ومن بينها حظيرة مرتبطة بمسيّرات MQ-9 وهوائي اتصالات فضائية.

وفي المقابل، تمثل الكويت العمق البري واللوجستي للانتشار الأميركي، ولا سيما عبر معسكر عريفجان، بما يؤديه من وظائف استقبال القوات وتجهيزها وإمدادها والتموضع المسبق للمعدات والذخائر قبل دفعها إلى مسارح العمليات.

أما البحرين فتشكّل مركز الثقل البحري، لاحتضانها مقر القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية (NAVCENT) والأسطول الخامس. وبذلك تقوم قوة «السنتكوم» في الخليج على شبكة مترابطة تجمع القيادة الجوية في قطر، والعمق البري واللوجستي في الكويت، والقيادة البحرية في البحرين، ضمن منظومة أوسع للقيادة والسيطرة والدفاع الصاروخي وتبادل المعلومات الاستخبارية.

قاعدة الشيخ عيسى الجوية في البحرين، وتظهر منشآت وحظائر مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي قبل وبعد الاستهداف، بينها منشآت مرتبطة بطائرات الدوريات البحرية P-8.

وتجد فكرة التوزيع الوظيفي هذه ما يعززها في دراسة معهد الشرق الأوسط حول القيادة المركزية الأميركية، المنشورة في 29 تموز 2026، والتي تُظهر أن الانتشار الأميركي يقوم على شبكة مترابطة من القواعد والمراكز، تؤدي كل منها وظيفة محددة ضمن المنظومة الأوسع؛ من القيادة والعمليات الجوية في قطر، إلى القيادة البحرية في البحرين، والإسناد اللوجستي في الكويت، وصولًا إلى دعم العمليات الجوية ومهام الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع من قاعدة الظفرة في الإمارات.

قاعدة الظفرة في الإمارات وتظهر مقارنة لمنشأة/حظيرة قبل وبعد الاستهداف.

أما الأردن فيشكل حلقة مهمة في شبكة الانتشار العسكري الأميركي خارج الخليج، إذ تؤدي منشآته دورًا في دعم العمليات الجوية، والإنذار المبكر، والدفاع الجوي، وإعادة توزيع القوات والأصول بعيدًا عن القواعد الخليجية الكبرى. وتبيّن دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED) أن الوجود الأميركي في الأردن يتوزع على عدد من المنشآت والمواقع، من بينها قاعدة موفق السلطي الجوية في الأزرق، وقاعدة الملك حسين، وقاعدة الأمير الحسن الجوية، وقاعدة الملك فيصل الجوية، ومعسكر تيتن، فضلًا عن مواقع رادار ومنظومات دفاع جوي.

صور أقمار صناعية تُظهر زيادة عدد الطائرات في قاعدة موفق السلطي الجوية بالأردن بين 25 كانون الثاني و2 شباط 2026.

وقد اكتسبت قاعدة موفق السلطي أهمية متزايدة قبيل اندلاع العدوان، إذ تشير الدراسة إلى تحولها منذ شباط 2026 إلى منصة أمامية للتحضير للعمليات ضد إيران، كما شهد الأردن خلال العدوان انتشارًا لطائرات مقاتلة أميركية من طراز F-15 مدعومة بطائرات للتزود بالوقود من طراز KC-135. ومع تصاعد العدوان، أصبح المجال الجوي الأردني جزءًا من مسرح العمليات الإقليمي، وتحوّلت المنشآت الأميركية فيه إلى جزء من شبكة التكيّف وإعادة التموضع التي اعتمدتها «السنتكوم» لتقليل الاعتماد على القواعد الثابتة في الخليج.

غير أن الدراسة ترى أن هذا الانتقال لم يوفّر حماية كاملة؛ إذ تعرضت مواقع مرتبطة بالوجود الأميركي، وفي مقدمتها قاعدة موفق السلطي وموقع Tower 22 قرب الحدود السورية–العراقية، إلى الاستهداف، كما توسع نطاق الضربات ليشمل منظومات الدفاع الجوي ومستودعات الوقود ومواقع الإنذار المبكر. وتكتسب الحالة الأردنية أهمية خاصة لأنها تكشف أن إعادة توزيع القوة الأميركية غربًا وتفريقها جغرافيًا خفّضا من مخاطر التركّز، لكنهما لم يخرجاها من مدى التهديد الإيراني، ما يجعل الأردن مثالًا واضحًا على حدود استراتيجية التشتت وإعادة الانتشار التي اعتمدتها القيادة المركزية خلال العدوان.

وهكذا تكشف خريطة الانتشار الأميركي عن شبكة مترابطة تقوم على توزيع الوظائف بين القيادة الجوية والبحرية واللوجستية والإنذار والدفاع، وهو ما جعل استهداف أي عقدة فيها يتجاوز حدود القاعدة نفسها إلى الوظيفة التي تؤديها داخل منظومة «السنتكوم».

الاستراتيجية الإيرانية: من استهداف القواعد إلى ضرب وظائف السنتكوم

إذا كانت شبكة القواعد الأميركية قد بُنيت على توزيع الوظائف بين القيادة والسيطرة والعمليات الجوية والبحرية والدعم اللوجستي، فإن هذا الترابط نفسه أصبح محورًا في الاستراتيجية الإيرانية لاستهداف منظومة «السنتكوم».

في هذا الصدد يتابع العميد حلال موضحًا أنه، إذا ما نُظر إلى هذه المنظومة من الناحية العملياتية، فإن إيران انتقلت من استهداف القاعدة بوصفها منشأة إلى محاولة تعطيل الوظيفة التي تؤديها داخل منظومة «السنتكوم». فعلى مستوى القيادة والسيطرة، يهدف استهداف مراكز العمليات والاتصالات والرادارات إلى إرباك دورة القرار ونقل المعلومات، لا مجرد تدمير المباني. وعلى مستوى القوة الجوية، يسعى ضرب المدارج والحظائر ومخازن الإسناد إلى تقليص معدل الطلعات وإضعاف القدرة على توليد القوة الجوية، فيما يهدف استهداف المخازن والعقد اللوجستية إلى إبطاء عمليات إعادة التزويد والاستدامة العملياتية. أما بحريًا، فإن استهداف السفن الأميركية والضغط على مضيق هرمز يرمي إلى إجبار البحرية على إعادة توزيع قواتها وحماية خطوط الملاحة بدلًا من التركيز على العمليات الهجومية.

وعن حجم تأثير هذه الاستراتيجية، يرى حلال أنه لا توجد معطيات موثوقة حتى الآن تسمح بالقول إن إيران عطّلت القدرة العملياتية الأميركية على مستوى مسرح العمليات، إذ لا تزال «السنتكوم» قادرة على تنفيذ ضرباتها. إلا أن التأثير الإيراني الأبرز، بحسب حلال، يتمثل في فرض كلفة تشغيلية متزايدة، من خلال تشتيت الطائرات والسفن، وزيادة متطلبات الدفاع الجوي وحماية القواعد، وإجبار «السنتكوم» على توزيع مواردها بين الهجوم والحماية. ويخلص إلى أن إيران لم تشلّ «السنتكوم»، لكنها تسعى إلى نقل المواجهة من مستوى تبادل الضربات إلى استنزاف وظائف القيادة والقتال والاستدامة، وهو ما يعدّه أكثر خطورة من الناحية الاستراتيجية من مجرد إصابة قاعدة هنا أو هناك.

أثر الضربات الإيرانية على القدرة العملياتية الأميركية

بحسب دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير (UFEED، لم يقتصر أثر الضربات الإيرانية على إلحاق خسائر مادية بالقواعد الأميركية، بل امتد إلى بعض الوظائف التي تقوم عليها القدرة العملياتية لـ«السنتكوم». فقد استهدفت الضربات مراكز القيادة والسيطرة، والرادارات ومنظومات الإنذار المبكر والدفاع الجوي، إضافة إلى البنية اللوجستية والمنشآت المرتبطة بتوليد القوة الجوية واستدامة العمليات، ما فرض ضغوطًا على قدرة القيادة الأميركية على إدارة عملياتها بالآليات والتمركزات السابقة.

وتبرز قاعدة العديد في قطر مثالًا واضحًا على هذا الأثر؛ إذ تعرض مركز العمليات الجوية المشتركة (CAOC) لأضرار جسيمة، بعدما كانت الولايات المتحدة قد نقلت القيادة الفعلية للحملة إلى قاعدة شو الجوية في كارولاينا الجنوبية وأبعدت الأفراد عن المركز تحسبًا لاستهدافه. كما طال الاستهداف البنية الرادارية ومنظومات الدفاع الجوي في أكثر من موقع، بما يمس وظائف الرصد والإنذار المبكر وحماية القواعد، في حين أدى الضغط على المنشآت اللوجستية ومراكز الإسناد إلى زيادة الحاجة إلى بدائل لاستمرار العمليات.

تدمير منشأة/خيمة محاطة بأطباق اتصالات فضائية داخل قاعدة العديد في قطر، مع احتمال تضرر بعض الأطباق نفسها.

وتخلص الدراسة إلى أن الأثر الأبرز تمثل في إجبار السنتكوم على التكيّف العملياتي؛ من خلال توزيع القوات على مواقع أكثر تشتتًا، وإبعاد بعض الطائرات والأسراب عن مدى التهديد، وإعادة تموضع منظومات الدفاع الجوي، واستخدام قواعد ومراكز قيادة بديلة. وبذلك لم تؤدِّ الضربات إلى شلّ القدرة العسكرية الأميركية بالكامل، لكنها رفعت كلفة المحافظة على استمراريتها ودفعت واشنطن إلى تعديل نمط انتشارها لحماية قدرتها على القيادة والسيطرة وتوليد القوة واستدامة العمليات.

انعكاس استهداف شبكة «السنتكوم» على الكيان الإسرائيلي

أصبح الكيان الإسرائيلي، منذ نقله من نطاق القيادة الأوروبية الأميركية (EUCOM) إلى نطاق القيادة المركزية (CENTCOM) في 15 كانون الثاني 2021، جزءًا من الإطار العملياتي الإقليمي نفسه الذي تديره «السنتكوم»، في سياق تعزيز التعاون العسكري بين كيان العدو والدول العربية وبناء منظومة إقليمية لمواجهة إيران. وبذلك ارتبط أمن الكيان بصورة أكبر بشبكات القيادة والإنذار والدفاع الجوي والتنسيق العملياتي التي تديرها الولايات المتحدة في غرب آسيا.

وقد ظهر هذا الترابط بوضوح خلال العدوان، إذ دفعت الضربات الإيرانية واشنطن إلى إعادة توزيع جزء من قواتها وأصولها العسكرية بعيدًا عن قواعد الخليج المتضررة. وتشير دراسة UFEED إلى نقل أعداد كبيرة من الطائرات والقوات الأميركية إلى مطاري رامون وبن غوريون، كما نقلت عن تقارير أن الحرب أجبرت الولايات المتحدة على إعادة انتشار قوات وطائرات باتجاه كيان العدو والأردن وأوروبا. وتذكر الدراسة أيضًا وصول طائرات أميركية للتزود بالوقود إلى الكيان وارتفاع عددها لاحقًا، مع تمركز قسم منها في مطار بن غوريون وتوزيع الباقي على قواعد جوية من بينها رامون. وهكذا تحوّل الكيان إلى إحدى ساحات إعادة التموضع الأميركية لتعويض انكشاف القواعد الخليجية أمام الصواريخ الإيرانية.

ولم يقتصر أثر هذا التحول على إعادة التموضع العسكري، بل امتد إلى المنظومة الدفاعية الإقليمية التي يعتمد عليها الكيان في مواجهة الصواريخ والمسيّرات الإيرانية. فقد عملت القيادة المركزية الأميركية خلال المواجهة على تشغيل شبكة دفاع جوي إقليمية متكاملة تربط القوات الأميركية بعدد من شركائها، وأكدت «السنتكوم» أن هذه الشبكة اعترضت خلال العمليات أكثر من 1500 صاروخ باليستي وأكثر من 6000 مسيّرة هجومية كانت موجهة ضد القوات الأميركية والكيان الإسرائيلي وشركاء واشنطن العرب. وفي المقابل، تشير دراسة مركز الاتحاد للأبحاث والتطوير إلى أن الضربات الإيرانية استهدفت مراكز القيادة والسيطرة والرادارات والإنذار المبكر ومنظومات الدفاع الجوي الأميركية، ما يتيح الاستنتاج بأن الضغط على هذه العقد لا يقتصر أثره على حماية القواعد الأميركية، بل يطال أيضًا كفاءة الشبكة الإقليمية التي تسهم في الدفاع عن كيان العدو.

إعادة الانتشار والاستنزاف: هل نجحت واشنطن في التكيّف؟

وفي مقابل الاستراتيجية الإيرانية القائمة على استهداف وظائف منظومة «السنتكوم» ورفع كلفة تشغيلها، بدأت الولايات المتحدة، بحسب العميد بهاء حلال، محاولات للتكيّف مع هذا النمط من المواجهة وتجاوز مرحلة الاستنزاف الأولي. ويرى حلال أن واشنطن نجحت، إلى حدّ كبير، في التكيّف على المستوى العملياتي، ولكن ليس على المستوى الاستراتيجي؛ إذ استطاعت مواصلة عملياتها، من دون أن تستعيد الوضع الذي كانت تتمتع به قبل العدوان. والأهم، في رأيه، أن المواجهة كشفت أن المشكلة لم تعد تقتصر على كيفية حماية القواعد الأميركية، بل باتت تتصل بمدى صلاحية نموذج الانتشار العسكري الأميركي نفسه في غرب آسيا.

ويوضح حلال أن الولايات المتحدة بدأت تغيير طريقة إدارتها للعمليات، عبر تقليل الاعتماد المفرط على القواعد الكبيرة والثابتة، وتوزيع الطائرات والذخائر والأفراد على عدد أكبر من المواقع، وتعزيز الاعتماد على الدفاعات الجوية والصاروخية والقطع البحرية والقوات الجوية المتحركة، إلى جانب تقليل البصمة العسكرية في بعض المنشآت المكشوفة. كما اتجهت إلى تحويل جزء من عملياتها إلى شبكة موزعة بدلًا من الاعتماد على مركز واحد، والانتقال تدريجيًا من الدفاع عن القواعد إلى استهداف مصادر التهديد الإيرانية. ويرى حلال أن هذه الإجراءات تفسر قدرة واشنطن على مواصلة عملياتها رغم الضربات المتكررة.

لكن ذلك، بحسب حلال، لا يعني عودة القواعد الأميركية إلى وضعها السابق، بل يكشف عن تحول أكثر عمقًا في مفهوم الانتشار العسكري. وهنا يميز بين انتهاء عصر القواعد الأميركية وبين انتهاء عصر «القاعدة الكبرى الآمنة نسبيًا»؛ فالقواعد الأميركية لن تختفي بالضرورة من المنطقة، إلا أن منشآت رئيسية مثل العديد، والمنشآت الأميركية في البحرين والظفرة والأردن والكويت، لم يعد من الممكن التعامل معها بوصفها ملاذات بعيدة عن ساحة المواجهة، بعدما أصبحت ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة وقابلة للاستهداف المباشر.

ويعتبر حلال أن هذا الواقع أفضى إلى تحول مهم في وظيفة القاعدة العسكرية؛ فبعدما كانت القاعدة تؤدي دور «مضاعِف القوة»، بما توفره من قيادة وإمداد وحماية وقدرة على توليد العمليات، بات تمركز قدر كبير من القدرات في منشأة ثابتة يحمل في ذاته عنصر ضعف، لأن القوة أصبحت مطالبة بتخصيص جزء متزايد من مواردها لحماية القاعدة التي تنطلق منها. ومن هنا، فإن الخطر لا يكمن في وجود القواعد بحد ذاته، بل في ثباتها وتركيز الأصول العسكرية عالية القيمة داخلها.

وتجد هذه الخلاصة، ولا سيما التمييز بين القدرة على التكيّف عملياتيًا وكلفتها الاستراتيجية، ما يعززها في دراستين صادرتين عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS). إذ تظهر الدراستان أن الولايات المتحدة حافظت على استمرارية عملياتها في مواجهة الضربات الإيرانية، لكن ذلك ترافق مع استنزاف متزايد لمخزوناتها الدفاعية.

ففي دراسة مارك كانسيان وكريس بارك الصادرة في 27 تموز 2026 بعنوان “تجدد الحرب مع إيران سيختبر مخزونات صواريخ الاعتراض المتناقصة”، يرى الباحثان أن حملة الدفاع الجوي الأميركية حققت معدلات اعتراض مرتفعة، رغم نجاح بعض الهجمات الإيرانية في اختراق الدفاعات والتسبب بخسائر بشرية وأضرار واسعة في القواعد، من دون أن تتمكن من تعطيل العمليات الأميركية وقوات التحالف.

إلا أن المحافظة على هذه الفاعلية تطلبت استهلاكًا كبيرًا لصواريخ الاعتراض، حتى قدّر الباحثان تراجع مخزون «باتريوت» إلى أقل من ألف صاروخ، ومخزون «ثاد» إلى نحو 250 صاروخًا، بما قد يدفع واشنطن إلى تحمل مخاطر أكبر في عمليات الاعتراض اللاحقة.

اما الدراسة الثانية للباحثين مارك وكريس، بعنوان “إعادة بناء مخزون الصواريخ الأميركية: مشروع متعدد السنوات”،تظهر أن حملة القصف والدفاع الجوي ضد إيران استنزفت مخزونات عدد من أهم الذخائر الأميركية، وأن المشكلة لم تعد مالية بقدر ما أصبحت مرتبطة بالوقت والقدرة الصناعية على التعويض. ويقدّر الباحثان أن إعادة مخزونات توماهوك وثاد وباتريوت إلى مستويات ما قبل العدوان تحتاج ثلاث سنوات أو أكثر، بينما يحتاج تعويض صواريخ SM-3 وSM-6 إلى نحو عامين.

وترى الدراسة أن هذا الاستنزاف خلق «نافذة ضعف» تمتد لسنوات، ولا سيما في ما يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على الاستعداد لمواجهة محتملة في غرب المحيط الهادئ. وعليه، تكشف الدراستان أن حفاظ واشنطن على التكيّف العملياتي مع الضربات الإيرانية لم يكن بلا ثمن، بل نقل جانبًا من كلفة الحرب من ميدان العمليات المباشر إلى الجاهزية العسكرية ومخزونات الذخائر والقدرة على خوض أزمات متزامنة في مسارح أخرى.

ما بعد العدوان: هل سينتهي عصر القواعد الأميركية الكبرى والآمنة في غرب آسيا؟

يرى إليوت أبرامز، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية الأميركي (CFR)، أن الحرب مع إيران كشفت أن نمط الانتشار العسكري الأميركي في الخليج لم يعد ملائمًا للبيئة الاستراتيجية الجديدة. فالقواعد الكبرى في قطر والبحرين والكويت باتت ضمن مدى الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، بعدما أُنشئت وتوسعت في مرحلة لم يكن فيها خصوم الولايات المتحدة قادرين على تهديدها بهذه الفاعلية. ويشير أبرامز إلى أن القوات الأميركية بدأت بالفعل الاعتماد على مواقع بديلة ونقل بعض الأصول بعيدًا عن إيران، مستشهدًا بالقائد السابق لـ«السنتكوم» فرانك ماكنزي، الذي دعا إلى الاتجاه غربًا والبحث في خيارات تشمل إسرائيل وغرب السعودية ومصر. ومن ثم، لا يتوقع أبرامز نهاية الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، بقدر ما يرجّح إعادة تشكيله عبر توزيع القوات على مواقع متعددة وتقليل الاعتماد على القواعد الضخمة القريبة من إيران.

أما غريغوري غوس في معهد الشرق الأوسط (MEI)، فيتناول المسألة من زاوية أخرى، تتعلق بتأثير هذا التحول في الدول المضيفة نفسها. إذ يرى أن القواعد الأميركية في الخليج أدّت تاريخيًا وظيفتين مترابطتين: توفير القدرة العسكرية الأميركية على العمل في المنطقة، وإظهار الالتزام الأمني الأميركي تجاه دول الخليج. غير أن تحوّل هذه القواعد إلى أهداف مباشرة في المواجهة مع إيران يثير تساؤلًا حول ما إذا كانت لا تزال تعزز الردع، أم أنها باتت تزيد من انكشاف الدول المضيفة أمام الضربات.

ولذلك، فإن مستقبل هذه القواعد لا يرتبط فقط بقدرتها على الصمود عسكريًا، بل أيضًا بحسابات دول الخليج بشأن فوائد استضافة القوات الأميركية مقارنة بالمخاطر التي قد تترتب على ذلك في أي مواجهة إقليمية واسعة.

وفي الاتجاه نفسه، ولكن من زاوية عسكرية عملياتية، يتوقع العميد بهاء حلال أن العدوان لن تؤدي بالضرورة إلى انسحاب الولايات المتحدة من الخليج وغرب آسيا، لكنها قد تدفعها إلى إعادة بناء نموذج انتشارها على ثلاث ركائز أساسية: التشتت، والحركة، وتعدد البدائل. وقد يترجم ذلك مستقبلًا بقواعد أقل ضخامة، ومنشآت أكثر انتشارًا، ومخازن موزعة، وقوات جوية أكثر قدرة على الحركة، واعتماد أكبر على القطع البحرية والغواصات والطائرات بعيدة المدى، إلى جانب منظومات دفاعية متعددة الطبقات.

ويخلص حلال إلى أن إيران، حتى وإن لم تتمكن من إخراج القوات الأميركية من المنطقة أو شلّ قدرة «السنتكوم» على العمل، فقد حققت نتيجة استراتيجية مهمة تتمثل في رفع كلفة الوجود العسكري الأميركي وإفقاده جزءًا من حصانته الجغرافية. ومن هذه الزاوية، لا تقاس نتائج المواجهة بحجم الأضرار التي لحقت بهذه القاعدة أو تلك فحسب، بل بما أحدثته من إعادة نظر في جدوى نموذج الانتشار العسكري الأميركي نفسه.

فالسؤال الذي فرضته العدوان لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على الاحتفاظ بقواعدها في المنطقة، بل كيف يمكنها الاحتفاظ بوجود عسكري فاعل من دون أن يتحول تمركز قواتها وأصولها في قواعد كبيرة وثابتة إلى مصدر ضعف واستنزاف في أي مواجهة مقبلة.

المصدر: موقع المنار