الثلاثاء   
   13 10 2026   
   1 جمادى الأولى 1448   
   بيروت 21:22

أزمة الحجاب تتصاعد في أذربيجان.. احتجاجات مدرسية وتوقيف 37 شخصًا وسط جدل بشأن حرية المعتقد

تتصاعد أزمة الحجاب في أذربيجان، بعدما أثارت تعديلات جديدة على قواعد الزي المدرسي احتجاجات داخل المؤسسات التعليمية، على خلفية منع طالبات ومعلمات محجبات من دخول مدارس حكومية، فيما أعلنت السلطات توقيف 37 شخصًا على خلفية أحداث مرتبطة بتطبيق القواعد الجديدة.

وتجاوزت الأزمة الخلاف على الملابس المدرسية، لتفتح نقاشًا بشأن حرية المعتقد والحق في التعليم والعمل، خصوصًا أن أذربيجان دولة ذات غالبية مسلمة، لكنها تتبنّى نظامًا علمانيًا، وتستند حكومتها إلى مبدأ علمانية التعليم في تنظيم ملابس الطلاب والعاملين في المؤسسات التعليمية.

وأظهرت مقاطع مصوّرة تداولها ناشطون طالبات محجبات ينتظرن خارج مدارسهن بعد منعهن من دخول الفصول، كما وثّقت مشاهد لمعلمات يودّعن تلاميذهن وسط البكاء، بعدما قلن إنهن واجهن مطالب بخلع الحجاب لمواصلة العمل.

وقالت المعلمة الأذربيجانية زهرة حسنوفا إنها أُبلغت بأنها لم تعد تستطيع ارتداء الحجاب داخل المدرسة، مؤكدة أن غطاء الرأس لا يمنعها من أداء عملها، وأنها تتمسّك بحقها في العمل والتعليم دون التخلي عن معتقداتها الدينية.

وتأتي هذه التطورات في ظل غياب حصيلة مستقلة تحدّد عدد الطالبات اللواتي مُنعن من دخول المدارس، أو المعلمات اللواتي فُصلن رسميًا أو أُوقفن عن العمل بسبب الحجاب.

وامتدت الاعتراضات إلى مدارس في العاصمة باكو ومناطق أخرى، حيث نُظّمت تحركات طلابية تضامنًا مع زميلات محجبات قيل إنهن مُنعن من الدخول، فيما امتنع طلاب عن حضور الدروس احتجاجًا على القيود الجديدة.

ووثّقت منصة «ميدان تي في» الأذربيجانية احتجاجًا لطلاب مدرسة باكو رقم 69، طالبوا خلاله بالسماح لزميلاتهم المحجبات بمواصلة الدراسة، ورفع محتجون لافتة تحمل عبارة «الحجاب ليس عائقًا أمام التعليم».

كما أفادت تقارير بامتداد الاحتجاجات إلى منطقة ماسالي، حيث امتنع طلاب عن حضور الدروس تضامنًا مع زميلاتهم، وسط اتساع النقاش على منصات التواصل الاجتماعي بشأن تأثير قواعد الزي المدرسي على حق الفتيات في التعليم.

بالفيديو | طفلة أذربيجانية تُجبر على جمع كتبها ومغادرة الصف

وفي تطور موازٍ، أعلنت وزارة الداخلية الأذربيجانية، الاثنين، توقيف 37 شخصًا على خلفية وقائع مرتبطة بتطبيق قواعد الزي المدرسي. وقالت السلطات إن بعض الوقائع تضمّنت الدخول في نزاعات مع العاملين في المدارس، والإضرار بمؤسسات تعليمية، ومحاولات عرقلة عملها وحركة المرور.

وأشارت تقارير إلى فتح قضية جنائية بموجب المادة 233 من قانون العقوبات الأذربيجاني، المتعلقة بتنظيم أعمال تُخلّ بالنظام العام أو المشاركة الفاعلة فيها.

وبالتزامن مع تصاعد الاحتجاجات، ظهرت تقارير عن صعوبات في الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما إنستغرام وتيك توك، مع تداول مقاطع مصوّرة تتعلق بمنع الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس.

وأفادت تقارير إعلامية، الثلاثاء، بأن بعض المستخدمين لم يتمكّنوا من الوصول إلى المنصات إلا باستخدام شبكات افتراضية خاصة، وسط شكاوى من تعذّر استخدامها بصورة طبيعية. ولم تعلن السلطات الأذربيجانية تأكيدًا رسميًا بفرض حجب متعمّد للمنصات بسبب الاحتجاجات، كما لم تؤكد بيانات الجهات المتخصصة في مراقبة انقطاعات الشبكة حدوث اضطراب في الإنترنت.

وتعود جذور الأزمة الحالية إلى تعديلات أقرّتها الحكومة الأذربيجانية على قواعد الزي المدرسي في أيلول/سبتمبر الماضي، بعد مرسوم رئاسي صدر في تموز/يوليو بشأن تطبيق زي موحّد في المؤسسات التعليمية الحكومية.

وفي 21 أيلول/سبتمبر، أقرّ مجلس الوزراء القرار رقم 309 المتعلق بتعديل قواعد ملابس الطلاب، مانعًا ارتداء عناصر أو إضافات تتعارض مع الزي المدرسي الموحّد أو مع ما تصفه السلطات بمبدأ علمانية التعليم العام.

وأصبح الحجاب محور الأزمة بعدما أفادت تقارير محلية بأن بعض إدارات المدارس فسّرت القواعد باعتبارها تمنع الطالبات من ارتداء غطاء الرأس الديني، وطلبت من بعضهن خلعه قبل السماح لهن بالدخول.

واتسع نطاق القضية في 6 تشرين الأول/أكتوبر، عندما أقرّ مجلس الوزراء القرار رقم 325، الذي يحدّد متطلبات ملابس العاملين في المدارس الحكومية، ويشترط توافقها مع الطابع العلماني للتعليم.

وتتضمّن القواعد الجديدة مواصفات للملابس المهنية للمعلمين والمعلمات، من بينها خيارات مثل البدلة الرسمية والتنورة أو الفستان بطول الركبة أو أسفلها. وأثار تطبيق القرار شكاوى من معلمات قلن إن إدارات مدارسهن طالبتهن بخلع غطاء الرأس، أو حذّرتهن من عدم القدرة على مواصلة العمل.

وأدّى الجمع بين قواعد الزي الخاصة بالطلاب والتعديلات المتعلقة بملابس العاملين إلى توسيع نطاق الأزمة، فلم تعد المسألة مقتصرة على دخول الطالبات إلى الفصول، بل امتدت إلى ظروف عمل المعلمات واستمرارهن في وظائفهن.

ونقلت منصة «جام نيوز» عن تقارير وشهادات أن معلمات محجبات في سومقاييت تعرّضن لمطالبات بنزع الحجاب أو تقديم استقالات، كما أوردت تقارير إعلامية حالات مشابهة في مدارس أخرى.

وتستند السلطات الأذربيجانية إلى مبدأ علمانية الدولة والتعليم في تبرير تنظيم الزي داخل المدارس الحكومية. ويرى المدافعون عن القواعد أن توحيد الملابس يساعد على توفير بيئة تعليمية محايدة، لا تتحوّل فيها المظاهر الدينية أو الاجتماعية إلى مصدر للتمييز بين الطلاب.

ونقلت تقارير إعلامية عن الباحثة والمحللة السياسية الأذربيجانية أولفيا ذو الفقار دفاعها عن مبدأ علمانية التعليم، معتبرة أن حرية المعتقد والالتزام باللوائح الداخلية للمدارس ليسا بالضرورة أمرين متناقضين.

في المقابل، يرى معترضون أن تطبيق القواعد على الحجاب يحوّل مسألة تنظيمية إلى قيد على حرية المعتقد، خصوصًا عندما يؤدّي إلى منع طالبة من حضور الدروس، أو وضع معلمة أمام خيار التخلي عن غطاء الرأس أو ترك عملها.

وتكتسب الأزمة حساسية إضافية من طبيعة المجتمع الأذربيجاني، حيث يشكّل المسلمون غالبية السكان، فيما يقوم النظام السياسي على علمانية الدولة. وتشير تقديرات لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية إلى أن أذربيجان دولة ذات أغلبية مسلمة، وأن نحو 96 في المئة من سكانها مسلمون.

وينصّ الدستور الأذربيجاني، في المادة 48، على حرية الضمير، وحق كل شخص في اعتناق الدين الذي يختاره أو عدم اعتناق أي دين، والتعبير عن معتقداته الدينية. ويتمحور الجدل الحالي حول حدود هذه الحرية داخل المؤسسات التعليمية الحكومية، ومدى إمكانية فرض قواعد للملابس من دون أن تتحوّل إلى سبب للحرمان من التعليم أو العمل.

وامتدت تداعيات القضية إلى تركيا، حيث شهدت إسطنبول وقفة احتجاجية أمام القنصلية الأذربيجانية، طالب المشاركون فيها بمراجعة القيود المفروضة على المحجبات، والسماح للطالبات بمواصلة التعليم دون التخلي عن الحجاب.

وأوردت «جام نيوز» أن محتجين تجمّعوا أمام القنصلية الأذربيجانية في إسطنبول اعتراضًا على القيود. وأشار التقرير إلى أن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف تحدّث عن ضرورة حماية البلاد من «الاستفزازات الأيديولوجية» عبر التعليم، في سياق أوسع من النقاش بشأن النفوذ الخارجي. غير أن هذه المواقف لا تكفي وحدها للقول إن الأزمة تحوّلت إلى خلاف دبلوماسي رسمي بين باكو وأنقرة.

المصدر: عربي 21